خالد الخاني يستحضر عذابات السوريين تشكيلياً

حجم الخط
2

باريس ـ ‘القدس العربي’ ـ من أحمد صلال: افتتح الفنان التشكيلي السوري خالد الخاني في غاليري’أوربيا’في العاصمة الفرنسية – باريس معرضا فرديا جديدا.
الخاني الذي ينتمي للجيل الجديد في الفن التشكيلي السوري يعود مشواره التشكيلي إلى بداية سنة2000 ، حيث أن القاسم المشترك بين جميع أعماله، ينتمي لحقبة أحداث مدينته حماه التي عايشها الخاني، حيث أعتبرها هدفاً لمشروعه التشكيلي في محاولة للتخفف من عبء الذاكرة، والتصالح مع الحياة عبر نقل عبء الذاكرة إلى مساحة تشكيلية يعيد فيها إنتاج نظرته للحياة، وكل ذلك يبدو جلياً في لوحة الخاني الصاخبة والمحاولة الاشتغال على فضاء يحدث قطيعة مع السائد والتقليدي في جيل البدايات والوسط في التشكيل السوري.
لا حديث عن التراث والمعاصرة والهوية في مشروع الخاني، الفنان الذي لم يرق له كل هذا الحديث، وإن كان لا يحرمه على الآخرين، إلا ان نوازعه وأهدافه الطيبة، اتجهت به نحو الطفولة وما تختزنه من ذاكرة يمكن وصفها بالإبداعية، معتنياً بها مقدماً إياها محملة بنظرة التجربة والأفكار المكتسبة.
الفنان السوري خالد الخاني صرح لصحيفة ‘القدس العربي’ التي حاورته على هامش المعرض، قائلاً: ‘أسعى من خلال هذا المعرض، الى تقديم مناخ تسوده عناصر من التجربة والخبرة المكتسبة من المرحلة الباريسية، التي لا تحدث قطيعة مع امتداد مشروعي المفترض، ولكن تستفيد من الأدوات والتقنيات التي أحاول عبرها منح مشروعي شكلا من التجديد، مثلما أزعم’.
وتابع بنفس جرعة الصدق التي بدت جلية في محاكمته النقدية لمشروعه’مفهوم الجماعة بمفاهيمها السياسية والأخلاقية بعد اندلاع الثورة السورية، موضوعات أحاول الانفتاح عليها، الأدوات المدرسية والخبرات والأكاديمية لوحدها لا تكفي، أحتاج لرسم موضوعات تنتمي لمساحاتي الروحية مع تضافر جميع العناصر سالفة الذكر، كي أقدم فنا يرتقي لمستوى الفعل الاجتماعي فنياً، ولا يشتبك معه بالمعنى المباشر الفج والخطاب الساذج’.
الخاني الذي تسيطر على مساحاته اللونية وجوه اقتلعت عيونها ونساء يكتنفهن الذعر، موضوعات محلية مستقاة من أنسنة تجربته التي ترتقي من مستوى المعالجة الشخصية إلى مستوى المعالجة العامة، يكمل قائلاً: ‘لا أرغب في تقديم السياسي، ولكن في زمن يحيا فيه السوريون مأساة التغريبة وأجساد يبحث الناس فيها عن أشلائها، مواضيع لا يمكن إغفال عين الفن عنها نحو النزوح إلى موضوعات تعاني من فصام مع الواقع، الهموم المشتركة لكل السوريين هي الموضوعة التي تفرض نفسها قسراً على كل إنسان يملك شيئا من الضمير والأخلاق، فما بالك بالفن الموكل إليه مهمة استحضار كل القيم الإنسانية وتقديمها للمجتمع’.
وحول مستوى اللغة التشكيلية المقدمة في المعرض يتحدث الخاني:’حاولت التخفيف من منطوق اللغة لتشكيلية الأشد حزناً وألماً مما هي عليه في المعتاد، ولكني لم أفلح في ضبط إيقاع روحي الموجعة، اللوحات التي اتخذت من الألوان غير المتصالحة مع الحياة والمتمردة على المخزون الأكاديمي والتنظيري، لا تعقد مصالحات سوى مع الفضاء البصري الخاص بي وبها، وتتشابك مع المعاشي والتشكيلي بشكل أساسي’.
الفنان الذي تخرج من كلية دمشق للفنون الجميلة بدمشق، بقي وفياً للخط العام لتجربته، التجربة التي تبدو أشبه بصرخة تشكيلية مكتومة من طفولته التي تتجذر يأساً وحزناً في وعيه يتحدث عنها: ‘أحاول الاشتغال على محاولات دائمة لتقديم تجارب طازجة ومشتغلة على الجديد، ولكن أجد صعوبة في الفكاك عن موضوعاتي التي أحبذ وأدمنها بل تفرض نفسها على مشروعي من معرضي الأول’.
ويجد الخاني نفسه في معرضه اليوم يستعيد صورا من معرض طفولته الأولى التي عايشها في مدينته حماة، عازفاً لحن نبل أهله وأقاربه وجيرانه وخيانة من يفترض أنهم شركاء لهم في الوطن.
‘لا أبحث عن التجلي ولا أحبذ الحديث عن القضايا الكبرى بلغة منتقاة من الشعر والروايات’ بالكلمات سالفة الذكر، يعتبر الخاني لحظة التجلي لديه شكلا من أشكال مقاومة الطغاة في هذا الزمن الذي يعتبره الأتعس، ولا يعتبر انتصاره لذاكرته سوى شكل من أشكال مقاومة الضياع والاندثار.
‘فيما تعيش سوريا كلها ما عاشته حماة في القرن المنصرم، يحاول الخاني أن يحاور تشكيلياً ما بقي من أعمارنا الضائعة، لا يريد استبقاء الزمن التعيس لوحده، ولكننا لا نملك شيئاً من لحظات الحب، حتى الحلم لم يتسرب إلى حياتنا، ولا نملك سوى البحث عما سرقته الأيام من أيامنا’هذا الحس الذي يتملك المتلقي حينما يلج لوحات الخاني. الخاني الذي لا يعترض على التوصيف، يعتبر المنطوق التشكيلي ما زال قاصراً عن مجاراة الحزن الكارثي، ويدع اللوحة مفتوحة على فضاءات بصرية ربما تجيء يوماً حبلى بالضوء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية