في اتّجاه مغايرٍ تماماً، ينطلق الروائي والمفكر المغربي ‘بنسالم حمّيش’ في روايته ‘امرأة أعمال’ الصادرة عن دار الشروق 2013، في محاولة لإثبات قدرة الروائي على الكتابة بعيداً عن تأويلات النقّاد التي حاولت تصنيف رواياته في خانة الروايات الفلسفية والتاريخيّة نظراً لاستلهامها من التراث والتاريخ، وإعادة صياغته وفق رؤى فلسفيّة، وفي اختيار شخصيات جدليّة ومعقّدة تنفتح على تأويلات متعددة كما في روايتيه ‘العلامة’ و’مجنون الحكم’.
تقدّم رواية ‘امرأة أعمال’ صورة حيّة عن المجتمع المغربي عبر توظيف شخصيّات تنتمي إلى طبقات اجتماعيّة مختلفة، وشبكة من العلاقات تربط تلك الشخصيات الّتي تتمّدد وفق مستويات متباينة؛ مما يخلق عالماً روائياً متشابكاً في فضاء روائي يستمدّ شرعيته من مقاربته للواقع ومحاكاته له على اختلاف تلك المستويات، وربطها بالروح المحليّة للإنسان المغربي في كلّ تصوراته ورؤاه نحو العالم؛ تلك الروح الّتي تبرز عبر تفاصيل، أهمّها المكان الذي يحدّد معالم الطبقات الاجتماعية الّتي تنتمي إليها الشخصيات، وإن كان اختلافها يسوقها في أنساق متباينة إلاّ أنّها لاتلبث أن تعود لتتقاطع، وتشكّل مفاصل مرنة في تكوين هذا الفضاء عبر جملة من العادات والتقاليد والمأثورات والأمثال والأهازيج الشعبيّة .
الشخصية الرئيسة في الرواية هي ‘أسماء’ سيدة أعمال ‘أطفأت شمعتها الأربعين مطلع سنة 2012’، امرأة جميلة تبدو أصغر من سنها، تدير مكتباً للعقارات، وتتنقل من علاقة إلى أخرى بحثاً عن رجل يستطيع أن يؤمّن لها احتياجاتها الماديّة والنفسيّة، من زوجها الثاني إلى ابنها الذي غادر المغرب وانضمّ إلى تنظيمات دينيّة متطرفة، إلى الحاج النصري الذي اتخذها عشيقة له قبل أن يموت هو الآخر تاركاً لها فيلا من ميراثه.
للوهلة الأولى تبدو أسماء امرأة لاهية فعلاً، إلاّ أنّها في النهاية لا تتجاوز رغبتها في البحث عن رجلٍ يسدّ ثقوب القلب، ما يسوّغ لها كثيراً من سلوكياتها الّتي تبدو غير منطقيّة، كما حدث مع عشيق أختها الميّتة حين توّهمت أنّه الرجل المناسب، وحاولت الحصول عليه وإغواءه. هذا التناقض في شخصيّة أسماء بين عالمها الداخلي الذي يظهرها امرأة ضعيفة، وصورتها الخارجية بوصفها سيّدة أعمال، لكنّها في النهاية تشعر أنّها ظفرت بما تتمناه حين ارتبطت برجل الأعمال ‘عزيز’ الذي استطاع أن يخرج بها من عزلة غرفتها في بيت زوجها المريض، ومخدعها السري الخانق في مكتبها إلى مكانٍ أرحب يؤسس لبداية جديدة كما كانت تتمنى .
في المقابل تبرز شخصيّة ‘زيد أمحزون’، شاب في السادسة والعشرين، يعيش مع أمه العجوز في بيت صفيحي على أطراف العاصمة، وعلى الرغم من أنّه لم يكمل دراسته إلا أنه متعلّم يحفظ الأشعار، ذكي وجريء يشارك في المظاهرات الّتي كانت تنظمها حركة العشرين من فبراير، والّتي تبلورت وظهرت في أجواء الربيع العربي، وقد برع في تأليف هتافات كان قد أهداها للحركة ‘على سبيل النضال والتطوع’ لتصدح بها حناجر العاطلين من العمل والمعوّقين. يعمل زيد في غسيل السيارات في زنقة ‘بيت لحم’ حيث يوجد مكتب أسماء، السيدة الّتي ملكت قلبه قبل أن تشاء الصدف وبتزكية من موظفات المكتب ليصبح زيد موظفاً عندها ويثبت جدارته، فيحوز رضا أسماء ويعمل فيما بعد حارساً شخصياً لها، ويبقى في عمله الذي شكّل مصدر رزق جيّد له .
