السيدات والسادة، أيها الحضور الكريم: التزاما بالحدود التي رسمت لهذا اللقاء الذي أعتبره شخصيا من ناحية واحدا من سلسلة اللقاءات التكريمية التي يستحقها أستاذنا المبدع والباحث المميز الدكتور محمد أنقار.
كما أعتبره من ناحية أخرى لقاء تقييميا وتثمينيا يتوّج جملة من اللقاءات التي تمّت حول ما أبدعه الكاتب من نتاج القصّ والحكي البديع ضمن نطاق القصة القصيرة والرواية والمسرح خلال فترة تمتد عبر عقود من الزّمن. أقول التزاما بهذه الحدود المرسومة آليت على نفسي أن أؤسس خطابي التقديمي هذا حول هذا الرجل المعلمة على خلفية من الوشائج والروابط الإنسانية العميقة التي تربطني به شخصيا، والتي استشف منها ضمن ما أستشف رابطة الأخوة الأدبية الصادقة الممتدة عبر جيلين أو فئتين متعاقبتين من جيل واحد تفصل بينهما مسافة قصيرة ولكنهما يتقاطعان عبر سمات ثقافية مشتركة تمتدّ في الصيرورة والتحوّل عبر مظاهر الألفة والدّهشة ومراحل الإخصاب والنّضوج التي قد يعقبها شعور مشترك بحالة من اليُبس والجفاف كشعور قهريّ موسوم بالمرارة ومشاعر اليأس والإحباط.
هذا وسوف أتناول في مداخلتي هذه حول الموضوع المقرر للقاء،محورين أساسيين هما: الصورة السردية بين سمة الغياب وسمت الحضور . والسرد مكون شعري بامتياز.
1.الصورة السردية بين سمة الغياب وسمت الحضور: إن المتتبع للفكر النقدي وفلسفة الفنّ لدى الأستاذ الباحث محمد أنقار لابدّ أن يتوقّف عند مشروعه الفني العميق حول موضوع الصّورة الإبداعية وتيمة السمات . ولست أرى نفسي مخوّلا للخوض كثيرا في تفاصيل هذا المشروع البحثيّ العريض الذي أظنه مازال متواصلا ومشرّعا على أبواب الاجتهاد والبحث، ولكنني كدارس للنصوص من حقّي أن أعجّل بتنزيل ما أجده مناسبا من جوانب المنظور وما أراه منسجما مع مقاييس النظر النقدي، وربط ذلك بذائقة المبدع ومواقفه الثابتة بصدد قضايا الإبداع وما يقترحه من مفاهيم وأفكار فنية. ويسرّني أن أرى ثلة من تلامذة الباحث المميزين ماضين في استكمال هذا المنظور وتمحيصه، وأذكر منهم اثنين ممن عرفتهم عن قرب وخبرت تواضعهما والفكر والجوهر، وأقصد المبدع الباحث الدكتور خالد أقلعي صاحب كتاب (التصوّف والقصص، رصد لسمة التصوف في القصة المغربية القصيرة…) والدكتور عبد الرحيم الإدريسي صاحب كتاب (استبداد الصورة) الذي أهله لنيل جائزة المغرب لعام 2011 . وفي الصّفحة الخلفية لهذا الكتاب يقرّر أنقار مقدّما:
(هاهي الشّجرة بدأت تثمر. هاهو الإشكال النقدي قد أخذ يشقّ طريقه بثقة وثبات. يمضي في شتى الاتجاهات، غايته المزيد من فهم طبيعة الأدب والإنسان. ومن أجل ذلك هو في حاجة ماسة إلى الانتشار العلميّ الرصين. أما الإشكال فهو التصوير في مجالات السرد. وأما الانتشار فأقصد به هذا القدر المحترم من المقالات والكتب والرسائل والأطاريح الجامعية التي أخذت تظهر تباعا منذ العقد التسعيني من القرن الماضي. فقد احتفت تلك الأبحاث بمسألة الصّورة السردية وعالجتها في غالب الأحيان بعمق وأصالة. منطلقة من ألوان وتفاصيل بلاغية وهموم جمالية أنهكت مثيلاتها بحثا وتطبيقا في مجالات الشعر بمختلف أغراضه وأنواعه. وانتظرت طويلا من أجل أن ترصد في أجناس النثر العديدة ..).
