حملت فولدت في الشارع.. و معبر راحيل طريق للاهانة والذل
في صبيحة الثالث من نيسان (ابريل) 2005 عندما كانت فاطمة جادو (72 سنة) تطبخ في منزلها أصيبت بذبحة صدرية. ابنها فؤاد (49 سنة) كان يعرف أعراض الذبحة الصدرية التي أصابتها سابقا. عائلة جادو تملك بطاقات هوية صادرة عن السلطة الفلسطينية وتأمين صحي من السلطة، ولذلك اتصل فؤاد بالصليب الاحمر طالبا منه ارسال سيارة اسعاف. الصليب الاحمر رد عليه كالعادة بأنه ستكون هناك حاجة للتنسيق مع السلطات الاسرائيلية لمرور السيارة من اراضيها، وأن ذلك سيستغرق وقتا. هذا لأن عائلة جادو محبوسة في جيب صغير جنوبي القدس بين شارع الأنفاق والجدار الفاصل في الجانب الاسرائيلي منه. هم اقترحوا علي جادو أن يحاول نقل والدته الي المستشفي بنفسه.
في تلك الايام كانت هناك ما زالت ثغرة في الجدار علي مسافة 300 متر من منزل جادو، واليوم أصبح مكان هذه الثغرة برجا اسمنتيا كبيرا للحراسة. فؤاد وابن أخيه أمسكا بأذرع الأم وخرجا نحو الطريق للمرور من الثغرة. إلا أن المسافة طويلة نسبيا وتتضمن نزولا للوادي ومن ثم صعودا الي التلة، الأمر الذي استغرقهم نصف ساعة لاجتيازها مع التوقف لفترات استراحة. وعندما وصلوا الي الجدار بالضبط توفيت فاطمة جادو وهي بين أيديهما. قلت هيا بنا نواصل، يقول فؤاد، هذه أمي. الانسان لا يفقد الأمل بسهولة. في الجانب الثاني من الجدار قاما بايقاف سيارة عابرة فاقتادهم السائق الي مستشفي بيت جالا حيث حاولوا اعادة الحياة اليها من خلال الصدمات الكهربائية، إلا أنهما وصلا متأخرين جدا.
في الجيوب الواقعة شرقي حي غيلو وشمالي مخيم عايدة للاجئين بجانب بيت لحم تعيش ثلاث عائلات اخري كبيرة الي جانب عائلة جادو المذكورة. عائلة جادو نفسها تشمل اربع عائلات صغيرة.
حاجز علي الطريق الي المدرسةالعائلة تقطن في المكان منذ سنوات الستين. منازل عائلة جادو وجيرانها كانت مربوطة بمخيم اللاجئين الي حين بناء الجدار. وحتي اليوم حياة هذه العائلات ما زالت مرتبطة بمخيم عايدة وببيت لحم. أبناء العائلة يعملون هناك، بعضهم موظفون في بلدية بيت لحم، وأقاربهم يقطنون هناك، وهم يتلقون الخدمات الصحية ويشترون من المنطقة.
القيام بكل هذه النشاطات والفعاليات الحياتية يستوجب من سكان هذا الجيب أن يمروا عبر معبر راحيل الذي كان سابقا حاجزا مقاما بجانب قبر راحيل وتحول الي معبر حدودي بكل معني الكلمة. مدرسة الاولاد تقع وراء الجدار علي مسافة دقائق مشيا علي الأقدام من منزلهم. ولكن الوصول الي هذه المدرسة يلزم الاولاد بالسير مسافة كيلومتر حتي معبر راحيل لاجتياز الحاجز الحدودي ومن ثم السير لكيلومتر آخر نحو مخيم عايدة.
في عام 2003 عندما بدأت اعمال بناء الجدار الفاصل، كان وضع العائلة اسوأ من ذلك. في أكثر من مرة اعتقلوا بتهمة الوجود غير المشروع في منزلهم. فؤاد يقول ان الشرطة كانت في الساعة الثالثة فجرا تأتي لاقتيادهم الي حاجز عطروت في الجانب الآخر من القدس، ومن ثم تتركهم لمدة اربع حتي خمس ساعات في الانتظار هكذا. كما انهم أخذوا والدهم البالغ من العمر 75 عاما ولم يُبالوا بكِبره. اليوم إثر التماس قدمته العائلة الي محكمة العدل العليا أصبحت لديهم تصاريح اقامة في اسرائيل. بامكانهم أن يتحركوا في القدس ولكن ليس بامكانهم العمل فيها أو قيادة السيارات.
