انتهاك سياسي للحرم المقدس: حول انتخابات الجامعة الأردنية

حجم الخط
2

كما في كل حدث جَلل في الأردن: هناك من جهة، الرواية الرسمية، وهناك في الجهة الأخرى، رواية أقرب إلى الحقيقة.
العجيب أن القائمين على الروايات الرسمية ما يزالون يتناسون حقيقة أن العالم قد تغير، إذ في كل هاتف كاميرا، ومقابل كل إعلام رسمي إعلام بديل، ولم يعد هناك مجال لاستغباء الناس أو تضليلهم تماماً بأن يصوروا لهم العزاء عرساً، والسفيه حكيماً، والجبان شجاعاً، والجلاد ضحية، والمذبحة سوء تفاهم. ليست الحقيقة نسبية إلى هذا الحد، خاصة إذا ما كانت تخص ‘ما حدث’ في عالم الحواس، لا ‘ما يعنيه الحدث’ حيث مجال التأويل والتحليل والتعليق غدا مستباحاً لكل من أحب أن يُنظّر حول ‘ظاهرة العنف الجامعي’، فيخصص فقرة في مقالته السريعة للأسباب وأخرى لاقتراح الحلول. ولولا أن في الافتراض التالي شيئاً من’السفْسَطة، لقلت إن هناك علاقة ما طردية عجيبة بين كثرة المقالات والندوات والمؤتمرات والتصريحات حول ‘ظاهرة العنف’ هذه، وتفاقم هذا العنف بصورة روتينية منظمة عاماً بعد عام.
لا بأس من التحليل، على أنه في معظمه كسول جبان، لا يذهب أبعد من الدعوة إلى زيادة الوعي بالسلوك المدني والممارسة الديمقراطية واجترار الكلام الفضفاض الفارغ حول التفكير النقدي وثقافة الحوار. إن أي تحليل يجبن عن تحميل السلطة السياسية مسؤولية انهيار التعليم في الأردن وإذن تشويه شخصية المواطن الأردني لا داعي له من وجهة نظري. كما أنه إن قصّر عن مراجعة المناهج الدراسية والجامعية وتفكيك ما فيها من أيديولوجيات (سياسية ودينية واجتماعية) وعلاقتها بالسلطة، خادماً ومخدوماً، يبقى سطحياً إلى حد فاجع، ولن يساهم إلا في تراجع الوعي السياسي والفكري والاجتماعي، طالما أن ما يقدم من تحليلات واقتراحات من قبل عالم’الـ’ثقافة’ هو على هذا القدر من الاستهتار بمعناها.
الأسوأ في عالم التنظير هو أن البعض يعتقد أن الحلول ‘المرحلية’ لا بد تتناقض مع الحلول ‘الجذرية’، وأن المطالبة بالمحاسبة لا تخرج عن كونها ردة فعل عاطفية نزقة، متجاهلين أن الحديث عن الثانية والصمت عن المطالبة بالأولى قد لا ينطلق إلا من الخوف والرغبة في الحفاظ على مسافة أمان مع السلطة، لا من اقتناع حقيقي بأن مواجهتها بشجاعة لن تأتي بنتائج. إن الحديث الهادئ البليد حول ‘الأسباب البنيوية’ للعنف الجامعي في ظل ما حدث في الجامعة الأردنية يوم الخميس 27 مارس/آذار من ضرب وتكسير وأسلحة وحصار قاعات ورعب وهَلع وغاز، يشبه حال من يقف أمام جثة ويقرر، بدل دفنها، التفكير في المعنى الميتافيزيقي للموت، بوجود من ينكر كإدارة الجامعة والإعلام الرسمي – أن الميت قد مات فعلاً أو أنه قد عاش أصلاً. لا ينفي ذلك أهمية التفكير في المعنى والدوافع والأسباب، لكن ذلك لا يلغي ضرورة الفعل المرحلي المطالِب بمحاسبة المسؤولين كأفراد لا كفكرة مجردة حول المؤسسة، وهو ما ينبغي التركيز عليه بعد أن تحقق التوثق، عبر شهود عيان ووسائل الإعلام البديل، من حقيقة وجود الجثة.