ذاك هو شأن محمد أنقار باحثا ومنظّرا. تراهُ هنا يقف موقف من يرى أن الصّورة في أبعادها الكائنة والممكنة وفي تجلياتها البلاغية والإبلاغية هي المحور المتحكم في قضايا الإبداع الانساني بأطيافه وأنماطه واتجاهاته المتعددة، وذلك بأقدار ودرجات متفاوتة تمنح للشّعر ما يطلبه وللنثر ما يتطلّبه. وأما بالنسبة لمحمد أنقار الكاتب والمبدع فإننا نرى أن أعماله تستجيب أيضا لهذا المسبار النقدي بقوة، بحيث يجعلنا ذلك نرى بأن تيمة الرّحيل الأبديّ هي النزعة المهيمنة في جماع سروده التي يوحّد بينها إيقاع التناغم بين سمتين أساسيتين : سمة الغياب وسمة الحضور. الأولى تتمثل بأبعادها الشاعرية الرحبة، وأما الثانية فتتميز بأبعادها الذهنية الضيقة. وبينهما سمْت البحث والتقصّي من ناحية عبر قناة الاستقراء الفني مقرونا بانتقاء وتطويق الرّاهن، ومن ناحية أخرى عبر قناة الاسترجاع مقرونا باستدعاء صور الذاكرة. ونكاد نجزم بهيمنة السّمة الأولى واعتبارها عاملا حاسما في توجيه الحسّ الابداعي للمبدع أنقار، ومنها يتم استدعاء مشاهد الحاضر ووضعها على نحو يتيح للقارئ الحصيف المقارنة بين الأنموذجين من الصور والوقائع والمواقف. ويكفي أن نقوم بعملية استقراء موضوعاتي للحقلين الصوريين في أعمال الكاتب أنقار لنستشفّ هذا المسار. وهذه السمة تأتي مقرونة كما سلف الذكر، بمؤشر البحث والتقصي الذي نراه مهيمنا دالا يمكن استقراؤه من جلّ عنونات الأعمال الإبداعية سواء القصصية أوالروائية، بشكل صريح كما يتجلى في عنوان المجموعة القصصية الأخيرة: البحث عن فريد الأطرش، أو بشكل مضمر كما في المجموعة الأولى زمن عبد الحليم. وهو يتمثل بصفة عامة من خلال هاجس الاستقصاء الشديد الذي يغلب على أسلوب أنقار في عرضه للصور والنماذج المقرونة بالماضي. وقد أثبتَ ذلك على نحو خاص في روايته الأخيرة شيخ الرماية، حيث نراه يلاحق طيف الجدّ ويسعى لأن يأخذ من حياته أكبر قدر من التفاصيل التي تخفي في طياتها جرعا من الأشواق والحنين مقرونة بالغياب غياب المثال والأنموذج. ونجدها أيضا تبرز من خلال استحضار صور الاشخاص والمعالم العمرانية المقرونة بذاكرة الذات من خلال مقالاته الشيقة التي لا تختلف عنصرها السردي كثيرا عن مجرى أسلوب الحكْي الرّصين المحمّل بالإثارة الذهنية وقوّة الإيحاء. وأدعو الإخوة إلى مراجعة مقاله الشجيّ حول المكي مغارة الفنان الرسام فقيد مدرسة الفن في هذه الحاضرة. ثم مقاله المُشجيّ حول معلمة فيكتوريا السينما الأثيرة إلى قلب مبدعنا وله في عرض تلك التفاصيل الدقيقة الموثّقة بكثير من الشغف الموسوم ما يشفع له وللمحظوظين من مجايليه الذين أدركوا ما خفي عنّا وكان الأجمل والأفضل.
ويكفينا في هذا السياق أن ننظر بعين البصيرة التي لا تخطئ الرّمية، إلى تلك اللوحات من محكيات باريو مالقا التي تجسّد أبهى صور التفاعل الفنّي والشّاعري بين لحظتي الحضور والغياب موصولة بحدس الرحيل الأبديّ وما تحتويه من تمجيد الزمن الهارب، عبر مواقف أبدع الكاتب أنقار في تشخيصها بواسطة شخوص روايته الحالمة، سلام ومحمود من الطرف المغربي، وماري وبيلار من الطرف الاسباني. وكلا الطرفين يستضمران سمتا من الهوية تختلف أبعاده وتتنافر صوره، وإن بدت في لحظة ما أنها كانت على وشك التقارب (صورة الأنا والآخر كما شاء أن يقاربها الكاتب هنا فنيا بعدما عالجها نظريا في مؤلفه الأكاديمي الموسوم) باريو مالقا ص340 /341.
