ما يحدث للمصريين الآن بسبب الإعلام والفضائيات جرائم اغتيال مع سبق الإصرار والترصد

حجم الخط
1

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ سيطرت على الصحف السبت والأحد الأحداث المأساوية التي وقعت في أسوان بين قبيلتين هما الهلالية والدابودية النوبية، وأدت إلى مقتل واحد وعشرين شخصا وإصابة واحد وثلاثين وحرق عشرة منازل، وخطورة الحادث تكشفها سرعة انتقال كل من رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب ووزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم، وعادل لبيب وزير التنمية المحلية إلى أسوان، وعقد لقاءات مع رؤساء العائلات والقبيلتين والاتفاق على وقف أي اشتباكات، وتشكيل لجنة تقصي الحقائق بمساعدة من مجلس القبائل العربية، ونشر قوات الجيش والشرطة في منطقة السيل الريفي التي وقعت فيها الاشتباكات وحتى الآن لم تعرف أسباب المشكلة والروايات متعددة،
الأولى أن سببها طلاب مدرسة الصنايع من القبيلتين، طلاب من بني هلال كتبوا عبارات مسيئة للجيش والسيسي والشرطة، وعبارات جارحة للداوبودية لتأييدها لهم، ثم عبارات ضد بني هلال بالمستوى نفسه.
ورواية ثانية تقول بأن مدرسا من الإخوان المسلمين قام بتحريض طلاب بني هلال. ورواية ثالثة أن سببها معاكسة طالب من بني هلال طالبة من الدابودية.. وعلي كل فإن لجنة تقصي الحقائق التي أمر رئيس الوزراء بتشكيلها سوف تكشف الحقيقة.
ونشرت الصحف عن إلقاء القبض على واحد وستين من الإخوان أثر مظاهرات قاموا بها بسبب إلقائهم قنابل المولوتوف على الشرطة. وواصلت محكمة جنايات القاهرة النظرفي قضية قتل المتظاهرين أمام قصر الاتحادية المتهم فيها الرئيس السابق محمد مرسي وآخرون من بينهم صديقنا عصام العريان.
كما استمرت في محاكمة صديقنا حازم صلاح أبو إسماعيل في قضية تزويره بيانات عن جنسية والدته، وإخفاء أنها حاصلة على الجنسية الأمريكية، في طلب تقدمه للترشح لانتخابات الرئاسة السابقة، وأمر القاضي بإخراجه من القاعة بسبب إثارته للشغب، وتذكرت والده صديقي المرحوم الشيخ صلاح أبو إسماعيل، الذي كان يعده ليكون صورة منه، داعية وسياسيا وورث حازم عنه حلاوة الصوت والبراعة في الخطابة والابتسام الدائم، ولكنه لم يرث عنه أهم ما فيه، وهو السياسي الماكر الذي يعرف كيف يبتعد عن مواطن الخطر وقت الأزمات، ولا يزج بنفسه في معارك مع أي نظام اتصل به إلى حد الصدام، رغم علمي بأنه كان حريصا على تعليمه خبراته، وقد اعتقل بعد 1954 ثم أُفرج عنه وتم تعيينه في الأزهر حتى وصل إلى منصب مدير مكتب شيخه الدكتور الشيخ محمد الفحام، وعمل ضمن نظام خالد الذكر ثم مع السادات وحزبه ثم انتقل إلى حزب الوفد ثم الأحرار. حازم لم يرث من والده صفة السياسي.
كما نشرت الصحف اخبارا عن ارتفاع درجات الحرارة، ومقتل أربعة إرهابيين في شمال سيناء والقبض على ستة وعشرين آخرين كانوا يراقبون تحركات قوات الجيش. والاستعداد لرفع أسعار مياه الشرب للفئات القادرة واستمرار أزمة الكهرباء ووعود بقرب حلها.
وتواصلت لليوم الثالث على التوالي المعركة بين رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد السيد النجار، وبين جريدة ‘الوطن’ اليومية المستقلة، التي اتهمته بأنه يحتجز في مكتبه الشيك المستحق لها من بيع نسخها بواسطة شركة توزيع الأهرام، وإصداره الأوامر بتأخير الطبعة الليلية لها، وحررت محاضر ضد المؤسسة بينها وبين النجار، ونفى النجار مؤكدا تسليم الشيك لـ’الوطن’ يوم امس الأحد، في موعده لكن المهم ان النجار أكد أن عقد ‘الوطن’ مع الأهرام طباعة وتوزيعا سينتهي آخر الشهر، وأن احد المساهمين فيها، وهو زميلنا وصديقنا عماد الدين أديب عليه ديون للأهرام قدرها ستة عشر مليون جنيه لم يسددها، مما أدى إلى رفع دعوى قضائية ضده، وصدور حكم بحبسه. وأن الأهرام سينفذه إذا لم يسدد لها المبلغ، بينما ‘الوطن’ أكدت في اليوم نفسه ـ الأحد ـ أن الأهداف من وراء ذلك سياسية وشخصية، وستكشف عنها لاحقا.. والى بعض مما عندنا..

