مسرحية ‘ليليوم’ للمجري ‘فيرينك مولنار’: ركاكة الحياة اليومية لشخصيات تجاوزت النسيج الدنيوي

حجم الخط
0

نحن على مشارف مدينة بودابست، ليليوم شاب نمق الكلام مخادع،، يعجب الفتيات كثيرا وخاصة صاحبة العمل، وفي يوم من الايام، يقع في حب فتاة، تعمل خادمة تدعى جولي. ثم يعيشان معا، ولكن بسبب هذا الحب يفقد الشاب عمله ويصبح عاطلا، فتبدو عليه مظاهر العنف بنحو متزايد. وعندما تقول له حبيبته جولي، بانها حامل، يبدأ بالتفكير بالحياة التي يمكن أن يعطيها لابنه، وهو عاطل عن العمل. فيقوم بعملية سرقة فاشلة، فيفضل الانتحار بدلا من الاعتقال والسجن. فينتحر بسكين مطبخ، اما زوجته التي في بطنها ابنته، فتلبس عليه ثياب الحداد في صمت.
كان يمكن لمسرحية ليليوم، أن تنتهي هنا، ولكننا فجأة، وجدنا أنفسنا في الآخرة، وأمام أثنين من مباحث الاله، وهما يصطحبانه إلى محاكمة سماوية، حيث يحكم عليه بتهمة أنه كان يضرب زوجته. فتقرر المحكمة بسجنه مدة ست عشرة سنة، وبعد هذه المدة فقط، يمكن له أن يترك السماء، وأن يعود لمرة واحدة الى الأرض، ليرى إبنته لويز، ويقدم لها هدية جميلة، ولكن حينما تراه ابنته لويز، تظنه متشردا، فترفض هديته، وإذا به يصعق من تصرفها هذا، فيقوم بصفعها. وهكذا يفشل في مهمته.إذن، حتى الموت نفسه لم يستطع أن يغيره.
تكشف حبكة المسرحية عن قصة حب عنيفة، غير منطوقة، وذلك ببساطة، لأن وسائل العيش والتعبير غير موجودة لدى أبطالها، لأنها مدفونة في اعماق مشاعرهم، ولا شيء فيها يبدو ظاهرا. بمعنى من المعاني، انهم مقتلعون من أراضيهم العاطفية الخاصة، مثلما لو انهم حرموا من بداهة الحق في امتلاك مشاعر عالية وجديرة بهم.
لقد اختار الكاتب الهنغاري فيرينك مولنار (1952-1878)، أن يموضع بداية قصته في مدينة للألعاب، كمكان شعبي، حيث البؤس الثقافي والاجتماعي للشخصيات التي تقوم بفعل الضرب كوسيلة للتفاهم، قبل كل شيء. ويمكن ان يكون اليوم بدلا من مدينة الألعاب، مركزا تجاريا، حيث نرى الناس فيه وهم يتبضعون، أو يبحثون عن هذا الذي يمتعهم بشكل يومي، على الرغم من ان المتعة المقترحة فيه، ليست سوى متعة قاتمة، تشبه إلى حد كبير يومياتهم التي يهربون منها في التبضع. المكان الذي يقترحه المؤلف لشخصياته، حتى الاحلام فيه مصادرة، لأنها تُختزل على الفور. يصف ‘فيرنيك مولنار’، في البداية شخصياته، بقوله، إنهم يقطنون فضاء محدودا، ومحددا، وضيقا، يشير إلى بؤسهم وسجنهم؛ مكان ليس مجرد مكان فقط، وإنما أيضا حالة نفسية وعاطفية.مثل هذه البداية،يمكن أن تجعلنا نفكر، بالنقد الاجتماعي الذي لم يوله المؤلف اهتماما كافيا، بحيث بدا لنا النص وكأنه يدعو بشكل أو بآخر، إلى تجاوز كافة اشكال النظريات الاجتماعية، ويستكشف بالدرجة الأولى، والاساس، التحول الميتافيزيقي، والملموس للمكان انطلاقا، من الحالة العامة للفقر المسجونة فيها الشخصيات، والغريزة الحيوانية التي يعتبرونها نموذجا لتصرفاتهم.فالشخصيات سجينة سياق محدود، مشوه، وغير انساني، وقد دفعتهم الظروف لأن يجدوا قوة حيوية في قلب بؤسهم الانساني نفسه، قوة جعلتهم يتجاوزون وضعهم ويتسامون عليه، وأن يعيشوا وهم مخلصون لأفكارهم التي ينعتونها بالكرامة.إن حركة التسامي هذه، التي تبنى عليها الحبكة المسرحية كلها، يمكن ان نسميها بالتحول الميتافيزيقي. وكل هذا يمكن أن يتوضح، عندما نقوم بنحت وبحث المعنى الدراماتيكي والمسرحي في اطار الحبكة نفسه.إن الشخصيات مثلما قدمها لنا ‘مولنار’، قابلة للمقارنة بالكائنات الأحادية الخلية، لاسيما أن قدرتهاعلى الكلام والتواصل مختزلة، منذ البداية، إلى وظائف لغوية أكثر بدائية. لغتهم بدائية غير متطورة إلى درجة انهم لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم، وان الوسيلة الوحيدة التي يمتلكونها ظلت ملتصقة بالحركات العنيفة التي يفترض أنها تضمن لهم بقاءهم على قيد الحياة. ولهذا السبب، انهم غير قادرين على التواصل مع بعضهم البعض، إلا من خلال بعض المطالب الواقعية الركيكة للحياة اليومية. ولكن كما يبين لنا النص، والعرض، في آن واحد، فإن هذه الكائنات تجد نفسها اخيرا، محمولة على أجنحة مشاعر ليليوم التي تتجاوزه: فبعد ان يلامس ويداعب جولي، تواجه هذه الاخيرة، المجد المحلي لهذا الشاب المخادع النمق الكلام، ولكن رد فعلها لم يكن يشبه ردود أفعال باقي عشيقاته السابقات، فبدلا من أن تقوم بإغرائه، تظهر له قسوتها وصراحتها مباشرة، وهذا بحد ذاته ما يزعزع مشاعره، ويجعله في حالة من الحرج، لدرجة أن وجودها وحضورها غير العادي أمامه يلغي جميع تصرفاته الرجولية، وان النظرة التي تنظر فيها إليه، توقظ فيه شيئا عميقا، وكبيرا ما كان يمكن أن يتصوره. وهكذا، وعلى الرغم من رعونتهما المتبادلة، إلا أنهما يجتمعان في فضاء شعوري قوي ومفاجئ، كانا يجهلان وجوده حتى لحظة لقائهما. إن مثل هذا الفضاء العاطفي لم يكن متوقعا لهذه الشخصيات. ولهذا السبب عندما تدخل شخوص المسرحية إلى خشبة المسرح، نراهم وكأنهم محرومون من الكلمات والحركات المناسبة للوضع الذي هم فيه، ويعيشون نوعا من الصمت أو الشلل الذي راح يتسلل إلى اجسادهم شيئا فشيئا، أو كأنهم قد قذفوا فجأة في المحيط، ولكن هذا لا يعني انهم لا يعرفون السباحة، وإنما ازيل عنهم حقهم في العوم، بطريقة أو أخرى. وهذا كله يتوضح، فيما بعد، باستخدام الاستعارة ذات الطبيعة الطوبوغرافية. فجميع الشخصيات التي صورها مولنار، وجسدها الإخراج، تبدو كما لو انها تسكن خارج الكون. وهذا يعني بطبيعة الحال، أن هؤلاء الرجال والنساء مهمشون، لأسباب اجتماعية، واقتصادية، وسياسية وثقافية.ومع ذلك، فهم قادرون على ان يتغيروا أيضا، وبشكل جذري وعميق في اماكن أخرى غير معروفة:على المشارف النهائية للمدينة أو العالم، هناك، حيث القيم والقوانين لم تعد صالحة، وحيث المؤسسات التي لم تعد تثقف ولا تحمي، وهناك، حيث لا وجود لأي تحقيق شخصي واجتماعي يمكن تصوره.