ومن مظاهر الولع الفني الشديد بالصورة لدى المبدع أنقار مانراه من ارتباطها عنده بالمشهد السينمائي القائم على توظيف الصورة الفتوغرافية. ولعل هذا يمثل عنصرا تكوينيا حاسما في بلورة المفهوم الأدبي والنقدي الواسع الذي سيتخذه الأستاذ منطلقا لنظريته الموسعة حول مفهوم الصورة في الأدب والفن. ومعلوم أن الفترة التي ترعرع فيها الكاتب تعدّ الفترة الذهبية لفنّ الفوتوغرافيا. ولاسيما بعد أن شرعت في تخطي عهد الأبيض والأسود إلى عصر الألوان، حيث انبرت المجلات الثقافية والفنية بخاصة لتجسيد هذه الفتنة والولع الفني الجديد بفتنة اللون ويمكن أن أقدم مثالا عن ذلك الرونق من خلال مجلة الكواكب المصرية التي يشير إليها رواية باريو مالقا اومجلة العربي الكويتية التي خلبت أبصارنا ونحن صبية بألوانها الساحرة التي ساعدتنا في تلك الأيّام الزاهية على تقصي ما يصاقبها من فنون التعبير وتلاوين الكلم. هذا، وقد جسّد الأستاذ أنقار ولعه الشديد هذا بالصورة مقرونا بالفوتوغرافيا وبالسينما في كثير من مروياته الخصيبة النابضة بعنصر الحياة على نحو ما نجده في رواية باريو مالقا من حفاوة أطفال الجيل بجمع صور ولوحات الأفلام الملونة (البروسبكتوس) وتبادلها أو شرائها من أشخاص كانوا يتقنون عرض هذه البضاعة الفاتنة من أمثال ذلك الفتى الأخرس الألمعي الذي كان يحسن عمليات العرض والإغواء من خلال إيماءاته الدالة ذات الصلة بالخبرة المرجعية بالميدان. وقد حذا الكاتب هذا النهج الفني المقرون بتجميع صور البروسبكتوس، واستحضر صورتها الغائبة مستثمرا من حيث يدري أو لايدري تقنية الكولاج في روايته الجديدة شيخ الرماية. والدليل وارد في الفصل الثالث من الرواية وهو عبارة عن ألبوم خاصّ بصورمحكية عن الجدّ بإيجاز موسوم وفي أوضاع وأحوال مختلفة، صاغها الحفيد الكاتب بآلته السحرية التي تتفوّق على آلات الزمن الرقمي وتبصمُ بالميسم السحريّ أزمنة الغياب .
ولابد من الإشارة هنا إلى أن كثيرا من هذه الصور الغائبة يدخل ضمن مفهوم الصورة النمط
Image st’r’otype التي تغتني بها ذائقة الكاتب وتشكل جزءا من عصارة مخياله الحالم المرتد نحو الضفاف الساحرة. ولقد حاولت استقصاء بعض نماذجها من بعض أعماله الإبداعية وحتى من بعض مقالاته، ومنها صورة الكوبوي أو بطل أفلام رعاة البقر. ويكفي أن أقدم مثالا عن هذا النمط من إشارة بأقصوصة (عين شكوح) في أضمومة البحث عن فريد الأطرش، على أوردها الكاتب على لسان عبدالمالك الشيخ المعالج : ستسألني حتما عما كنت أفعله بالنقود، وسأقول لك إني كنت أذهب بها إلى السينما. كما كنت أوفرها لشراء وكراء نوفيلات الكوبوي…حيث صورة البطل الأمريكي الوسيم بقبعة رعاة البقر،والنظرة الساهية الواثقة في نفس الآن، أما المسدّس فحاضر دوما واليد على أتم الاستعداد…ص26)
وفي مقاله عن سينما فيكتوريا ينقل أنقار نفس الصورة ولكن هذه المرة بلغة التقرير متحدثا عن البهو السفلي لهذه القاعة التي لا أذكرها شخصيا وربما كان قد استغني عنها في أيّام غاراتنا السينمائية البئيسة. يقول الكاتب: (ومما أتذكره عن هذا البهو، ملصق معلّلق في الجدار لفيلم El pistolero ظهر فيه أنطوني كوين وهو يصوّب إلى الناظر فوهة مسدّسه. وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على تلك الذكرى لا تزال دهشة الصورة حيّة لديّ).