لم تعد كلية الآداب مساء الخميس أكثر من جثة هامدة، وقابيل يتجاهل غرباناً تبحث في الأرض لتُريَه كيف يواري سَوءة أخيه.
لقد غدت الجامعة الأردنية ساحة المعركة الأكبر التي فيها تصفي الدولة الأردنية حساباتها مع الإسلاميين، لا من خلال مواجهة سياسية، بل من خلال عناصر شبابية عشائرية صُنعت وفصلت جهلاً وتعصباً بما يخدم مصالح أجهزة الدولة بشكل مباشر، تساعدها في ذلك إدارة الجامعة المفصلة هي الأخرى وفقاً لحسابات لا علاقة لها حقيقية بغايات الأكاديميا والعلم والمعرفة، إلا بمسمى الدكتوراه البائس. ويكفي لفهم هذه النقطة الانتباه إلى الدرجة التي أصبحت عندها مقبولةً معتادةً في الأردن ‘صدفةُ’ أن يتولى إدارة أهم مؤسسات الدولة، أكاديمية وغير أكاديمية، أفراد من العائلة نفسها (وليس هذا اعتراضا على عائلة بعينها، بل على الفكرة)، وكأن البلد الذي تشدق طويلاً بنسبة الجامعيين وحملة الدكتوراه فيه، وبعبارة ‘شتى الأصول والمنابت’ أفلس من الخبراء والمختصين في مجالات السياسة والإدارة والتعليم. هو لم يفلس، لكن السلطة كادت أن تفلس من المبررات الطبيعية لوجودها مما يجعل الجامعات من حيث هي مؤسسات تعليمية آخر همها، فتختار إداراتها وفقاً لاتفاق المصالح لا انطباق أعلى المؤهلات، بل وتلجأ إلى استخدام شباب الجامعات وشاباتها طعماً سهلاً لتخويف الناس من غيابها، وللتأكيد على دورها الوحيد كـ’صمام أمان’ في وجه الفِتن التي خلقتها هي باقتدار عجيب. حين لا يعود الطالب أو الأستاذ أو الموظف في الجامعة يطالب بشيء غير الأمن، تحقق السلطة أهدافها، إذ سينشغل الجميع لفترة طويلة وينسون التفكير في المصائب الأكاديمية الأخرى في الجامعة بعد نوبة الذعر، وسيحل الأمن مطلبا محلها بل (في النطاق الأوسع) محل الحرية والخبز والدفء، ويتحول خطاب الحقيقة الأساسي في أي مؤسسة تعليمية إلى خطاب ساذج حول ‘التعايش’. والأهم: يصبح رجال الأمن أهم من الأساتذة العاجزين عن حماية أنفسهم وطلبتهم، بعد أن خلقت السلطة حاجة مستجدة إلى الأمان يصبح أمامها التعليم وتوابعه ترفاً وكماليات لا أكثر. لقد أقر مجلس الوزراء قبل شهرين منح العاملين في أمن الجامعات صفة الضابطة العدلية، مما يعني زيادة صلاحياتهم ليصل حد إحالة ‘المتهمين’ إلى المحاكم، وهو ما يراه بعض الأكاديميين حلا ضرورياً مؤقتاً، بينما يراه البعض الآخر نية واضحة لتفجير الحرم الجامعي بالمزيد من مبررات العنف.
ببساطة أكثر: هناك سلطة تنوم العقول مغناطيسياً لتحلُمَ بالخوف، وهكذا تستيقظ الوحوش. بالنسبة إليّ كعضو هيئة تدريس، كانت الخلفية السياسية للصورة الواقعية واضحة في ذلك اليوم، وإن بدت لآخرين محض عراك مرتجل بين جُهال، وبدا من هم مثلي من أصحاب نظرية المؤامرة، وهو الوصف الذي أصبح يطلق جزافاً على كل من يحاول الرؤية أبعد من المعنى المباشر. تفاصيل كثيرة وشت لي، وأنا كنت من بين المحاصَرين في قاعة انتخاب حاول مسلحون اقتحامها في ظل إصرار إدارة الجامعة إعلاميا على سير العملية الانتخابية ‘بسلاسة’، وشت لي بأن الأمر برمته مؤلف مدبر غارق في السياسة حتى النخاع. وزير التنمية السياسية أسرع فصرح رداً على الحركة الإسلامية ليقول إن ما جرى في الأردنية ‘طبيعي’ و’ليس مؤامرة’، بل يحدث ‘في انتخابات الطلاب في كل العالم’، متجاهلاً البحث في الحقيقة من خلال ‘شهود عيان’ بعضهم أكاديميون مروا بأعرق جامعات العالم ويستطيعون التمييز بين ما هو ‘طبيعي’ وما هو ‘غير طبيعي’ في الخلافات السياسية داخل أسوار الجامعات، كما يستطيعون بسهولة فرز النفاق وألعاب الحقيقة، سواء في خطاب السلطة أو المعارضة، بحكم خبرة بعضهم الفكرية والأكاديمية في تحليل مستويات عدة في الخطاب، السياسي وغيره، نظريا وتطبيقياً.
ليس بالضرورة الانتماء أو الاتفاق مع الحركة الإسلامية للاعتراض على الطرق المتعددة التي تم بها استفزاز طلاب الجامعة وطالباتها المنتمين للاتجاه الإسلامي قبل أن يرد هؤلاء العنف بمثله. لقد وجدت الدولة نفسها في مأزق: فهي من جهة المسؤولة عن خلق ‘المقبولية’ كما يسميها ميشيل فوكو عند نسبة لا يستهان بها من الشباب لفكر الحركات الإسلامية، وقد وضحتُ هذا التواطؤ بين الأيديولوجيا الدينية وعلاقتها بمصلحة الدولة في مقال سابق حول الجهل المـُمأسَس. من جهة أخرى، أي حين ينفك هذا التواطؤ وتتصارع الجهات الأمنية والأحزاب الإسلامية على النفوذ السلطوي في ضوء شكل الدول المجاورة بعد الربيع العربي، تتغير الأمور ويحول شباب الحركة في الجامعات إلى مجرد كبش فداء يُزَج في تصفيات سياسية ويترَك لرحمة ميليشيا لجان مؤازرة شباب العشائر (وبعضهم من خارج الجامعة تماماً). هؤلاء قد غُسلت عقولهم كما غُسلت عقول معظم خريجي المدارس لتروي عطش السلطة غسلا إلى غير رجعة فتبقى جاهزة أبداً، في سياق كالانتخابات، لأن تُستغل عصبيتها المصنوعة وقابليتها للأدلجة في سبيل أغراض سياسية بحتة، سواء كانت هذه الأيديولوجيات فكرية سياسية كالحركة الإسلامية، أو قبَلية غير فكرية لكن سياسية كالانتماء العشائري بوجهه القبيح الجديد الذي يعترض عليه كبار شيوخ العشائر الأردنية أنفسهم.
لقد نبه الأكاديمي أنيس الخصاونة في مقالة لاحقة على الانتخابات إلى ما ورد في صحيفة ‘وورلد تربيون’ الأمريكية من أن الملك عبدالله الثاني ‘قال للرئيس الأمريكي أوباما في شهر فبراير/ شباط الماضي إنه أخمد المعارضة الإسلامية الصاعدة واستعاد ولاء العشائر الأردنية.’ لا يمكن فهم ما حدث في الجامعة الأردنية بمعزل عما يعنيه ذلك، لكن الأكاديميين داخل أسوار الجامعة ليسوا مطالَبين بأن يدخلوا معترك السياسة، ويحولوا هموم التعليم إلى هموم سياسية كي يدافعوا عاماً بعد عام عن حقهم ‘الطبيعي’ في ألا يكون مكان عملهم ساحة للتصفيات السياسية. على أن الكارثة العظمى هي أن الدولة نجحت في تحويل أكاديميين كثيرين عن منطق الشجاعة الذي يفترض أن تجره سلطة المعرفة، فأصبحوا يخافون حتى من التصريح بما يريدون لعلمهم بالصلة الوثيقة بين إدارات الجامعات وأجهزة الدولة، وهو الخوف الذي يتندر به الطلاب أنفسهم، خاصة مع وجود أكاديميين (وطلاب وموظفين كما هو معروف) يدعون صلة حقيقية أو مزعومة بهذه الأجهزة، فيتحركون في الجامعة بثقة واستعلاء غير علميين. لقد حاول أعضاء في القسم الذي أنتمي إليه إقناع زملائهم باتخاذ موقف جماعي جريء واضح ضد مسؤول مباشر عن التقصير يوم الانتخابات، وجوبهوا بتردد عنيد من زملائهم الآخرين، فبقيت لبعضهم الوسائل الفردية فقط في إبداء الاعتراض، ومنها هذا المقال.
كحل مرحلي مقتصر على المساحة داخل أسوار الجامعة، لا بد أن يحاسِب الأكاديميون إدارتَهم على أمور أربعة. الأول على تواطؤ الإدارة حد الرضوخ مع أجهزة الدولة في تصفية حساباتها السياسية، وإن كان الثمن (الرخيص كما يبدو) مدفوعا من طلبتها وأعضاء كادرها التدريسي؛ الثاني إهانة الحرم الجامعي وما يمثله من ‘بحث عن الحقيقة’ بتقديم المصالح الشخصية مع الدولة على فكرة الجامعة كمكان للفكر والمعرفة؛ الثالث قصورها عن توفير أبسط متطلبات الأمن لضمان سلامة طلابها وأساتذتها خلال فترة الانتخابات؛ والرابع الكذب. أن يقال إن ما حدث كان ‘عرساً ديمقراطيا’ باستثناء بعض ‘التدافع’ و’المناوشات’ هو من أكبر الإهانات الموجهة لكل أستاذ وطالب جاء إلى هذا المكان ليعلم ويتعلم ويبحث، فتحول إلى محض كائن مرعوب يطلب الحماية. إن ‘الكذب يوجب الوقيعة’ كما قال الإمام علي، ووقيعة الانتخابات ستجر غيرها وغيرها إن استمر الاحتقان في غياب أي نية أو توجه لمحاسبة المسؤولين، الذين لا يبدون مدركين للفكرة البسيطة: إن أي مكان مجاله العلم والمعرفة لا بد أن يعتَبر حرما مقدساً تخلع عنده السلطة نعليها، ولا يدنس بالصراع على النفوذ بالأسلحة والغاز والضرب والتكسير، ولا يمكن له أن يدار بمنطق البلطجة والمافيات والميليشيات. نعم إن مشاكل مؤسسات التعليم أكثر استفحالاً وتعقيداً وتركيباً، ولن تُحل مرحلياً أبداً، لكن وصول إحدى أزماتها الواضحة إلى هذا الحد يستدعي ردة فعل بحجم الحدث، إلا إذا كان الأكاديميون قد ربوا اليأس طيلة عقود فآثروا ألا ينفخوا في الرماد، خاصة بعد أن رأوا مؤخرا كيف لم تحرك الدولة ساكناً في قضية الشهيد زعيتر فلم يعد هناك جدوى من الغضب بسبب طعن طالب أو تكسير قاعة. مع ذلك، فإن لهم، لو شاؤوا، تقمصَ دورهم الأكاديمي الأصيل وهو، منذ سقراط، قول الحقيقة في وجه السلطة. على أن لذلك في بلادنا أثماناً يبدو أنها أكبر من أن يقدر على دفعها أحد.

‘ كاتبة من الاردن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية