القاهرة ـ ‘القدس العربي’ صدرت صحف أمس الاثنين 7 ابريل/نيسان وأبرز موضوعاتها متابعة المأساة التي حدثت في أسوان من قتال بين أبناء النوبة من الدابودية وبني هلال، وأدت إلى مقتل ثلاثة وعشرين من الطرفين، ورغم توجه رئيس الوزراء ووزير الداخلية إلى أسوان والاجتماع مع رؤساء القبائل والاتفاق على تشكيل لجنة تقصي حقائق ووقف أعمال العنف، فقد تجددت الاشتباكات وقتل اثنان وتطايرت الاتهامات من كل طرف إلى الثاني. فالنوبيون اتهموا بني هلال بأنهم تجار مخدرات وسلاح ويوردون البلطجية إلى المظاهرات. وبنو هلال يتهمون النوبيين بذبح ستة عشر من أبنائهم في منازلهم وأن الأمن يعرف كل شيء عنهم، والأمن اكد أنه سيطر على الأوضاع وألقى القبض على عدد من المشتبه في ارتكابهم أعمال العنف.
وفي الحقيقة لا يمكن التأكد من صحة أي ادعاءات ما دامت النيابة العامة لم تحقق وتصدر قراراتها وتحيل إلى محاكم وتصدر عنها الأحكام النهائية.
وأمس توقفت جريدتا الاهرام و’الوطن’ عن تبادل الاتهامات في ما بينهما بعد أن وصلت الى ذروتها يوم الأحد بقول ‘الوطن’ عن رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام زميلنا الدكتور أحمد السيد النجار:
‘أكد مصدر مسؤول بمطابع الأهرام بالسادس من أكتوبر لـ’الوطن’ أن اتصالات هاتفية تجري مع النجار يوميا بالمطابع تتضمن امرا بعدم طبع الوطن حتى ساعة متأخرة من الليل، رغم استعداد ماكينات الطباعة للعمل في الوقت المحدد. وقال المصدر ان اخر اتصال تم إجراؤه مساء الخميس الماضي تضمن تعليمات رسمية بالقضاء على ‘الوطن’ في السوق تماما قبل نهاية شهر إبريل/نيسان. وحررت ‘الوطن’ أربعة محاضر متتالية ضد الاهرام في قسم الشرطة ثان بالسادس من أكتوبر وتعتزم ‘الوطن’ رفع دعوى قضائية ضد الاهرام لمطالبتها بالتعويض عن الأضرار الأدبية والمالية التي لحقت بها جراء هذا التعسف وتمادي رئيس مجلس إدارة الاهرام في ابتزازه لـ’الوطن’ بحجز مستحقاتها المالية في مكتبه، ورفض توقيع شيك بالمتأخرات التي وصلت إلى ستين يوما، وهي مبالغ ضخمة قامت الاهرام بتحصيلها من بائعي الصحف من حصيلة بيع نسخ ‘الوطن’، وترفض تسديدها لها للضغط عليها ماليا لأهداف سياسية وشخصية سوف تكشف عنها ‘الوطن’ بالوقائع لاحقا.
وفي اليوم نفسه الأحد قالت الاهرام: ‘كانت مؤسسة الأهرام قد ترفعت عن الإشارة إلى كل ما تفعله الوطن، الذي يأتي في أعقاب سعي الأهرام للحصول على حقوقها لدى الأستاذ عماد الدين أديب احد المساهمين في جريدة ‘الوطن’ والمدين لمؤسسة الأهرام بأكثر من ستة عشر مليون جنيه، الذي تفاوضت معه الاهرام طويلا لرد تلك الحقوق، لكنه لم يفعل سوى المراوغة وعدم الوفاء بأي وعود، وعدم تنفيذ أي اتفاقات شفوية أو مكتوبة، مما دفع الاهرام لمقاضاته وأخذت عليه حكما بالسجن، سنسعى بالتأكيد لتنفيذه إذا لم تعد حقوق الأهرام وللجريدة خاصة، فـ’الأهرام’ ماضية في مسارها للمزيد من التقدم والتطور كأكبر صحيفة مصرية وعربية تعبر عن ضمير الوطن وعن رحابة التنوع الفكري والثقافي فيه ولن نلتفت لأي مهاترات وهذه كلمة أولى وأخيرة في هذا الموضوع .