2. السرد مكون شعري بامتياز: إن ما يسترعي الانتباه في أسلوب الحكي لدى الأستاذ أنقار بعنصريه السردي والوصفي، وحتى في الحوارات الممسرحة، اعتماده تلك اللغة الباذخة الرصينة والمجانبة لأيّ انحراف أو انزلاق في تهويمات الخيال. فالاعتدال والواقعية في رسم العوالم وتوصيف الحيوات ركيزة أساسية لوجهة القصّ عنده. وبالرغم من ذلك أضحت تواجهنا في كثير من أعماله الأخيرة بعض معالم الفانتاستيك، ومن تلك الأعمال المجموعة القصصية البحث عن فريد الأطرش، وخاصّة من خلال أقصوصة (سلّم لي على عايدة) وأقصوصة (وبالمناسبة أين اختفى فريد الأطرش؟ )، حيث تتجلى مظاهر من روح الدعابة وخفة الروح تحت تأثير الأشواق وفيض الصبا الأول موصولة بسمات المفارقة التي يمكن مقارنتها باستيهامات السريالية أحيانا أو بما يشبه شطحات الصّوفية أحيانا. وإني أرى شخصيا أن الكاتب أنقار إنما يروم من وراء ذلك خوض هذه المناحي بحسّ وتبصّر ووعي صادق، وليس من قبيل التصنّع والتكلّف، نظرا لملاءمة هذا النمط لمزاجه الفني القائم على تكسير غربة الأشياء وضرب اللامألوف الواقعي بألفة الصّورالغائبة، إلى الحدّ الذي يجعلنا نحسّ أحيانا بأننا إزاء أنموذج متطوّر من نماذج الواقعية السّحرية التي لا تنظر إلى صور الأشياء والظواهر في جمود وانفصال، وإنّما في اتصال بالكنه والجوهر الذي يمتدّ في الواقع عبر تحولات المكان والزمان. ومن المعلوم أن الواقعية السحرية المائزة لكثير من الأعمال الروائية الحديثة ولاسيما في الأدب الاسباني والأمريكي الجنوبي، تقوم على سمات أساسية معلومة لعلّ من أهمها انصهار الواقع بالحلم والهروب من خلاله إلى إعادة تشكيل الفضاء وتلوين الزمن. ومن ثمّ فإن النظر إلى أيّ أثر فنّي أو صورة ما يجعلنا ندرك عمق هذه الأبعاد والألوان وبأن هناك ما هو أكثر من مجرّد صورة لأشياء جامدة في فضاءات جامدة. ويقرّر لويس لييل أن الكاتب في الواقعية السحرية يواجه الواقع ويحاول تفكيكه لاستكشاف الغامض في الأشياء والحياة والأفعال الإنسانية، بأساليب مختلفة تتراوح بين البساطة والتعقيد وطريقة توظيف المخيال والصّور. وفيما عدا ذلك من تلك الغارات الاستيهامية التي تفاجئنا من حين لآخر، تظلّ النزعة المهيمنة في أسلوب المعالجة الواقعية عند المبدع أنقار، تميل إلى استثمار الخيال النمطي الذي يحيل على الصور الأنماط images str’otypesالماثلة في الذاكرة عبر سيرورة الاسترجاع والتداعي الموصولة بالذاكرة، وكلّ ذلك في اعتقادي يشكّل مظهرا شعريا بامتياز يكاد يلتقي إلى حدّ بأحد أبعاد الرّومانسية الرّمزية متمثلا في استحضار الآثار والمعالم الدارسة لأجل استرجاع ألق الكينونة واستجلائه من تجاويف الأزمنة الهاربة، ويجعلنا نغامر بتوصيف أسلوب الكتابة السردية عند أنقار بالنزعة الواقعية الشّعرية التي تتقاطع في مكوناتها وسماتها بمفهوم الواقعية الشعرية في السينما الفرنسية لأربعينات القرن الماضي والتي تعتبر الممهد الفعلي لأفلام الفانتازيا والرعب فيما سيلي من عقود. ومن سمات هذه النزعة أنها تركز على على صور المهمشين في الأوساط الشعبية وتقرنها بانحراف الأوساط البورجوازية. والقاسم المشترك في كل ذلك هو تحليل المآسي ونقد الآفات والانحرافات التي تؤخر سيرورة المجتمع وتجعل صورة الحاضر والمستقبل باهتة مقارنة بأحوال الماضي ومعالمه النابضة ببريق الحياة . وقد كنت توقفت في دراستي لرواية باريو مالقا عند بعض المظاهر الدالة على الألق الهارب الموصول