تقع الرواية في ثلاثة وثلاثين فصلاً، وتلتزم الشكل التقليدي للسرد عبر استخدام راوٍ كلّي المعرفة يهيمن على السرد، ويتصدّى لرصد انفعالات الشخصيات وسرد الأحداث بطريقة تقليديّة متنقلاً من فصلٍ إلى آخر وفق مسار زمني مطابق للزمن الفعلي، وهذا ما يجعل الزمن عنصراً أقلّ أهميّة من بقيّة عناصر البناء الروائي إذ لا مفارقة يمكن أن يُحدثها الزمن أكثر من كونه إطاراً تتحرك فيه الشخصيات بشكلٍ أفقي لا يحتفل بأيّة انتقالات زمنيّة من شأنها أن تحدث حركة طارئة في سيرورة الأحداث أو تصاعدها.
من زاوية ثانية تشكّل اللغة عنصراً مهماً بدءاً من العنوان ‘امرأة أعمال’ الذي يتّخذه حمّيش عنواناً للرواية بدلاً من استخدام المصطلح الشائع ‘سيدة أعمال’، فكلمة امرأة الّتي تجيء مضافة إلى كلمة أعمال تقودنا إلى التفكير في دلالتي الكلمتين، فتكون أسماء امرأة قبل كلّ شيء لها رغباتها واحتياجاتها، ولكنّها تختبئ وراء كلمة أعمال الّتي تتقنع بها لتظهر بصورة مغايرة تماماً، لكنّ هذا التأويل قد لا يبدو مقنعاً تماماً إذا ما حاولنا أن ندرك رغبة الروائي في الانتصار لأسماء بوصفها امرأة قبل كلّ شيء.
تبقى لغة الرواية مُربكة نوعاً ما في استخدام أنساق لغوية مهملة قلّما نجدها مستخدمة في لغة السرد الروائي، ( نعتت أسماء عصير طماطم، لبّى طلبها وسقى الجليس المندهش )، ( لم تعر المضيفة أي اهتمام بالأمر، فأردفت الجليسة قائلة…)، كما يُلاحظ استخدام أساليب لغوية تعبّر عن ثقافته لكنها لاتخدم السرد أو الحوار ، كما في الوصف التالي : (زخات مطرية تبشر بهطول ماء من السماء ينفع الناس ويسقي الأرض العطشى)، بالإضافة إلى استخدام كلمات أجنبية مثل كلمة (سطوب) مما يخلق خللاً في اللغة ولاسيما بين لغة الوصف ولغة الحوار، كما يقدم حمّيش روايته بقائمة بكشاف كلمات يتضمّن مصطلحات أجنبية مكتوبة بالعربية مع ترجمتها مثل(مانجمنت : فن التسيير والإرادة)، مما يدفعنا للسؤال: ما الغاية من هذا الكشّاف إذا كانت الرواية تستخدم اللهجة العاميّة في معظم الحوارات ؟
لكنّ ما يميّز الرواية هو المكان الذي استطاع حمّيش أن يقدّمه بطريقة فنيّة تجعل منه عنصراً فاعلاً في تكوين الشخصيّة وربطها بدلالات رمزيّة، وتتشكّل فيه العلاقات بين الشخصيات فيؤثّر فيها ويعكس انفعالاتها، ويرصد تحولاتها عبر انتقالها من مكانٍ إلى آخر، فالمخدع السري عبارة عن (سرير فاخر تعلو مقدمته مرآة حائطية كبيرة، تعكس الأضواء…ولوحات زيتية يصوّر بعضها إناثا حسناوات متسترات) وهذا ما يجعل من أسماء عشيقة سريّة. في المقابل، نجد الفيلا الّتي تبعث في نفسها راحة أكبر وقد تحررت من قيود الزوج وصارت مدخلاً إلى عالم أوسع، يجعلها سيّدة تنتمي إلى الطبقة المخملية في المجتمع المغربي .
من جهة أخرى نجد زيد يحاول جاهداً عدم التخلي عن مبادئه ويرفض الانسلاخ عن طبقته، لكنَّ هذا الانسلاخ يحدث فعلاً وإن كان غير واضح تماماً، فبيت الصفيح سرعان ما تحوّل إلى شقة واسعة فسيحة في منطقة راقية بمساعدة أسماء ، وهو لم يعد عاطلاً عن العمل مثل بقيّة أهل الحي وهذا ما يحاول زيد إنكاره ليتشبّث به أملاً في أنّ يعمّ هذا التغيير الجميع فنراه يردد الهتافات قبل أن ينام فتتلاشى أصداؤها في نومه .
يمكن القول : إنّ رواية ‘امرأة أعمال’ استطاعت تقديم صورة مشابهة للمجتمع المغربي وإن كان تركيزها منصباً على تقديم صورة للمرأة في انتصارها لنفسها، والخروج من قوقعة الأفكار والأحكام المسبقة إلى فضاء أرحب يعطيها الحق في تقرير مصيرها، ويؤسس لوجود أكثر فاعلية للمرأة في المجتمع المغربي.