ونشرت الصحف عن استمرار محكمة الجنايات في نظر القضية المتهم فيها كل من رئيس الوزراء في عهد مبارك، عاطف عبيد ووزير الزراعة يوسف والي في التورط في بيع أرض جزيرة البياضية في أسوان، وهي محمية طبيعية لرجل الأعمال وصديق مبارك حسين سالم. ونجاح رئيس الجمهورية عدلي منصور في حل قضية أرض ومباني جامعتي النيل وزويل بالاتفاق بينهما. وواصلت الصحف الحديث عن استمرار انقطاع الكهرباء وحملات التوقيع على التوكيلات للسيسي وحمدين وإعلان مرتضى منصور المحامي ورئيس نادي الزمالك الترشح للرئاسة.
والى قليل من كثير لدينا…
تحذير السيسي
من عمرو موسى
وفي يوم الخميس قام زميلنا وصديقنا في ‘الوطن’ أحمد الخطيب بتحذير السيسي من عمرو موسى الذي يشرف على حملته الانتخابية بقوله عنه: ‘الشعب قام بواجبه في مساندة السيسي منذ حكم الإخوان لوضع دستور 2012 عندما كان موسى في حضن الجماعة من خلال الجمعية الاخوانية للدستور، التي انسحب منها عمرو مع أحمد ماهر مؤسس 6 إبريل متأخرا، بعد أن تأكد الاثنان من فشلها، وذرا للرماد فقد كان المرشح الرئاسي الخاسر يردد وقتها كثيرا مقولة انه مع استمرار مرسي حتى انتهاء فترة ولايته 4 سنوات، وبعدها التقى مع عصام العريان مصادفة ذات مرة ووجه له القيادي الإخواني رسائل مهينة رصدتها وسائل الإعلام آنذاك بالصوت والصورة لم ينفعل عمرو أو حتى يرد الاهانة في حقه، وقبل 30 يونيو/حزيران بأيام، وبينما الشارع منشغل بالاستعداد للإطاحة بالإخوان كان موسى وشبيهه أيمن نور الذي كان ضمن حملته الانتخابية يجلسان مع قائد الجماعة خيرت الشاطر في جلسة سرية سربها نور والإخوان ليفضحا المرشح الرئاسي السابق والساذج ويكشفا تلون الرجل.
قامت ثورة 30 يونيو وركبها عمرو موسى كما ركب يناير، ثم بدأ رحلة البحث عن منصب وتوجها برئاسة الجمعية التأسيسية للدستور’.
الدستور الحالي وضع رقبة
الرئيس تحت رحمة البرلمان
والتحذير والهجوم على عمرو موسى أطلقه ايضا يوم السبت زميلنا في ‘أخبار اليوم’ محمد عمر بقوله: ‘من تدابير القدر أو سخريته أن يختار المشير السيسي ضمن حملته الانتخابية ليكون رئيسا أربع شخصيات، كانت وراء أن يكون هذا الرئيس ‘اللي هم ضمن حملته بلا أي صلاحيات أو بالبلدي وجوده زي عدمه’، فالسادة أعضاء لجنة الخمسين لكتابة الدستور الذين استعان بهم السيسي في حملته، كانوا هم تحديدا من حولوا رئيس الجمهورية ولأول مرة في تاريخ البلد من حاكم فعلي إلى رجل بركة، ‘لا يهن ولا ينس’ بعد أن نزعوا منه وعنه كل الاختصاصات والصلاحيات، وجعلوه بفضل ذكائهم لا يستطيع أن يخطو خطوة أو أن يشيل حتى كرسيا من مكانه، إلا بعد ان يحصل على موافقة البرلمان. ومن المؤكد أن ده كان الدافع والسبب الحقيقي وراء أن تكون الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية، فالدستور الحالي وضع رقبة الرئيس تحت رحمة البرلمان، بفضل أعضاء حملته الانتخابية’.
لا وقت للكلام والخطب
وإذا انتقلنا إلى جريدة ‘الفتح’ لسان حال جمعية الدعوة السلفية التي خرج من عباءتها حزب النور، سنجد أن صاحبنا علي حاتم اخذ يدعو السيسي من دون ذكر الاسم، ومشبها إياه بخالد الذكر، من دون ذكر الاسم أيضا بقوله وهو يخاطب أمه مصر: ‘أنت يا مصر في حاجة إلى زعيم يعيد ترتيب جسدك الذي ترهل فصار لا يعرف رأسه من وسطه ومن قاعه، زعيم قوي يميز الطبقة العليا في المجتمع ويحددها تحديدا دقيقا، يأمرها فتطيع من خلال برنامج تتحمل فيه هذه الطبقة مسؤولية المساعدة الجادة في سد احتياجات الطبقة الفقيرة، التي تزداد فقرا يوما بعد يوم، زعيم يميز الطبقة المتوسطة في المجتمع التي التصقت مع الأسف بقاعه، فصارت هي الأخرى لا تستطيع تدبير احتياجاتها الضرورية بعد أن كان بناء الأمة يقوم عليها كما يحدث في كل المجتمعات. فالطبقة المتوسطة عادة ما تكون طبقة التكنوقراط المتعلمين المثقفين الباحثين في كل العلوم…
آن الأوان يا مصر أن تنهضي فنحن نشم رائحة زعيم مقبل ينجح، إن شاء الله، في دفعك إلي الامام بعد أن يعيد ترتيب جسدك المترهل مستعينا بحول الله وقوته، يتقي الله في هذا البلد ويستقطب حوله أبناء مصر الصادقين، وما أكثرهم نحن نشم رائحة زعيم مقبل يعلم جيدا أن الناس ستعرفه من خلال نوعية المساعدين الذين سيلتفون حوله، يضع خطة تنفذ بصرامة وبدقة، يدفع من خلالها مصر إلى الأمام، زعيم ترتعد من قدومه فرائص المفسدين الذين آن الأوان للقضاء عليهم واستئصال فسادهم من جذوره وتجفيف منابعه.. زعيم يعرف جيدا أنه لا وقت للكلام والخطب فكفى ما مضى من كلام، ولو أن هناك في الدنيا آلة تستطيع أن تحدد أكثر البلاد كلاما في العالم لاحتلت مصر المرتبة الأولى بجدارة’ .
متى يعتذر مبارك للشعب المصري؟
أما الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك فقد تسبب في إشعال معركة أخرى بين السيسي وحمدين عندما نشرت له يوم الخميس جريدة ‘المصري اليوم’ حديثا أجراه معه زميلنا محمد سميكة، قال فيه عن حمدين انه مفيش فايدة منه وتعاون مع الإخوان، وقد شن عليه يوم السبت زميلنا وصديقنا في ‘المصري اليوم’ محمد أمين هجوما عنيفا قال فيه: ‘لم نكن في حاجة إلى نصيحة مبارك لنعرف إن المشير السيسي رجل المرحلة، لم يضف شيئا إلى السيسي، جائز خصم منه بتصور البعض كذبا، أن السيسي امتداد لمبارك. مفهوم بالطبع أنه كلام انتخابات لا يعني أن هناك شرائح معينة تدعم السيسي أنها محسوبة عليه أو أنه محسوب عليها، يمنعني الحياء أن أقول له نقطنا بسكاتك اسكت حتى تنتهي الانتخابات على خير، أسكت للأبد فقد أفسدت الماضي، فلا تضيع المستقبل. ليس غريبا على مبارك أن يقول ما قال، الرجل لم يقتنع ذات يوم بأهمية وجود آخرين إلى جواره، السياسة التي كان يعرفها ويفهمها هي أنه وحده لا شريك له، لا يدري أن الدنيا تغيرت، لا يدري أنه أعطى المبرر لحملة صباحي بالطعن في انتماءات المشير السياسية، لماذا لم يعتذر مبارك؟ ما دام الرجل يستطيع الكلام فلم لا يعتذر؟.. لماذا لم يوجه كلمة الى الشعب يعتذر فيها عن أخطاء الماضي وخطاياه؟ متى يقول لنا كيف سمح باللعب مع الإخوان؟ كيف وصلوا إلى البرلمان؟ كيف صنعوا إمبراطورية صناعية وتعليمية بالمليارات، بينما هم جماعة محظورة؟ لماذا قمع ومسح الأحزاب المدنية؟ لماذا ينكر حتى الآن أنه أفسد الحياة السياسية؟ إلى متى ينتظر؟ يعني ايه ما قاله مبارك للزميل الواعد محسن سميكة؟ يعني إيه مقولة ‘حمدين صباحي مفيش فايدة منه ومينفعش يبقي رئيس؟’ أستطيع أن أقول إن واحدا بعد مرسي يصلح للرئاسة لو كان صباحي في كفة ومرسي في كفة ترجح كفة صباحي. لا أدافع عنه ولا انحاز إليه، صباحي حصد خمسة ملايين في أول انتخابات بعد الثورة، خضع لاختبارات الترشح الآن لا مخبول ولا مجنون ولا مشروع ديكتاتور، ربما كان الظرف مختلفا ربما كانت المرحلة قد تجاوزت صباحي لكنه يبقي سياسيا محترما ليصنع معركة رائعة…
لا أظن ان حمدين صباحي يتمسح في الناصرية وعبد الناصر.. هو ناصري فعلا حتى النخاع كون الجماهير رأت في السيسي عبد الناصر نفسه فهذا لا يغير في الأمر شيئا، فلا السيسي سيقدم نموذج عبد الناصر بحذافيره ولا ابتعاد أبناء عبد الناصر عن صباحي سيجعله يخلع عباءة الناصرية’.
الكلمة الفصل في اختيار
الرئيس ستكون للمواطن
وفي ‘الوطن’ يوم السبت أيضا تعرض مبارك إلى هجوم ثان من مستشارها الإعلامي الأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة الدكتور محمود خليل بقوله: ‘حمدين صباحي ده مفيش فايدة منه هكذا قال مبارك عن المرشح المحتمل المنافس للمشير السيسي، لماذا لا توجد فائدة من حمدين صباحي، رغم أنه سبق وترشح وحصد ما يقرب من خمسة ملايين صوت ورغم أنه يمتلك برنامجا قد نتفق او نختلف معه، لكن يبقى أن من حقه أن يقدمه إلى الرأي العام المصري والاختيار بعد ذلك للشعب، فالكلمة الفصل لابد أن تكون للمواطن، إلا أننا أمام رئيس أسبق يرى أن شعبه غبي لا يفهم، جاهل لا يعلم، وان من الخير له أن يفرض عليه من يحكمه فرضا، لقد قال مبارك ‘انتو اللي اخترتوا الإخوان’ لكن هذا الشعب نفسه هو الذي أطاح بهم حين خرج في 30 يونيو/حزيران. كان من الممكن أن يفكر مبارك على هذا النحو، لكن كيف يفعل ونحن أمام رئيس يحتقر شعبه، ما الذي يدعو رئيسا أسبق إلى أن يعبر عن خوفه من ان يصاب بالجنون من حمدين صباحي المرشح المحتمل الوحيد للآن. الشهادة الذاتية بالاستبداد ورغبة دفينة لديه بإعادة مصر مرة ثانية إلى عصر جمهورية الاستبداد التي تأسست خلال فترة حكمه’.
في مصر من يحمل
السلاح يفرض القانون!