ومع ذلك، في قلب هذا المكان الذي لم يتحدد تماما، والخالي من القانون، يمكن أن يحدث شيء ما، قصة حب غير محتملة مثلا، يمكن أن تظهر، بين عناصر لا تتوافق بالضرورة، ولا تمتلك القدرة على التعبير عنها؛ تظهر في عالم استبدلت فيه الأخلاق بمختلف استراتيجيات البقاء، ولا يمكن أن يكون فيه بالعادة مجال للمشاعر الجياشة العالية. ولكن مع ذلك، هذه المشاعر موجودة، وتخلق مزيجا متفجرا يقود الشخصيات نحو الجنوح، ويؤدي بها في النهاية إلى الخسارة والسقوط. وهذا ما يذكرنا، في نفس الوقت، بالمفارقة، والعمق، والجمال النهائي للإنسان. وهنا يكمن في الواقع سر هذا النص والعرض، في آن واحد. لقد خلق كل من المؤلف ‘فيرينك مولنار’، والمخرج’جليان ستوف’، كوكبة من المفارقات التي وضعت في وجود متلازم، يفترض أن تكون بعيدة عن بعضهما البعض، على سبيل المثال: الجنوح والجمال، الحب والعنف، أو شدة المشاعر وغياب الكلام.
نفهم من مشاهدتنا للعرض، أن ليليوم يتصرف دائما من خلال افعال تتناقض مع مشاعره.إنه غير صالح لشيء، ولكنه يمتلك قلبا كبيرا صامتا، بل أخرس. فهو لا يعرف كيف يستخدم الكلمات إلا من أجل أن يضرب. إنه شاب هش، وزنديق ساذج، لا يستطيع ان يصرح بمشاعره، لذلك فهو لا يشعر، ولا يعرف ماذا يريد أن يكون أو يصبح، إذن، فهو لا يكون ولا يصبح أي شيء، وانه لا يعرف أن يقول للمرأة التي يحبها بأنه يحبها، إذن، فهو يضربها، بدلا من أن يحضنها، أو يعانقها، أو يداعبها، أو يلاطفها، وذلك لأن كل هذا الحب الذي بينهما يقض مضجعه. تصرفاته طفولية وقاسية، في ذات الوقت، ويبدو انها مزيج مثير للقلق من البراءة والغباء. ومع ذلك، على الرغم من رفضنا لتصرفاته واعتراضنا عليها، لا نمنع انفسنا من فهمه، والتعاطف معه، وهذا ما يسمح لنا بالتالي، بمرافقته إلى جحيمه النهائي.
في نهاية العرض، يعود ليليوم من عالم الأموات، لكي يضرب ابنته. هذه هي حركة الحنان الوحيدة القادر على فعلها أو القيام بها، بعد فترة طويلة من الفراق، والطريق الطويل. ويمكن نعت هذا الفعل بالعديد من التسميات الاخلاقية، مثل: (انه كاره للنساء، متعجرف، ضعيف، مبتذل، تعيس طفل، عاجز، بائس، وإلى آخره)، ولكن أيا من هذه التسميات أو الحركات يمكن أن تتوصل أو تقدر أن تشرح ما يقوم به بشكل نهائي، وهذا هو بالضبط ما يجعل هذه التصرفات مأساوية، ومؤثرة، في نظرنا كمشاهدين قارئين للعرض. بهذه الطريقة، استطاع العرض ان يجعلنا ندرك الامكنة المقلقة التي يصبح فيها الضرب بديلا للمداعبة. ومن هذه النقطة الحرجة سمح لنا النص، والعرض في ذات الوقت، بالمشاركة في العملية الخيميائية تقريبا، من خلال فهمنا لهاتين الحركتين المتناقضتين.