اجتياز معبر يترافق احيانا باهانات كثيرة. هناك يتحدثون بكلمات نابية ومقرفة، يقول فؤاد، عليهم أن لا يتعاملوا معنا مثل الحمير والبهائم. يصرخون علينا بمكبرات الصوت بكلمات قاسية جدا. علي حد قوله أنا لا أفهم ما الذي تريده هذه الدولة مني. هي تريد أن تقتلني؟ هي تريد أن تطردني؟ هي تريد ان تدفني حيا؟ هل تريد هذه الدولة تنجيس حياتي؟.
الاهانات التي تلقاها فؤاد جادو في الايام الاولي من اقامة الجدار كانت علي حد قوله أحد الاسباب الرئيسية للذبحة الصدرية التي أصابته هو ايضا في الرابع من نيسان (ابريل) 2004. لم يكن بامكانه أن يستدعي سيارة اسعاف اسرائيلية لان هذه السيارة لا تدخل إلا مع الحراس، أما الصليب الاحمر فلا يمكنه أن يرسل سيارة اسعاف بدون تنسيق مسبق. جادو الذي لم يفهم بعد أن الآلام التي بدأ يشعر بها هي مؤشرات لذبحة صدرية، بدأ يسير نحو مخيم عايدة مشيا علي الأقدام، وبعد أن سار مسافة 2 كيلومتر ونصف الي المستشفي أصابته ذبحة صدرية ثانية، وأصيب بسكتة قلبية لم تنقذه منها إلا الصدمات الكهربائية السريعة، ومن ثم العملية الجراحية في القلب. والآن هو لا يعرف ما الذي يتوجب عليه أن يفعله اذا أصيب بسكتة قلبية اخري.
الجنين وُلد في الشارعكما أنه لا توجد خيارات كثيرة. في يوم الاحد قبل اسبوع عندما بدأ مخاض رؤي سلامة درويش، جارة عائلة جادو، اضطرت هي وزوجها سعيد للسير مسافة كيلومتر في الوادي متوجهين لشارع معبر راحيل، وهناك كان والدا رؤي بانتظارهما مع سيارتهم لنقلها الي المستشفي، ولكن ما أن وصلت رؤي الي الشارع حتي اشتد المخاض عليها ونزل جنينها وهي في السيارة.
في شـــــهر شباط (فبراير) من هذا العام قدم 20 شخصا من أفراد عائلة جادو التماسا لمحكمة العدل العليا بواسطة المحامي عوديد بيلر من رابطة حقوق المواطن. في الالتماس طلب أبناء العـــــائلة تحريك الجدار وربطهم بالضفة أو منحهم المواطنة الدائمة في اســــرائيل، الامر الذي يسمح لهم بنقل مركز حياتهم الي البلاد حـــــــتي يتمكنوا من الحصول علي احتياجاتهم الحياتية صحيا واجتـــــماعيا وتعليميا ودينيا بكرامة كما يستحق بنو البشر. كل هذه الاحتياجات الأساسية الانسانية دُفنت علي مذبح الجدار، كما كتب بيلر في التــماسه، وأضاف بأن حياة الملتمسين الطبيعية قد تعرضت للتدمير وهُرست تحت الجدار الفاصل الذي وضعهم في غيتو لا يمكن العيش فيه، وحول حياتهم الي اسود من السواد. بيلر طرح امكانية ان يكون هدف الدولة هو إجبار هؤلاء الناس علي ترك منازلهم من تلقاء انفسهم.
أوديت كورينالدي – سركيس، من النيابة العامة للدولة، رفضت طلب تحريك مسار الجدار وادعت أن هذا الامر سيشكل خطرا علي المارين في شارع الأنفاق. الدولة تدعي أن الملتمسين فقط هم المسؤولين عن وضعهم لانهم يقطنون لسنوات طويلة في منطقة القدس، ومع ذلك لم يحرصوا علي ترتيب مكانتهم القانونية، الامر الذي حولهم الي مقيمين غير قانونيين. الدولة اقترحت عليهم أن يُقدموا طلبات فردية للحصول علي بطاقة الهوية الاسرائيلية. كما ادعت نيابة الدولة أن اجتياز معبر راحيل هو اجراء سريع يستغرق 20 دقيقة فقط في ساعات الذروة.
وزارة الدفاع بدورها أفادت بأن عائلة جادو قد حصلت علي ترتيب جيد، الامر الذي يستجيب لاحتياجاتها الحياتية ( المقصود تصاريح المرور ). شاحر ايلانمراسل شؤون الاقليات(هآرتس) ـ 21/11/2006