الناقد الجزائري عمارة بوجمعة:
الجزائر ـ “القدس العربي”: عمارة بوجمعة أستاذ جامعي، وناقد مهتم بتحولات النص الجزائري والعربي سردا وشعرا، وله دراسات نقدية كثيرة في شؤون الابداع الجزائري والمغاربي، ومهتم بشكل خاص بالنقد والنظرية الأدبية الحديثة.
صدر له ديوان شعري وردة الأهوال 2005 وله دراسة نقدية حول الكتابة والابداع وديوان شعر بعنوان قمر علي حصن الأمير. كيف تشكلت علاقتك مع القراءة ثم الكتابة لاحقا؟ اذكر انه كان من حظي أن اقرأ في مرحلة مبكرة الأعمال القصصية الكاملة لغسان كنفاني. كان هذا الاكتشاف محفزا لي في المرحلة نفسها كي أقرا كتابات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف ادريس وعبد الرحمن الشرقاوي ومحمد ديب واقرأ فيما بعد الجاحظ ونصوص التصوف ودواوين الشعر العربي القديم. كان حصاد هذه الرغبة يتسع ويتنوع وسط أصدقاء أكثر مني هوسا بعالم الكتاب والقراءة.
ثم صارت الجامعة في مرحلة لاحقة المكان الذي تعددت فيه آفاق هذه القراءة وانفتحت علي الحقول المعرفية الأخري المتاخمة للأدب.
في هذه المرحلة كنت أكثر ميلا لقراءة نصوص الحداثة العربية في ابداعاتها الروائية والشعرية، فيما كانت الكتابة تتشكل من أسئلة القراءة، من الانطباعات الخاصة، ومن التأملات الذاتية في المشاعر، الي أن وجدت الاستفادة من الأفكار النقدية التي طرحها فكر الحداثة ووجدت العون الكبير في ذلك المجال المعرفي والفني الذي يضيئه المبدعون حول أعمالهم أو أعمال غيرهم من الكتاب والشعراء علي نحو ما تمثله علي سبيل المثال: كتابات ادونيس ومحمد بنيس وجمال الغيطاني والياس خوري في الكتابة النقدية العربية، وأعمال بلانشو وبارت وانبرطو ايكو وفليب سولير في النقد الغربي. ما هي العناصر التي تراها أساسية في تكوين القارئ النقدي في ما بعد؟ اعتقد أن هذه الجوانب ترتبط عندي بمزاج خاص. برغبة ما في أن أكون داخل السؤال وداخل المعرفة المتوترة والقلقة… وان أكون معناه:
أن أظل أمينا لنوع من الحس.. ولنوع من العناد في مغالبة الأوضاع والشروط من اجل السفر في الحركة الحرة للغة والفكر والابداع.. أظن أني استفدت من حب خاص للفلسفة ومن فضول معرفي في التعرف علي انجازات المعرفة الانسانية في ميادينها الكثيرة والمختلفة بما كان يكفل لي امكانية استيعاب التحولات التي تشهدها النظرية النقدية الحديثة ويمكنني تدريجيا من تنمية القدرات الفنية الكفيلة بتحقيق ذلك النوع من الحوار النقدي الجمالي مع النصوص الابداعية. أعتقد أنني في سياق انضاج تجربتي النقدية وتطويرها بالكيفية التي تسمح بتجديد الرؤية والأسئلة وتقديم الاقتراحات الفنية التي أريد لها أن تكون في مستوي طموح التجربة الابداعية الجزائرية، أي في طموح تلك الكتابة الابداعية المفتوحة علي الايقاعات المختلفة للزمن واللغة والتاريخ. ما هي القضايا النقدية التي شغلتك في بداية مشوارك؟ وهل هي نفسها التي تشغلك الآن؟ كنت منشغلا في البداية بالقضايا النقدية التي أثارتها المدرسة الواقعية في الأدب، ومهتما باطارها الفكري والايديولوجي، بفلسفتها وأعلامها. أما في هذه المرحلة فانا أحاول أن استفيد من نسق التفكير النقدي الجديد في ظواهره الفكرية والجمالية، لا سيما في المجال الذي يوصف الآن بنظريات القراءة والتأويل.
كما اني أحاول بشكل جاد أن أتعرف علي نظرية الكتابة الحديثة واكتشف العلاقات التفاعلية القائمة بين الكتابة الأدبية وغيرها من العلامات والوسائط الفنية الأخري، وهو توجه يجعلني انحاز لفاعلية القراءة القادرة علي استيعاب التحولات الفنية التي يشهدها النص الابداعي الحديث. كيف تنظر للكتابة النقدية بين هيمنة الأطروحات الأكاديمية وغياب المقاربات المتحررة من المؤسسة الجامعية؟ ربما خارج الحديث عن الفارق بين هذا النوع من النقد وذاك، أجد أن المشكلة تكمن في أن النقد الأكاديمي ـ علي كثير من ايجابياته ـ لا يزال يواجه حالة من الجمود، الجمود معناه هنا، أن هذا النقد يغالي من سلطة المنهج، سواء كان ذلك المنهج الذي يحيل الأدب علي المؤثرات الخارجية أو المنهج الذي يعتد بالنسق المغلق للنصوص. هذه الوضعية التي يعيشها النقد الأكاديمي لم تستطع بعد الانفتاح علي حركة نقدية مرنة، تحتكم للأنساق النقدية المفتوحة كما هو الحال مثلا، مع تجربة عبد الله الغذامي في السعودية وصلاح فضل ومصطفي ناصف في مصر ولطفي اليوسفي في تونس ومحمد بنيس في المغرب. غير أن هذا لا ينفي وجود مؤشرات كثيرة تشير الي بداية انفتاح هذا النقد علي التحولات التي أصبحت تطال المنهج والنظرية في الفكر النقدي عند الغرب. ثمة اذا امكان في المستقبل للعبور الي الوعي النقدي القادر علي التخلص من صدأ المفاهيم وتصلب النظرية النقدية وثباتها حيث بامكان النقد أن يغدو بدوه عملا جماليا مرادفا للنص الأدبي، ومواكبا لتحولاته المختلفة. ان هذا الانفتاح مكفول أيضا بذلك الاسهام الذي يجب أن يقدمه النقد الذي ينشأ عادة في المنابر الابداعية الحرة. تلك المنابر التي تغيب في واقعنا الثقافي والاعلامي مقارنة بالدولة العربية المجاورة لنا. يهيمن المنهج السيميائي علي الخطاب القرائي في الجامعة هيمنة تضعف من هامش المناهج الأخري علي التواجد والمناورة. هل تعتبر ذلك ايجابيا أم أن الجامعة بحاجة الي التفتح علي كل المناهج الأخري؟ مهما يكن المنهج الذي نعتمده، سواء كان منهجا سيميائيا أو غيره من المناهج، فان الخضوع المطلق لمنهج بعينه لا يقود الا لتقييد الفهم وتضييق الآفاق التي ننظر منها الي النصوص الأدبية. بل ان الرؤية المنهجية التي تأخذ عندنا ـ عادة ـ شكل الموضة النقدية المتسلطة، تفقد وعينا النقدي مرونته وامكانيته علي الانفتاح والتطور.
هذا بالاضافة الي أن المنهج الذي نعتمده نظريا لا نستطيع في الغالب تحويله الي فاعلية اجراء حقيقية. ومن ثم كان المطلب المنهجي الصحيح يقتضي الخروج من النظرة الأحادية المنفصلة الي الافادة الواعية من المناهج النقدية المختلفة التي بامكانها الاحاطة بالابداعات الأدبية الجديدة في كافة تجلياتها الفكرية والجمالية. ان الانفتاح الذي أصبح الميزة الثابتة في الكتابة الابداعية الحديثة أصبح يقتضي بدوره انفتاحا نقديا تكون فيه الكتابة حوارا خلاقا يستوعب علاقات النص في أبعادها الظاهرة والمضمرة.
استطيع أن أقول هنا أن الوعي النقدي في الجامعة يسير الي ذلك التنوع المنهجي القائم علي التضافر المعرفي في الكشف عن التجربة الأدبية و اثرائها لأنه بات يدرك أن الانعطافات الجديدة للفكر والكتابة والابداع تقتضي ضرورة اعادة النظر في القيم والمعايير والأحكام والمناهج. ما هي العناصر اللافتة للنظر في ما يمكن تصوره كنص جديد، متهم بأنه عاق، ومن جهة أخري مكرر وغير مبدع، لم يصل الي مستوي ما حققه السابقون؟ ان الأحكام الأخلاقية والايديولوجية ـ وحتي المزاجية ـ التي تصدر ـ عادة ـ في وصف النصوص الابداعية الجديدة لا تعبر سوي عن ذلك التحامل السيء الذي يصدر عن جهل بطبيعة الابداع. تلك الطبيعة التي ترفض الثبات، والجمود وتتطلع باستمرار الي ما هو مختلف وجديد. ان هذه الطبيعة هي التي حكمت تاريخ الابداع منذ نشأته الأولي.. لذلك كانت القيمة الحقيقية للنص الابداعي تستمد من قدرته علي تحقيق الاضافة الجمالية وانجاز الابدال الفني الكفيل باثراء التجربة الذاتية والانسانية. ان تقييما حقيقيا لتجربة الابداع الجزائري يكشف أن ولادة النص الجديد تمخضت عن تحول طبيعي وليس عن انقطاع ـ كما يزعم في كثير من الأحيان ـ فلا شك أن الابداع السابق علي هذا النص كان قد أنجز علي شكل ما، ذلك النوع من التراكم الذي ساعد بدافع من طبيعة المرحلة في تحقيق الابدال الفني. لذلك أتصور أن الكتابة علي النمط الذي كان سائدا قبل حدوث هذا الابدال هو نوع من التجني علي شروط المرحلة وعلي طبيعة الابداع، بل هو ترسيخ لعناصر الاعاقة التي تمنع الابداع من التفتح والتجدد. واذا كان بالامكان القول أن النص الابداعي الجديد يعيش الآن لحظة تأسيس فعلية لرهاناته الفكرية الجمالية. فانه من الضروري الاشارة أيضا الي أن هذا النص يتشكل في وعي فني جديد.. وعي يغامر في جدل التجريب الابداعي بتنوع مساراته الفنية والجمالية بما يسمح بتوجيه الكتابة في اتجاهات جديدة، تملك شرعيتها في كونها تجارب مفتوحة علي امكانيات القراءة والتأويل. ما هي مشاريعك في البحث النقدي وطموحاتك المستقبلية كذلك؟ أنا الآن منشغل بأطروحة دكتوراه حول بلاغة الكتابة الحداثية. هذا الانشغال يجعل جهدي في هذه الفترة المتبقية مركزا علي محيط هذا البحث بكل ما يتطلبه من متابعة حثيثة للنظريات وللكتابة والابداع. أما ما اطمح اليه، فهو أن أقدم قراءة نقدية مجتهدة للنص الجزائري، تفي بالكشف عن مكوناته الفنية والجمالية وتسهم في وضعه داخل خريطة الكتابة العربية بتحولاتها الفنية الحديثة.
التقاه: بشير مفتي