إن العرض بلا شك يحتوي على متعة لا مثيل لها، ولكنها من الكثرة بحيث بدت عائمة بعض الاحيان ومبالغ بها. فلقد كان شريك ليليوم في عملية السطو، على سبيل المثال، يرتدي رداء قرد، له ذيل طويل يتدلى حتى الأرض، والشخصيات الأخرى برؤوس حيوانات تعبر المسرح ذهابا وإيابا في كل وقت، داخل ديكور مذهل، تتوالى فيه اللوحات المسرحية، التي تحول المسرح مرة إلى شقة، وأخرى، إلى أرض شاسعة، وثالثة إلى محكمة في الجنة تقشعر لها الأبدان. ولقد وضع المخرج ‘جليان ستوف’، حركة مجموعة صغيرة من البشر في اماكن عديدة، وصورهم بكيفية غير عادية، بحيث بدوا لا هم جيدون ولا هم سيئون حقا، وإنهم بكل بساطة، ضائعون، ومهمشون، وعاطلون. إنهم ضحايا أنفسهم اكثر مما هم ضحايا الازمات والبطالة، وإن همهم الوحيد هو البقاء على قيد الحياة وبأي طريقة كانت. وإذا كانوا يبدون عدوانيين، فذلك لأنهم يخافون من كل شيء، فيستسلمون إلى دوافعهم، غير مبالين بالعالم.ولهذا بدا لهم حتى الحب ممنوعا، لأنه يطلب منهم في المقابل نوعا من الاستسلام الذاتي، الذي يعتبر في عالمهم، ليس إلا علامة من الضعف. لقد كشف الإخراج عن اقتراحات غنية بكل حيوية، وقام بقص العرض على طريقة الحكايات التي تروى بمتعة لا مثيل لها، وخاصة في المشهد الذي راح فيه ممثل من الممثلين يقرأ توجيهات المؤلف، في الوقت الذي يقوم فيه ممثل آخر بالتمثيل الإيمائي،من اجل اختصار الزمن المسرحي، والتغلب على عملية تغيير الديكور والاكسسوارات اللازمة، هذا بالإضافة إلى أنه قد ضاعف من عملية الذهاب والإياب بين التراجيدية والكوميدية، وبين الوحشية والرقة، والزيف الحقيقي والحقيقة الشعرية. لقد كانت صور العرض قوية، وتتسلسل فيها المشاهد بكيفية مثيرة للضحك بشكل لا يقاوم أو تحمل عواطف رقيقة، وخاصة في المشهد الذي نرى فيه جثة ليليوم وهي واقفة، في حين أن جولي تأخذ بيده، كما لو انه لايزال حيا … وكذلك في اللوحات الأخيرة، التي عالجها المخرج بالبساطة، التي حولت الهلسنة البصرية إلى شيء مؤكد. هذا بالإضافة، إلى الاقنعة، والتنكر، والبالونات، والحيوانات المحنطة التي تظهر، وتختفي بشكل منتظم، في بالية مضطربة تقطر جوا من الطفولة، يقوده تسعة ممثلين مرحين، قدموا معرضا من الصور المذهلة، دافعوا من خلالها على ادوارهم سواء كانت صغيرة اوكبيرة بنفس الحماس والشجاعة.
لقد تشكلت قصة العرض من دراما اجتماعية، ولكن في نفس الوقت، لم يهتم لا المؤلف ولا المخرج بالنظريات أو النقد الاجتماعي، بل على العكس من ذلك، فتحوا، ورسموا فضاء توجد فيه جميع العناصر التي قد تؤدي إلى مثل هذه الانتقادات، وقد استدعيا في عملهما شيئا مختلفا تماما: شيئا اكبر من ذلك بكثير، واكثر من الميتافيزيقيا بكثير، وبالتالي أكثر صعوبة على الفهم. ولعل هذا هو سر الانسان. انهما حاولا أن يرويا لنا قصة متناقضة، تلامسنا بطريقة غير متوقعة، وتكشف عن احداث في مكان مثير للقلق. وهذا يستدعي نفس النوع من المشاعر التي يمكننا أن نجربها عندما نرى قردة تتكلم فجأة الشعر. لقد حاولا أن يتجاوزا النسيج الدنيوي وأن يسمحا لنا بأن نكون شاهدين على هذه العملية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية