الانتخابات في موريتانيا: الخارطة الجديدة
سيد ولد سيد احمدالانتخابات في موريتانيا: الخارطة الجديدة لقد جاءت هذه الانتخابات في اطار مجموعة من الالتزامات التي تعهد بها المجلس العسكري بعيد وصوله للسلطة، تعهدات تم التوقيع عليها في اطار بروتوكول بينه وبين الاتحاد الأوروبي في الثلاثين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2005، أي بعد أربعة أشهر من انقلاب 3 من آب (أغسطس).وهكذا شهدت الفترة الانتقالية حراكا سياسيا بدءا بما أطلق عليه الاجماع الوطني الذي كان بمثابة صيغة تم التفاهم عليها كحد أدني تم من خلالها اطلاق ورشة مشروع المرحلة الانتقالية التي كانت أهم بنوده الالتزام باجراء الانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية علي أن يتم تحديد جدول زمني لها فيما بعد، بالاضافة الي تعديل قانون الصحافة المرئية والمسموعة بما يسمح بتكييفه مع القانون المتعارف عليه دوليا وذلك من خلال اقامة مجلس أعلي للصحافة يختص بمراقبتها والاشراف عليها، واعفاء الصحافة من مقص وزارة الداخلية، الذي ظلت الصحافة الحرة تعاني منه منذ أن عرفت البلاد التعددية السياسية وحرية الصحافة، ولكن يبقي الخيار صعبا بين الهاجس الأمني لدي وزارة الداخلية وغياب العدل، مما يستوجب مراجعة واصلاحا لقطاع العدل يمكنه من القيام بمهامه الجديدة علي أحسن وجه مما يضمن حق ممارسة حرية التعبير دون التعرض للابتزاز مع ضمان احترام حقوق الجميع سواء كانوا مؤسسات أم أفرادا في أن لا يكونوا عرضة للدعاية الاعلامية دون وجه حق.بين هذا وذاك يبقي علي وزارة العدل أن تبذل جهودا كبيرة لاخراج القضاء مما هو فيه من ضعف أمام مختلف السلطات ليأخذ مكانته الحقيقية في رد الحقوق الي أصحابها ورد المظالم عن الناس، والي أن يتحقق ذلك الحلم في ظل النظام القادم، نأمل أن تظل الكلمة الحرة والمسؤولة مضمونة كي تسهم في تنمية بلادنا.وكان الاستفتاء علي التغيير الدستوري والمصادقة علي القوانين الانتخابية الجديدة ومنح المرأة حق الحصول علي نسبة 20 في المئة من مقاعد البرلمان والمجالس البلدية، رغم الاعتراضات التي أبدتها القوي السياسية التي اعتبرت أن من شأنها اضعاف قدرتها في المشاركة السياسية وذلك من خلال الاعتماد علي المرأة التي تعاني من تهميش سياسي ونقص في الوعي السياسي والقدرة علي اقناع الناخبين وخصوصا في مناطق النفوذ التقليدي.وكانت هناك اعتراضات من طرف الفعاليات الحزبية علي السماح للمستقلين بشكل عام للترشح وممارسة حقهم في المشاركة السياسية باعتبار أن الأحزاب ما زالت تعاني من قصور في تمثيل القوي التقليدية واقناع الجمهور ببرامجها اذا كانت تمتلك أصلا برامج ومشاريع اجتماعية، فهي ان وجدت فانها فضفاضة وعامة، وتكاد تكون متطابقة ومنسوخة من بعضها البعض.وشكل انتخاب العمدة نقطة خلاف حيث طالبت الأحزاب باختياره من اللائحة التي تحصل علي الأغلبية النسبية، ولكن تم اعتماد انتخابه من المجلس البلدي اذا لم تحصل لائحته علي الأغلبية المطلقة.وتمت الموافقة علي قوانين الانتخابات في ظرف من المد والجزر بين هذه القوي والمجلس العسكري، وجاء الترشح المكثف للمستقلين مع ما رافقه من هجرة مفاجئة وكبيرة لبعض الشخصيات النافذة سابقا في الحزب الجمهوري وفي النظام السابق، ليثير ثائرة قادة الأحزاب السياسية وخصوصا قادة المعارضة السابقين الذين عقدوا آمالا كبيرة علي تبني القيادة الجديدة لهم أو التزام الحياد علي الأقل وعدم ترك بصماتهم علي القادم من خلف هذه الانتخابات.وكادت هذه العاصفة أن تضع نهاية لذلك التفاهم، لولا اللقاءات الرسمية التي تمت مع قادة الأحزاب والتطمينات التي قدمتها السلطات الادارية، وتأكيد رئيس المجلس العسكري علي الحياد التام وانحياز الاتحاد الأوروبي، صاحب الدعم السياسي والمالي، الي وجهة النظر الرسمية مما أربك قادة الأحزاب التي فضلت سلوك طريق جديد في التعامل مع الظرفية السياسية بشكل يضمن مصالحها ويرسي دعائم السلم الاجتماعي في بلد ظل يعاني من عدم الاستقرار، وغياب رؤية استراتيجية موحدة لبنائه.وهكذا تم تجاوز معضلة المستقلين بدخول الأحزاب المعترك الانتخابي وقبول المشاركة بكثافة رغم ما قيل ويقال عن دعم رسمي يتلقاه المستقلون.وقد شهدت هذه الانتخابات ولأول مرة اشراف اللجنة المستقلة للانتخابات والمرصد الوطني لمراقبة الانتخابات ولكن حضورهم كان باهتا ولم يكن فاعلا في اقناع الرأي العام بقدرة هذه المؤسسات علي لعب دور متميز في الزام والتزام الحياد.وكان الحضور الدولي ممثلا في الاتحاد الافريقي والجامعة العربية والمؤتمر الاسلامي والاتحاد الأوروبي بشكل مراقبين، لافتا للانتباه علي امتداد مدن البلاد وعدد كبير من المكاتب التي أجري فيها الاقتراع.وقد شهد هؤلاء كما شهدت الأحزاب المشاركة بشفافية الانتخابات وحسن تسييرها من طرف القائمين عليها: ادارة ومراقبين ومشرفين.وقد أسهمت النسبية في ظهور مجالس بلدية من مختلف أطياف اللون السياسي، نكاد أحيانا لا نجد لونا طاغيا مما سمح بمشاركة واسعة من جهة والتحسين من فرص تسيير البلديات ولكنه قد يسهم من جهة أخري في ايجاد أرضية من النزاعات قد تعرقل هذا المرفق العمومي.لقد تمخضت هذه الانتخابات عن خريطة جديدة ستحكم المعادلة السياسية في البلد، علي الأقل، علي امتداد السنوات الخمس القادمة، ويمكن القول ان المعارضة التقليدية ممثلة في تكتل القوي الديمقراطية قد حققت بعض المكاسب علي مستوي مدينة انواكشوط وولاية اترارزة مما سيسمح لها بتحسين وضعيتها بعدما عانت في السنوات الأخيرة من تشتيت مخزونها الانتخابي وتراجع واضع في وزنها الانتخابي رغم أنها مثلت في نيابيات 2001 مستفيدة من النسبية التي تم اعتمادها في تلك الانتخابات ولأول مرة.و قد برزت كتلة المستقلين بشكل واضح وفاعل كقوة معتبرة في المجالس البلدية والبرلمان مما يعطي الانطباع أن هذه القوة الصاعدة ستكون القظب الرئيسي الذي ستقوم علي أساسه التحالفات المقبلة لانتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة المقبلة.وقد أسهم ظهور هذه الكتلة في اضعاف الحزب الجمهوري الذي شهد نزوحا كبيرا لأطره وقياداته نحو هذه الأخيرة، كما أثر علي التمدد المفاجئ لتكتل قوي الديمقراطية ((RFD، الذي استفاد كثيرا من التمزق الحاصل في ذلك الحزب الذي ظل يهيمن علي الحياة السياسية في البلد لأكثر من عقد من الزمان لم يستطع خلالها أن يقيم هياكل تسمح بالتناوب بشكل ديمقراطي علي السلطة وظل أداة في يد الكبار حتي باغتته الأحداث الأخيرة فلم يستطع عليها صبرا، فغير اسمه وقيادته، لكن ذلك لم يشفع له لا بل ساهم في تصدعه وزيادة معاناته، فغاب عن الساحة السياسية بشكل واضح تاركا المجال واسعا أمام منافسي الأمس ليلتهموا أجزاء كبيرة من شعبيته وأطره دون أن يحرك ساكنا، وكانت ترشيحاته دون المستوي المطلوب وحملته خجولة ولم تؤت أكلها رغم امتداداته الطبيعية واجماع الكثيرين علي أهمية الابقاء عليه كإطار يجمع القوي المعتدلة في البلاد. وقد استفادت بعض التشكيلات السياسية الجديدة أو التي ظلت علي الهامش كالتحالف الشعبي التقدمي واتحاد قوي التقدم والتجديد الديمقراطي وكذلك الاصلاحيون الوسطيون (الاسلاميون) سجلوا بعض الحضور علي مستوي بلديات أنواذيبو وأنواكشوط وكرو.واذا كان هناك من جديد فعلا يمكن الحديث عنه فهو ذلك الحضور الكبير واللافت للمرأة في هذه الانتخابات رغم كل الاعتراضات التي واجهتها فقد عمدت جميع اللوائح المترشحة الي تمثيلهن بشكل مكثف مما يمكن أن يطلق عليه حملة تمثيل المرأة ودخولها المعترك السياسي، حيث أصبحت تعتمد علي سلطة القانون وليس علي حسن نوايا الحكام أعطوها أو منعوها.ويمكن القول ان الخارطة السياسية شهدت تمددا نحو قوي التغيير ممثلة في أحزاب المعارضة سابقا، ولكنها لن تشهد تغييرا راديكاليا يغير من المعادلة التي كانت قائمة. كاتب من موريتانيا8