وعن دلالة ما يحدث في أسوان من معارك بين قبيلتي بني هلال والدابودية يحدثنا رئيس تحرير ‘المصريون’ جمال سلطان يقول:’ما يحدث في أسوان على مدار الأيام الثلاثة الأخيرة خطير للغاية، صحيح أن عدد الضحايا مؤلم جدا وخطير في حد ذاته، ولكني أتصور أن دلالة الحدث أشد خطورة من نتائجه المعلنة حتى الآن، والأخبار التي ترد حتى كتابة هذه السطور تفيد بأن عدد القتلى زاد على خمسة أشخاص اليوم بعد تجدد الاشتباكات، وبعد الرحلة المباركة لرئيس مجلس الوزراء مصحوبا بوزير الداخلية، تفجرت الأحداث في اليوم التالي للزيارة، بمعنى ألا قيمة لمن ذهبوا، لا رئيس الوزراء ولا وزير الداخلية. والحقيقة أن أحداث أسوان ليست استثناء مما يحدث في مصر الآن، ربما حجم الضحايا لفت الانتباه بقوة لما يحدث هناك، ولكن هناك مناطق أخرى في عموم مصر، من الصعيد للدلتا تعرف مثل هذه الأحداث في الأشهر الماضية بصورة متكررة، وهناك واقعة حدثت على أطراف العاصمة ذاتها قبل أسابيع بين قريتين من قرى الجيزة واستخدمت فيها أسلحة ثقيلة، ولكن ألطاف الله حفظت البلاد من الدماء والقتل فمرت بسلام .
تعجل المتحدث باسم القوات المسلحة أمس واتهم الإخوان المسلمين بالتورط في تلك الأحداث، بدعوى أن مدرسا إخوانيا حرض الطرفين على بعضهما بعضا، وهذا ـ إن صح ـ يعني أن الحالة في البلد رخوة جدا أو ملتهبة وسريعة الاشتعال وأصبحت مؤهلة للاستجابة لأي صوت مهما كان تافها، لتقوم فيها الحروب الأهلية الطاحنة، هذا إن صح الاتهام، وهذا نذير شؤم على البلد، ويعني أن خطر الحروب الأهلية الصغيرة ليس بعيدا عنها، ولكن رئيس الوزراء بعد زيارته طلب تشكيل لجنة تقصي حقائق للوقوف على أسباب ما جرى هناك وتحديد المتهمين، وهذا يعني أن إطلاق الاتهامات لهذا أو ذاك مبكرا كان خطأ وغير صحيح، وهناك اتهامات نشرت في بعض الصحف والمواقع تصل إلى حد الإسفاف والتدني، مثل اتهام المهندس خيرت الشاطر عضو مكتب ارشاد الإخوان المسجون منذ عدة أشهر بالتورط في أحداث أسوان، غير أن بعض الإشارات التي يمكن أن تفهم في بيان المتحدث العسكري، وما تسرب من أخبار أخرى أقل موثوقية من أن هناك خلفيات سياسية بشكل جزئي وراء الأحداث في أسوان، من شأنها أن تضفي أبعادا أكثر خطورة، إذ تردد أن الهلالية من المؤيدين لمرسي وأنصار الشرعية وأن الدابودية من المؤيدين للسيسي، فلو صح ذلك فإنه سيجرنا إلى تأمل سيناريوهات كابوسية يمكن أن تحدث في مصر خلال المرحلة المقبلة، على خلفية الانقسام السياسي بعد الإطاحة بمرسي، خاصة مع انتشار السلاح في أيدي العائلات والأفراد على نطاق واسع، أضف إلى ذلك تسريبات إعلامية وحقوقية عن انتماء قيادات أمنية وسياسية رفيعة إلى هذه العائلة أو تلك القبيلة، بما يعني أن جسم الدولة نفسه مخترق ومتورط في تلك المواجهات .
أيضا ما حدث ويحدث في أسوان يعطي انطباعا بأن الدولة المصرية في أضعف حالاتها، وأن أجهزتها ومؤسساتها أهون من أن تسيطر على أطراف البلاد وتمنع الاشتباكات المسلحة بين القبائل والعائلات، أو أن الدولة مستنزفة في صراعها السياسي مع أنصار مرسي، مما يجعلها غير قادرة على استيعاب هذا التهديد الاجتماعي الخطير، وهناك إجماع من الشهادات التي أدلى بها شهود عيان في الأحداث أن الدولة غائبة، والشرطة غير موجودة أو تتفرج على الأحداث من بعيد لبعيد، وأن محافظ أسوان استغاث بالقوات المسلحة التي أرسلت طائراتها تزمجر فوق المدينة وضواحيها قبل أن تختفي لتعود المعارك من جديد، ومن مساخر الأحداث أن المحافظ حاول أن يصل إلى موقع الأحداث لمقابلة الأطراف فيها فطرقع الرصاص فوق رأسه فعاد مذعورا إلى مكتبه .
عندما يعيش الوطن أجواء مشحونة بالعنف المفرط واسترخاص الدم، وحالة العدالة فيه ليست على ما يرام، والقانون يفرضه من يحمل السلاح وليس من يحمل الحق، فإنه من الطبيعي أن ينتشر العنف في أي لحظة وأي مكان لأهون الأسباب ولأي شرر مهما كان صغيرا أو تافها ، نسأل الله اللطف بمصر وشعبها’ .
اللهم ارحم مصر وشعب
مصر مما قدرت وحكمت
اما زميله حسام فتحي فيتحدث لنا في العدد نفسه عن صفات الرئيس القادم الى مصر في مقال عنونه بـ ‘الحصان الاسود في الزمن الابيض’ يقول:’
كحصان اسود جامح.. قادم من عمق الغمام الاسود الكثيف.. بارق.. راعد مهيب.. كاشف.. مرعب لكل من يسترق النظر لعينيه الخضراوين الغامضتين.. رهيب لكل من يفكر في سطوته وحدة ألفاظه وصرامة تعبيراته شاق حاجز الزمن.. ممزق استار الغموض هاتك كل الحجب.. مبعثر كل الطواطم المتحجرة.. والتعاويذ البالية صارخ من قبل المجهول: ها أنذا يا شعب المحروسة ‘أهبط”إليكم مادا يدي.. ‘بيضاء’ بغير سوء.. لانتشلكم من غياهب الظلمات ودياجير الغموض الى المستقبل المشرق.. والغد الوضاح لنحلق معا فوق قمم الجبال الشامخة، محولا الصحراء سندسا اخضر يانعا، وداعيا الانهار عذوبا فراتا لا تجف او تنتهي او حتى يهدأ جريانها، وستعمل المصانع بطاقاتها القصوى ليلا ونهارا، وتفيض الارزاق انهارا.. انهارا..، وتختفي الامية، وأقضي على كل الحرامية، وأسترد حقوقكم ممن ظلمكم بذراعي وأنتم تعرفون باعي فوق كل باغي.. الحمد لله بعد اكتساحه لانتخابات القلعة البيضاء العتيدة، وفأله الحسن بفوز الفريق الذي كان بعيدا.. بعيدا، تقدم سيادة الرجل الجليل ذي الرأي السديد والتاريخ المديد واللسان غير ‘السليط’، والعفة المفرطة، والثبات على المبدأ لحكم ام الدنيا، وفي لحظة فارقة اعتقد انه سيكون ‘الحصان الاسود’ في الزمن ‘الابيض من الثلج’ الذي تعيشه المحروسة ويتمرمغ في ثلوجه الصهباء اهلها المحظوظون بوجود معاليه في عهدهم السعيد، او وجودهم في عهده الميمون لا فرق.. فلم يعد هناك فرق.. ولم يعد هناك من يعرف الفرق!
اتسعت حدقتا عيني وأنا أبحلق في شاشة ‘المرناة’ محاولاً سبر غور الرجل.. نعم هو جاء جاداً مقطباً جبينه عازماً على الترشح، ليس مازحاً ولا ممازحاً، ولم لا وهو على رأس القلعة البيضاء ينظر إلينا من فوق السحاب مرتئياً أنه طالما حكم القلعة فإن على المحروسة كلها أن تخضع لسطوته، وتخشى حدة لسانه وصرامة كلماته وقسوة عباراته.
اللهم ارحم مصر وشعب مصر مما قدرت وحكمت.
يا رب.. إذا كان شعب القلعة البيضاء يستحقون ما حاق بهم بأيديهم، فإنا نرجو عفوك وكرمك ومسامحتك لبقية أهل المحروسة.
اللهم لا تحقق فينا قول إخوتنا الشوام ‘هيك شعب بده هيك مرشح’.
واللهم احفظ مصر وأهلها من كل سوء’.
لا توجد ديمقراطية أو شبه ديمقراطية
ينتخب فيها الرئيس بغير برنامج
وفي ‘الشروق’ عدد امس الاثنين وجدنا الكاتب فهمي هويدي في انتظار العريس او الرئيس:’اختلطت علينا الأمور في مصر بحيث صرنا بحاجة للتنبيه إلى الفرق بين انتخاب العريس وانتخاب الرئيس. ذلك ان العريس عادة ما ينتخب لفضائله الشخصية وربما أيضا لقدراته التي تمكنه من إدارة البيت وتحمل مسؤوليته. وإذا شاب القصور بعض تلك القدرات، المالية مثلا، فإن المثل الشائع في مصر ينحاز إلى قبوله، رغم ذلك، ترجيحا لسجل فضائله باعتبار أن ‘شراء الرجل’ في هذه الحالة قيمة لا تعوض، في حين كل ما عدا ذلك يمكن تعويضه في المستقبل. لأن إدارة الدولة غير إدارة البيت، فإنه يتعذر المساواة بين شراء الرجل وشراء القائد أو الرئيس. وإذا كان الأول يتم انتخابه لفضائله الشخصية، فإن ذلك لا يعد كافيا في الحالة الثانية. ولعلي لست بحاجة إلى تبيان الفرق بين مشروع الأسرة ومشروع الدولة، حيث لا وجه للمقارنة بين المواصفات المطلوبة لتنفيذ المشروعين. ولا سبيل للمقابلة بين طموح العريس رب الأسرة وطموح الرئيس الذي يقود الدولة. وحدود طموح الأول مفهومة، لكن طموح الثاني لا حدود لها، لكنها ينبغي أن تكون معلومة. وفي كل الأحوال فإننا لا نعرف رئيسا ينتخب استنادا إلى فضائله الشخصية وحدها. وإنما ينبغي له فضلا عن ذلك ان يقدم نفسه إلى المجتمع من خلال رؤيته أو انجازاته وخبرته، ولا يصح بأي معيار ان ينتخب رئيس ‘على بياض’. أعنى بلا رصيد من التاريخ يعزز كفته، أو إنجاز على الأرض يرفع من قدره وقامته، ولا رؤية تشي بهمته. بكلام آخر فإننا لا نستطيع أن ننتخب رئيسا لمجرد أننا نتوسم فيه خيرا، أو أن المصادفة التاريخية جعلتنا نحسن الظن به.
انني استحي أن أضرب المثل بمدربي فرق كرة القدم، الذين لا يسمح لواحد منهم ان يتبوأ تلك المكانة إلا بعد أن يثبت جدارته ويؤكد تاريخه على قدرته على الانجاز، ويطمئن ‘النادي’ الذي يلتحق به إلى أنه قادر على ان يحقق للفريق طموحاته التي يتطلع إليها. وما لم ينجز ما وعد به فإنه ينحى عن موقفه على الفور.
لا توجد ديمقراطية أو شبه ديمقراطية ينتخب فيها الرئيس بغير برنامج يوضح للناخبين بنود عقده المفترض معهم. ليس فقط لكي يعرفوا إلى أين هم ذاهبون تحت قيادته، ولكن أيضا لكي يتمكنوا من محاسبته على مدى وفائه بما تعهد به…
ما كان لي أن أذكِّر بما أحسبه أمرا بديهيا من المعلوم في السياسة بالضرورة، إلا حين ترددت في وسائل الإعلام مؤخرا مقولات استلهمت في ما يبدو مقولة ‘شراء الرجل’. وادعت ان المشير السيسي لا يحتاج إلى برنامج ليخوض به الانتخابات الرئاسية. وحجتهم في ذلك انه محل ثقة، والتفاف الناس حوله مؤكد ومضمون. وبنوا على ذلك ان تقدمه بشخصه كان يغني عن أي برنامج. وتلك دعوة خطرة. ليس فقط لأنها تحثنا على التوقيع له على بياض. وليس فقط لأن فضائله تحسب له وليس لنا. ولكن أيضا لأن الرجل رغم سجله الوظيفي المتميز، إلا أنه بلا تاريخ في السياسة أو في الحرب، لذلك يدهشنا ان يقترح علينا البعض ان نسلمه قيادة الوطن من دون ان يتوفر لنا معيار يمكننا من ان نسائله أو نحاسبه على ما فعل أو لم يفعل ــ هل هذا هو المجتمع المدني والديمقراطي الذي قامت لأجله الثورة ودفع ثمنه من دماء آلاف الشهداء؟!’.
قوى مدنية كثيرة الكلام قليلة الفعل
المصريون بعد ثلاث سنوات من الثورة، وبعد أن خلعوا رئيسين وأزاحوا نظامين، ليسوا على ما يرام، هذا ما يحدثنا عنه الكاتب عماد الغزالي في ‘الشروق’ عدد امس الاثنين يقول:’هذا كلام قلته من قبل، واليوم أعيده لأذكر نفسي وأذكركم بحجم المخاطر التي تواجهنا خلال الفترة المقبلة، بعيدا عن المكايدة السياسية ومشاحنات فيس بوك وتويتر وانحيازات كل فريق في مواجهة الفريق الآخر، ما يلقي بظلاله القاتمة على صورة المستقبل، ويجعل معجزة الرئيس المنتخب أيا كان، هي بث الأمل في نفوس الناس. أسميها معجزة لأن إدراكها لن يكون سهلا، فالمصريون بعد ثلاث سنوات من الثورة، وبعد أن خلعوا رئيسين وأزاحوا نظامين، ليسوا على ما يرام، وبدلا من تمجيد الثورة والفخر بها، فإن قطاعات واسعة حين تنظر إلى حالها، وتتكشف أمامها حقائق جديدة ودوافع متباينة لمن احتشدوا خلفهم في الميادين، يتساءلون عن جدوى ذلك كله، وانعكاسه على أحوالهم المعيشية. يواجه صانع الأمل في هذا المناخ المفعم بالقلق والترقب تحديات كبرى: نخبة مشوشة وقوى مدنية كثيرة الكلام قليلة الفعل، لم تتعلم ولا تنوي أن تتعلم من أخطائها، لم تفهم أن صراخها على الفضائيات وخناقاتها على صفحات الجرائد ليس هو منتهى السياسة، لم تستفد من دروس الانتخابات البرلمانية والرئاسية السابقة، حين أشعلت الفضاء الإعلامي والإلكتروني جدلا وعراكا، وحين حانت لحظة الجد، واحتكم المتنافسون إلى الصناديق، كانت الغلبة لآخرين، عرفوا كيف يخاطبون الشارع ويخطبون ودّه… سيكون على الرئيس القادم، أن يواجه سقف طموحات مرتفعا، تقابله موارد طبيعية وبشرية متواضعة، وهنا بالضبط سر نجاح الرئيس الجديد ومكمن فشله. عدد سكان مصر وصل إلى 94 مليون نسمة، وسنصل إلى 100 مليون خلال ثلاثة أعوام. حصتنا من المياه مع بناء سد النهضة ستنخفض بمقدار 15 مليار متر مكعب، بما يعني وقوعنا في براثن حالة مريعة من الفقر المائي، وما يترتب عليها من تأثير مباشر على الزراعة والكهرباء، وقد يترتب على ما سبق دخول مصر في حرب دفاعا عن حصتها. في مصر أكثر من ثلاثة ملايين طفل شوارع وأكثر من 17 مليون مواطن يعيشون في العشوائيات، 20′ منهم فى القاهرة وحدها…
هذا بعض ما ينتظر الرئيس المقبل وينتظرنا معه، والخلاصة: إما أن نبدأ العمل معا، أو نواصل المكايدة والمكلمة’.