الانفجارات رسالة
موجهة للسيسي

ونبدأ بردود الأفعال المتوالية على انتخابات رئاسة الجمهورية التي تنحصر حتى الآن بين السيسي وحمدين صباحي، حيث تضيف إليها الأحداث التي تقع وقودا جديدا لإشعالها، خاصة عمليات الإرهاب، وآخرها عملية جامعة القاهرة التي قال عنها يوم الخميس زميلنا في ‘الأخبار’ خفيف الظل عبد القادر محمد علي في بروازه المتميز (صباح النعناع): ‘الانفجارات التي وقعت أمس أمام جامعة القاهرة رسالة موجهة إلى المشير السيسي بعد ترشحه للرئاسة، وهذا أقصى ما يستطيع الإخوان أن يفعلوه بعد أن يئسوا وفلتت أعصابهم وتاهوا وتبخرت أحلامهم في العودة لحكم مصر، وأتوقع تصاعد إرهابهم حتى ظهور نتيجة الانتخابات..’.

الحملة ضد صباحي ليست
في صالح الحياة السياسية

ونترك ‘الأخبار’ إلى ‘جمهورية’ اليوم نفسه وزميلنا وصديقنا رئيس تحرير جريدة ‘الأهالي’ الأسبق عبد العال الباقوري الذي أكد انحيازه للسيسي بقوله: ‘لا يستطيع أحد إلا المكابرون والذين في قلوبهم وعقولهم مرض أن يماري أو ينكر الشعبية الكاسحة التي أصبح يتمتع بها المشير عبد الفتاح السيسي في وقت قصير، كأنه على موعد مع شعب يتطلع إليه، ومع عاصمة في انتظاره، وهي ليست عاصمة مصر فقط بل عاصمة الشرق وكعبة العرب، وقد كتب كثيرون تفسيرا لهذا الحب الذي حظي به هذا القائد. أما بعض الذين في قلوبهم مرض فقالوا ضابط تاني، بئس القول ما قالوا فما قالوا إلا جهلا بتاريخ مجيد لشعب عريق ركيزته قوى تعمل وتنتج وجيش يقاتل ويدافع. بالنسبة لي الأستاذ حمدين صباحي الذي يجب أن يشكر بداية لإصراره على خوض الانتخابات بشجاعة ليست جديدة عليه، كنت أظن أن مثل هذه المعركة التي يخوضها حمدين صباحي مناسبة لجمع شمل الناصريين وتوحيد صفوفهم، فإذا بها تزيد الخرق على الراتق، بحيث أصبح يصدق على الناصريين بعامة ما كنا نتندر به في ستينيات القرن الماضي على البعثيين، أي أعضاء حزب البعث، ونقول للواحد منهم من أي ريشة في أي جناح في حزب البعث؟ في ظني المعركة الناصرية الدائرة حاليا ضد حمدين صباحي يجب أن تتوقف من أجل صالح الحياة الحزبية والسياسية، بل من أجل المعركة الانتخابية، ثم وهذا هو الأهم من أجل المستقبل ولتوحيد قوة من قوى الشعب الأساسية خلافها ليس رحمة’.