بحارة الباريو عند تيمة الحجر موصولة بصخرة الكاريان التي تجاور الحي عن مسافة، وكانت في زمن الرواية معلمة وسط الحقول يتخذها الصبيان متنفسا للتنزه واللهو والترحال، حتى غدت على ماعليه اليوم بقعة سوداء تحيط بها مظاهر الزحف العمراني البشع. وبرغم أن الكاتب لا يقرّ مباشرة على مستوى نص الرواية بهذا التحول والمآل السلبي للمكان في حاله الراهن، إلاّ أنه يلمّح إليه بشكل غير مباشر ويحيل عليه بقوة من خلال وقفة شاعرية تقارب من حيث الغاية والهدف بكائية الأطلال، غير أنها تستثمر لذلك معادلا أسلوبيا يقوم على المديح والتمجيد من خلف أقنعة الماضي وصوره النابضة بأصالة التكوين. هلّ الربيع على الباريو فاضطرم الدم في عروق الفتية ونأت أصداء طبول الغدر.. وفي زوال ذلك الأحد الأخضر اجتمعت الثلة في مصطبة السويحة، وخرجوا باتفاق الصّعود إلى الحجر الكبير المغروس في ظهر الكاريان. وعند سفح الحجر تنفسوا الصّعْداء وشرَدوا يتأملون عين الماء الصغيرة .ثم تسلقوا الصخرة في خفة، فاستشعروا من عل النسائم الرقيقة وهي تشملهم وتحفزهم على التحليق في الفضاء الأزرق المفتوح على الدنيا. ونسوا تعب العقبة، ومن أعلى الصخرة عاينوا طريق جامع مزواق الملتوية على يمينهم، وآخر براريك أرض مصطفى قبالتهم، وعلى يسارهم قبعت حظيرة الخنازير في عمق الخندق. أما سوى ذلك فأراض شاسعة شبه جرداء رغم الربيع، اللهم إلا نبتة مريو وحسك السعدان وشجيرات الدوم والدفلى والتربة المائلة إلى الحمرة. باريو مالاقا . ص 159 هذا المنحى الشاعري في أسلوب أنقار السردي الذي يقوم على تمثل الصّور الغائبة المرتحلة واستحضار أنموذج الحياة من أحفار الخراب، جعلني أقارنه بأسلوب شعراء القضية الفلسطينية في التغني بأمجاد الأرض السليبة، في تقابل بين صورة الأرض الطاهرة أرض التراب المقدس والحصى الطاهر، وبين أرض العمران المدنس بالعدوان الهمجي المقيت.
وقد يتبيّن هذا الوله المتعاظم بسحر الفضاء العمراني الآيل للسقوط والخراب بوضوح وعمق ،موصولا بغصة الزوال وأنشودة الوداع، في مقالة الكاتب المنشورة بمجلة جسور الشمال، وأعني المقالة البكائية حول سينما فيكتوريا، التي كنا نرتادها في سبعينات القرن الماضي ونحن صبية من أسافل أحياء سامسا وحومة الحساني وخندق الزربوح، وعرفناها تحت مسمّى سينما الباريو فقط دون أن نستشعر وجود ولا أهمية لتلك الأيقونة الخطية المثبتة في تاج البناية تحت هذا المسمّى العريض: سينما فيكتوريا. وعلى النقيض فقد كانت عينا الأستاذ أنقار ابن الباريو وفتاه الرّائع، قد رستا من قبل ومنذ السنين على سحر تلك العبارة الحالمة، وظلت تحرسها وترعاها وتستدرّ كنوز الثقافية وألوان بهجتها. ولعلّ في ذلك المظهر من التباين ما يفسّر تقاطع جيلي مع جيل الأستاذ أنقار عند لحظتين حاسمتين: لحظةِ الإرساء والارتقاء العمراني والثقافي بعمقها الحضاري المشبع ببهجة الاكتشاف والتأصيل والتي يمثلها جيله الخمسيني مع امتداداته السابقة، ولحظة الاستهلاك والاجترار والتراجع بعمقها المأساوي الرهيب، والتي بدأت مع جيلي الستيني وباتت تتزايد وتتنامى عبر مسارات الاجيال اللاحقة فجاءت بأحمال مضاعفة. وها نحن اليوم قد أخذنا نلج عوالم الهوية الرقمية ومعها ما بات يدعى بالثقافة الرقمية والشعر الرقمي والرواية الرقمية، وكلّ ما من شأنه أن يعمق عزلة الفرد ويفصله عن وجدانه الجمعي وشرطه الإنساني.
قدمت هذه الورقة ضمن الملتقى التأسيسي لمنتدى روافد الثقافي بمدينة تطوان