المناظرة بين المرشحين
تضييع للوقت

هذا ما كتبه عبد العال ووجد مقالا له في قول زميلتنا الجميلة الناصرية نور الهدى زكي، في اليوم نفسه في ‘المصري اليوم’: ‘السيسي هو رئيس مصر رغم كل شيء، الدنيا واضحة وصريحة والاختيار جلي، فلم نعد الآن في وقت مقارنة بين برامج ولا جلوس أمام شاشات لمتابعة مناظرات بين مرشحين. جاءت دعوة المرشح حمدين صباحي إلى الرئيس السيسي بالمناظرة مناظرة أمام المصريين والعالم، يحاول فيها كل منهما أن يقدم أوراق اعتماده للمصريين، وان يعلن أنه الأفضل لقيادة مصر، وهذا أسلوب راق من إعداد الرأي العام لانتخابات ديمقراطية حقيقية، غير أننا وقد اخترنا الرئيس وانشغل غالبيتنا في أوضاع ما بعد الرئيس والرئيس ليس في حاجة إلى أن يقول شيئا لمناظرة. المناظرة أصبحت الآن تضييعا للوقت والطاقة، والرئيس الذي لا يسعى إلى مناظرة عليه الآن أن يتوجه للناس عليه أن يوقع العقد الذي هو شريعة المتعاقدين، والمتعاقدون وقعوا من طرفهم على العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ولا ينتظرون المناظرة وإنما ينتظرون العمل فقد اختاروا، وعلى الرئيس أن يبدأ الحديث عمن اختاروه والعمل من أجلهم’.

على السيسي
أن يقدم مشروعه

أما زميلتنا الجميلة الناصرية الأخرى سهير جودة فكان لها رأي آخر في اليوم نفسه عبرت عنه في ‘الوطن’ بقولها: ‘مصر تشهد الآن حالة من النفاق للسيسي، وهي لزوم ما لا يلزم، وتضره كثيرا وتعوقه، فمتى يكف الإعلام عن وصلات الحب التي لا تطرب. فالرجل لا يحتاج إلى رعاية جهولة وأغان وألحان أصبحت كالمطر، هناك لحظات تتأكد فيها مقولة ‘من الحب ما قتل’، ومن النفاق ما دمر مع سبق الإصرار هذا الرجل الرمز الذي جاء في الوقت المناسب لمصر، هل يليق به هذا الأداء الرخيص في إعلان الحب، سواء كان حبا أو مزايدة. وعلى السيسي أن يقدم مشروعه وقبله وبعده يعمل بمبدأ ‘اللهم اكفني شر أدعياء التقرب والحب والنفاق’ أما أعدائي فعملي كفيل بهم’.

وعي الشعب بأهمية
وخطورة الوضع الحالي

وننتقل إلى الوفديين يوم الخميس وقول زميلنا في ‘الوفد’ محمود غلاب:
‘تقريبا اختارت غالبية الشعب المصري السيسي رئيسا في المرحلة القادمة، وهذا ما يؤكد وعي هذا الشعب بأهمية وخطورة الوضع الحالي الذي تعيشه مصر، الذي يتطلب أن يكون على سدة الحكم رجل قوي قادر على تخليص البلاد من التبعية للخارج وتحقيق أهداف ثورتي 25 30 وتوفير الحرية والعدالة وبناء الأمة العربية. ماذا ينتظر الشعب من الجماعة الإرهابية التي تطالب بروح هذا القائد السيسي المستهدف من هذه التيارات في الداخل والخارج. لقد أصبح السيسي مرشح كل ألوان الطيف السياسي في مصر، وليس مفاجأة ان تعلن جميع الأحزاب الناصرية، وطبعا أسرة الزعيم جمال عبد الناصر تأييدها له لأنه الأفضل في المرحلة القادمة، ولأنه يحمل صفات الزعيم عبد الناصر وتنعقد عليه الآمال لتحقيق أحلام القومية العربية وقيادة الأمة في هذه الظروف التي تموج بالصراعات الداخلية، وتتربص بها الأطماع الخارجية، ليس الأحزاب الناصرية فقط التي أعلنت انحيازها للسيسي، ولكن الأحزاب الليبرالية اختارت السيسي وقررت دعمه في الانتخابات، لأنه رجل المرحلة القادر علي مواجهة التحديات الداخلية والخارجية’.

الشعب من يختار حاكمه

ونظل في ‘الوفد’ فدقيقتان كافيتان لقراءة ما كتبه زميلنا جمال يونس مثل:
‘قبل ثورة يناير قال الدكتور مصطفى الفقي إن رئيس مصر القادم يجب أن يحظى برضا أمريكا وقبول إسرائيل، وقد أكدت الأيام عدم صدق هذا الرأي، عندما أثبت الشعب المصري قدرته على فرض إرادته، وإنه لا راد لمشيئته حين يختار حاكمه ورئيسه، يا سيادة المشير يحسب لكم إنقاذ الدولة المصرية من السقوط في براثن الفوضى وفاشية الإخوان، خلفيتك العسكرية سبقك إليها ثلاثة أرباع الرؤساء الأمريكيين وهي ميزة يتطلبها الظرف التاريخي وتستدعيها ضرورات اللحظة. كم من الماء جرى به النهر وكم من الأحداث جرت بها الأيام خلال السنوات الثلاث الماضية لم تتمخض عن زعيم من القوى المدنية، ولو رأى الشعب في احدهم من يستحق ولاية مصر ما تردد في الدفع به إلى سدة الحكم’.

السلاح وحده لا يحسم حربا

أما آخر زبائننا اليوم في هذه القضية فهو زميلنا في ‘الشروق’ أشرف البربري الذي وجه تحذيرا يوم الخميس للسيسي جاء فيه: ‘سيرتكب المرشح المحتمل والرئيس المؤكد عبد الفتاح السيسي خطيئة كبرى إذا ما راهن على افتقاد الشعب للشعور بالأمان، واستعداد الأغلبية العظمى من هذا الشعب للقبول بالإجراءات الاستثنائية، على أمل استعادة هذا الشعور لا جدال في أن جماعة الإخوان المسلمين وحلفاءها اختاروا السير في الطريق الخطأ عندما غرتها قوتها المتوهمة فرفضت التجاوب مع المعارضة الشعبية المتزايدة قبل 30 يونيو/حزيران 2013 ثم تحول الخطأ إلى خطيئة عندما رفضت الإقرار بحقيقة أن شعبيتها الواسعة تلاشت خلال عام واحد من حكم مرشحها المعزول محمد مرسي، وتحولت الخطيئة إلى جريمة عندما تبنت العنف وسيلة لتحقيق أهدافها في معركة لا يمكن أبدا أن تكسبها. ورغم مسؤولية جماعة الإخوان المطلقة عن خلق الأزمة التي نعيشها، فإن الرئيس السيسي سيكون المسؤول الأول عن الخروج منها لأنه اختار أن يكون رئيسا. أخيرا أتمنى ألا ينسى المشير السابق عبد الفتاح السيسي عندما يدخل قصر الرئاسة بعد أقل من 55 يوما من الآن القاعدة الذهبية التي تقول ان السلاح وحده لا يحسم حربا’.

خالد سعيد قتل نتيجة التعذيب

في ‘أهرام’ الأربعاء دخل زميلنا وصديقنا الدكتور وحيد عبد المجيد معركة ضد أنصار الحزب الوطني أيام مبارك، بسبب صدور حكم محكمة الجنايات في الإسكندرية في قضية الشاب خالد سعيد وتأكيد المحكمة أنه تعرض للتعذيب لاان وفاته كانت نتيجة ابتلاع بانجو قال: ‘من هذه الأكاذيب أكذوبة لم يصدقها معظم المصريين في حينها، وهي الزعم بأن الشرطيين اللذين قتلا خالد سعيد ألقيا القبض عليه لحيازته بانجو، وأنه مات بسبب ابتلاعه هذه اللفافة، ثم عاد كثير منهم لتصديقها ضمن الحملة الممنهجة ضد الثورة، وما يقترن بها من آمال في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، انتهت المحكمة حسب حيثيات الحكم إلى تكييف الجريمة باعتبارها تعذيبا حتى الموت، وكذبت بذلك أصحاب أكذوبة أن خالد سعيد هو ‘المجرم’ وأن كل ما حدث كان محاولة للقبض عليه بسبب حيازته مخدرات، وانه أراد التخلص من لفافة البانجو التي كانت في حوزته بمحاولته ابتلاعها مما أدى إلى موته. هذا الحكم العادل ما هو الا دليل جديد على أن روح خالد سعيد ستظل ملهمة لحلم الكرامة الإنسانية الذي تطرقت اليه حيثيات هذا الحكم حيث جاء فيها: إن للمواطن حقوقا لابد أن يعلمها حتى لا يضيع حقه، كما ان على من يطبق القانون واجبات تقتضي فهما لصحيح القانون ولطبيعة الإنسان وحقه في أن يعامل بآدمية وكرامة واحترام كونه إنسانا’.
طبعا .. طبعا .. ويذكرنا هذا بالمقالات التي كان يكتبها وقتها زميلنا محمد علي إبراهيم رئيس تحرير ‘الجمهورية’ أيام مبارك ووصف فيها خالد سعيد بأنه شهيد البانجو .

مذبحة أسوان
سببها الصراع القومي

كيف نفهم مذبحة اسوان التي جرت بين قبيلتي بني هلال والدابودية، والتي اسفرت عن عشرات القتلى ومئات المصابين، هذا ما سيوضحه لنا الكاتب محمود سلطان في جريدة ‘المصريون’ عدد امس: ‘لم يسأل أحد من ‘بني هلال’؟.. ومن ‘الدابودية’؟.. لأن في الإجابة تكمن التفاصيل الكاشفة للفحوى الحقيقي للأزمة. الطرفان يعبران عن رمزية خاصة، بني هلال ‘العربية’ والدابودية ‘النوبية’، والمواجهات الدامية التي لا زالت تتصاعد بشكل مخيف وغير مسبوق، ليست صراعا قبليا وإنما صراع قومي بين قوميتين، مدفوع بإرث الستين عاما الماضية، الذي خلفته عقود القومية العربية.
تقابلت مع شخصيات نوبية بارزة وناشطين نوبيين زاروني في مكتبي بالجريدة، واستمعت إليهم جيدا.. فهمت بأن مشكلتهم مع ‘القومية’ لأنهم ليسوا عربا.. وطرحوا فكرة ‘الحضارة الإسلامية’ بوصفهم مسلمين.
أيام الجمعية التأسيسية لكتابة دستور 2013، التقيت مع الناشطة الحقوقية النوبية الشهيرة منال الطيبي وكانت في حينها تمثل النوبة في الجمعية.. التقيت بها في مبنى التلفزيون المصري، حيث كنا ضيفين في برنامج استديو 27 .. ودار بيني وبينها قبيل الحلقة حوار، وعندما سألتها: شكلك لا يعكس نوبيتك!!.. فقالت بعفوية: لأن أمي مصرية؟ وشرحت لي ذلك بأن أمها عربية من الدلتا وليست من النوبة مثل أبيها!
الإجابة عكست ما استقر في الضمير النوبي بأنهم ليسوا عربا وإنما مسلمون. وهذا هو أصل الأزمة بين السلطة المركزية في القاهرة وبين النوبة، وما عمق من جراح النوبيين ومن الهوة بينهم وبين العرب المصريين، تهجيرهم من قراهم في عقود القومية الناصرية، ما فسر بأنه تحيز قومي ضد النوبة وأهلها.
النوبيون أناس طيبون، ومنهم حفظة القرآن الكريم، والصالحون وأولياء الله، تواترت كراماتهم بالمشاهدة أو بالروايات التي برع فيها ‘الحكائون’.. ومسالمون بطبعهم، فكيف يخوضون مثل هذه المواجهة الدموية ويقتلون العشرات من قبيلة عربية كبيرة، لها ‘كبريائها القبلي’ الذي سجلته لنا سيرة بني هلال الشهيرة.
‘جذور الأزمة تاريخية صنعها الاستعلاء السلطوي القاهري، ناهيك عن صورة ‘الخادم النوبي ـ عثمانة’ في الأفلام’ المصرية القديمة.. ولقد روى لي الناشط النوبي المقيم في سويسرا حمدي سليمان، أنه وجد في خانة الجنسية المدرجة في شهادة جده بأنه ‘بربري’ واستكثروا عليه كلمة ‘مصري’.
ولعل من الأهمية، أن نشير إلى أن المذابح بين ‘العرب’ و’النوبيين’ واللجوء إلى السلاح، قد يكون احد تجليات ‘الدولة القمعية’ المشغولة حاليا بتأمين المقعد الرئاسي لمرشح بعينه، فضلا عن فقدان الثقة في عدالة تقضي بإعدام 529 مصريا، بلا محاكمة أصلا.. فلم يعد للدولة وجود.. ولتترك فراغا كبيرا تملؤه الجماعات السياسية والقبلية والقومية.. كل على طريقته كما حدث بين بني هلال.. والدابودية’.

على الحكومة المصرية
حماية أبنائها في الخارج

ونبقى في ‘المصريون’ عدد اليوم نفسه لنفهم ما يعني الكاتب حسام فتحي بمقاله الذي عنونه بـ’من بغداد الى بنغازي’:’لو كان الفقر رجلاً.. لقتلته’ الفقر هو ما دفع مئات الآلاف من المصريين للنزوح نحو العراق في السبعينيات والثمانينيات بحثاً عن رزق أوسع، والفقر هو نفسه من دفعهم إلى البقاء فيه بعد اندلاع الحرب، وتحمُّل الخطر من كل حدب وصوب، وهم يشاهدون زملاءهم واشقاءهم يعودون في صناديق اصطُلح على تسميتها بـ’النعوش الطائرة’، التي تصاعدت وتيرتها بعد عام 1990، وموقف مصر الرسمي والشعبي الرافض للغزو العراقي للكويت لتتجاوز 8 آلاف ضحية، كان يكتب لأغلبها تقارير طبية بأن سبب الوفاة هو ‘السكتة القلبية’، بينما الجثث مخضبة بالدماء و’منخولة’ بالرصاص! ولم تفعل دولة مبارك شيئاً لهم. والفقر هو نفسه الذي يدفع بعشرات الآلاف من المصريين الآن للوجود في الشقيقة ليبيا، رغم ما يعلمونه يقيناً من وجود حالة انفلات أمني صارخة نتمنى أن تزول ومن عدم وجود بعثة دبلوماسية متكاملة بعد عودة أغلب أعضائها من طرابلس عقب واقعة اختطاف 5 منهم، ثم الإفراج عنهم.
نعلم أن معمر القذافي لم يكن الحاكم الأمثل لليبيا، وأن المقاتلين السابقين والميليشيات الإسلامية التي استولت على مخازن السلاح الضخمة التي تركها نظام القذافي يرفضون إلقاء السلاح، وأن ولاء أغلبهم لشيوخهم وزعماء قبائلهم وجماعاتهم أكبر من ولائهم للحكومة الليبية التي تعاني الكثير، ولكن وسط كل ذلك.. كيف سمحت مصر بدخول هذا العدد الهائل من المصريين في ظل هذه الظروف حتى لو كان بحثاً عن لقمة عيش مغمسة بالدم والخطر والخوف والرعب والإهانة؟
اليوم تحتجز الميليشيات المسلحة في بنغازي حوالي 40 شاحنة مصرية كانت تنقل بضائع لليبيا أو عائدة منها، أي حوالي 180 مصرياً إذا افترضنا أن كل شاحنة بها سائق و’تبَّاع’ فقط، وتطالب هذه الميليشيات بالإفراج عن أقرباء لهم ادينوا بتهمة تهريب السلاح عبر الحدود مع مصر.
أخلاقيا.. يجب ان تقف مصر الى جوار الشعب الليبي الشقيق في محنته، لذا لا أطالب بغلق الحدود او انزال عقوبات او مزيد من الضغط، لأننا نعلم جيدا ما تمر به ليبيا الشقيقة .سياسيا.. يجب على ‘الدولة المصرية’ حماية ابنائها والاتفاق مع الجانب الليبي على توفير الحماية للشاحنات التي تنقل البضائع المصرية الى ليبيا، بواسطة السير في مجموعات تحت حماية الجيش الليبي، او قيادات الميليشيات والمجموعات المسلحة المعروفة التي تسيطر على قطاعات بعينها في ليبيا.
وحتى تستقر الأوضاع، سواء في مصر او في ليبيا الشقيقة ادعو الحكومة المصرية لفرض قواعد واضحة لسفر المصريين الى هناك، حتى لا نفاجأ بتكرار ظاهرة ‘النعوش الطائرة’.. لكنها من الغرب هذه المرة.
لعن الله الفقر الذي يضطر الناس لإلقاء أنفسهم الى التهلكة.. ولو كان رجلا لقتلته ألف مرة.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء’.

باسم يوسف
فقد نجوميته

ونعود إلى ‘أهرام’ الأربعاء بعد أن نسينا وما أنساني إلا الشيخوخة الإشارة الى معركة أخرى خاضها زميلنا أشرف ضد الإعلامي باسم يوسف بقوله عنه: ‘على الرغم من أن الضرب في الميت حرام فإنني أراه في حالة باسم يوسف حلال، بل هو واجب وطني لأنه تجاوز حدود ما يطلقون عليه اسم ‘حرية التعبير’ ليدخل بإرادته في دائرة ما يمكن وصفه بـ’قلة الذوق’ فقد فوجئت الملايين التي كانت تنتظر حلقاته بفارغ الصبر بأن باسم يوسف منذ خروجه غير المشرف من فضائية ‘سي بي سي’ يتعمد السير في الاتجاه المعاكس لإرادة الملايين التي خرجت في 30 يونيو/حزيران متعمدا تقديم فقرات تستهدف تشويه صورة الرموز الوطنية والشوشرة علي أي نجاح قد يعطي للملايين بصيص نور أو يقدم بارقة أمل في غد مشرق.
واعتقد أن ما فعله ولا يزال يفعله باسم يوسف ضد إرادة الملايين لم يأت من فراغ، وإنما جاء انعكاسا لحالة التخبط التي يعيشها هو وطاقم الإعداد لبرنامجه، بعد أن أرتمي في أحضان فضائية عربية لم ولن تمنحه نفس الحرية في التعبير التي كان يعمل من خلالها. خطيئة باسم يوسف التي ارتكبها في حق نفسه قبل أن تكون في حق مصر سوف يدفع ثمنها غاليا من نجوميته التي انطفأ بريقها بالفعل، ومن جماهيريته التي لم يعد لها وجود سوى في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض الإعلانات مدفوعة الأجر في الشوارع للدعاية لموعد عرض برنامجه’.

عندما تثور الجماهير
لن ينجح أحد في إخفاء ثورتها

وعما يجري من عمليات قتل واغتيال صحافيين ومصوري الحقائق التي تجري على ارض الواقع المصري اليوم، يكتب لنا عمرو خفاجي في جريدة ‘الشروق’ عدد امس الاحد قائلا:’ حينما رحل سليم اللوزي الصحافي اللبناني الشهير مقتولا بسبب مواقفه، وآلت مجلته السياسية الأشهر ‘الحوادث’ لملحم كرم نقيب المحررين التاريخي في لبنان (كان نقيبا لنصف قرن تقريبا) اختار ملحم شعار ‘علمتني الحقيقة أن أكرهها فما استطعت’، وهي مقولة لوالده الأديب والصحافى المعروف ملحم كرم ملحم، على اعتبار أن الحقيقة وكشفها هي مهمة الصحافة ووظيفتها الأولى، وأن الحقائق في الغالب، وللأسف الشديد، تدعو لكراهيتها، لكن حب المهنة أقوى من كراهية الحقيقة، والإخلاص لها لا يعني سوى ذكرها ــ أي الحقيقة ــ حتى لو نكرهها. تذكرت ‘الحوادث’ وملحم كرم وأباه، مع وقفة الزملاء الأعزاء المصورين الصحافيين، أمس الأول (الجمعة) احتجاجا على ما يتعرضون له، هم وزملاؤهم الذين يغطون الأحداث ميدانيا، الذي وصل لحد القتل كما حدث للزميلة الشهيدة ميادة أشرف الأسبوع الماضي، الذي كان دافعا لهذه الوقفة الاحتجاجية، وما لفت انتباهي، صراحة، ما ذكرته زميلة مصورة، بأن المصورين مستهدفون من الجميع، من الداخلية ومن المتظاهرين أنفسهم، وحتى من الذين يراقبون هذا العراك بين فسطاط الأمن وفسطاط المتظاهرين، فهل فعلا لا يوجد طرف معني بالحقيقة، وهل أصبحنا فعلا نكره الحقيقة، أم سنستطيع أن نواصل حب مهنتنا ونستمر في كشف الحقائق للرأي العام؟
ما ذكرته زميلتنا كان واضحا وجليا أمامنا جميعا منذ أن قامت الثورة، فلا نظام مبارك صدق حقيقة أن الشعب ثار عليه، وقال ‘كنتاكي ومأجورين ومخابرات دول أجنبية ومؤامرة كونية’ ولا مرسي وجماعته صدقوا أن الشعب طلب خلعه وارتاح لفكرة ‘الفوتوشوب وبضعة آلاف فقط من المتظاهرين من الضباط والجنود وأسرهم’، ثم تاهت الحقيقة تماما الآن في ظل حالة الاستقطاب الحاد التي تسبب العمى للجميع إلا من رحم ربي. وبالتالي تجاوز الأمر حدود كره الحقيقة إلى اغتيالها ونفيها من واقعنا، وصار كل فريق لا يعرف أو يعترف إلا بالحقائق التي يطلقها ويعلنها، في ظل نفي كامل لكل الحقائق الأخرى حتى لو سمعها بأذنيه وشاهدها بأم عينيه. كره الحقيقة يفضي إلى كره من يكشفها ويعلنها للرأي العام، وصارت الكاميرات ومن يحملها هدفا لكل كاره للحقيقة وللحق، طبعا لا نملك أدلة على الاستهداف، كما يقول زملاؤنا المصورون، لكن قتل 12 صحافيا في عام واحد يدفعنا للتشكيك في ذلك والمطالبة بكشف من وراء قتلهم. الإعلام، حتى لو كثرت ملاحظاتنا عليه، هو السبيل الوحيد لإفساح المجال لكشف الحقائق للرأي العام، فبدون الحقيقة لن نخرج من مأزقنا، بل بدونها لن نعرف حجم المأزق والمستنقع الذي سقطنا فيه، وعلينا أن نؤمن جيدا باحترام الحقيقة والتعامل معها، لا رفضها، لأنه، وباختصار شديد، رفض الحقيقة أو منع إعلانها، لن يغير من الأمر شيئا، فحينما تسكن الجماهير لن يخترع أحد غضبها وهياجها، وعندما تثور الجماهير لن ينجح أحد في إخفاء ثورتها.. رحم الله كل الزملاء من شهداء المهنة.. شهداء الحقيقة’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية