في مهب المفاوضات

حجم الخط
6

النجاح الأكبر الذي حققه الرئيس الفلسطيني هو قدرته على أن يثبت بالملموس استحالة السلام. فأبو مازن الذي لم يخف يوما مواقفه المناهضة لعسكرة الإنتفاضة والمقاومة المسلحة، حقق جميع مطالب الأمريكيين، من التنسيق الأمني الى رفع شعار أن لا بديل من المفاوضات. والحق يقال أن الرجل أظهر ‘شجاعة’ لافتة بلغت حدودا غير مسبوقة في رفضه لمنطق المقاومة، وإبداء كل استعداد لتسهيل تسوية ترعاها الولايات المتحدة، وتكون من ضمن منظومة تقديم أقصى الضمانات الأمنية لإسرائيل، بما فيها نشر وحدات من الناتو في الغور وعلى الحدود.
نجح أبومازن حيث فشلت التسوية، فالرجل كان مقتنعا بمنطق أوسلو، وهو أحد كبار مهندسيه، وهذا المنطق هو منطق متكامل، يبدأ بالتنازل عن 78 بالمئة من فلسطين التاريخية، ويترك حق العودة غائما وعرضة لمفاوضات التعويض، ويرتضي بدولة منزوعة السلاح لا تتمتع بسيادة كاملة. بل إن الرجل وافق على بقاء المستعمرات الإسرائيلية الكبرى في الضفة تحت بند غامض هو تبادل الأراضي. وذهب الى حد التصريح بأنه لا يريد العودة الى صفد، التي يعتبرها أرضا إسرائيلية!
لكن كل هذا لم يفد، فمطالب إسرائيل لا تنتهي، توافق على مطلب فيخترعون مطلبا جديدا، هكذا اخرج نتنياهو من قبعته مطلب الإعتراف بيهودية الدولة، وجاءنا ليبرمان بمطلب تبادل السكان، واستبدلت القدس ببيت حنينا والى آخره… حتى لو وافق الفلسطينيون على يهودية الدولة، وهذا هو الإنتحار بعينه، فان الحكومة الإسرائيلية قادرة على استنباط مطالب جديدة تبقي المفاوضات في دائرتها المقفلة، بحيث لا ينتج من التفاوض سوى المزيد من التفاوض.
فحوى الكلام ان إسرائيل لا تريد استسلام الفلسطينيين، فكلما برزت بارقة سلام تم إجهاضها بمطالب جديدة. أخذوا التنسيق الأمني واخذوا الإعتراف بالمستوطنات وأخذوا كل اراضي ال 48، ولا يزالون يطالبون. هكذا انقلبت الآية، بدل أن يكون الفلسطينيون هم أصحاب المطالب لأنهم واقعون تحت الإحتلال، صار الإسرائيلي هو من يطلب، وعلى الضحية ان تطمئن ذئبا لا يمكن طمأنته، لأنه لا يريد سوى افتراس الحمل.
قلت إن الرئيس الفلسطيني نجح في أن يزيل آخر وهم فلسطيني، وهذا الوهم له اسم محدد هو الإستسلام.
ما تقترحه السلطة على إسرائيل هو استسلام كامل، وشرط الإستسلام هو ان يبقى هناك من يستسلم. اي أن المشروع التفاوضي الفلسطيني هو اقتراح بأن تعترف إسرائيل بكيان فلسطيني رضي بالإستسلام.
وهنا يقع جوهر المسألة.
إسرائيل لا تريد هذا الإستسلام، لأنها تريد تحقيق إبادة سياسية كاملة للفلسطينيين. أي أنها تريد محو الفلسطينيين سياسيا وثقافيا وجغرافيا بشكل كامل. الكلمة الوحيدة المناسبة لوصف المشروع الإسرائيلي هي الإبادة السياسية، أي إلغاء فلسطين كأرض وشعب ومحوها عن الخريطة.
لذا نجح أبو مازن في قمة فشل مشروعه. فالرجل كان مقتنعا بأن العقلانية سوف تنتصر في إسرائيل، وبأن الولايات المتحدة لن تسمح لحليفتها بالإنتحار في نظام أبارتهايد اكتملت ملامحه، وبأن الوعي العقلاني الصهيوني الذي انشأ الدولة العبرية، قادر في النهاية على إنقاذها من حماقاتها.
المشروع الذي تدثر بالعقلانية والبراغماتية في بداياته ليس سوى مشروع جنوني، يشكل الحبة الأخيرة في عنقود حركة الاستيطان الاوروبية في زمن التوسع الاستعماري، التي اندثرت ولم يبق منها سوى إسرائيل كشاهد على وحشية المشروع برمته.
ما معنى ان يكون الإستسلام ممنوعا؟
انه يعني بكل بساطة ان على السلطة ان تختار بين احد مصيرين:
اما تلحيدها، نسبة الى الجنرال العميل انطوان لحد الذي اقامت له إسرائيل دولة لبنان الجنوبي، التي لم تكن سوى اداة للإحتلال.
واما تحطيمها بطرق شتى، من نموذج حصار عرفات الى التهديد بالعقوبات الى تأبيد الانقسامات الداخلية وتفريخها من جديد.
هل نستطيع ان نقول الآن ان اللعبة انتهت؟
من المنطقي ان تكون قد انتهت، لكن من قال ان المنطق له الكلمة الفصل في هذا المسلسل الإسرائيلي الذي لا ينتهي؟
هنا يجب التوقف مليا امام الرهان على السياسة الأمريكية، فالرئيس اوباما الذي ملأ الدنيا وعوداً، يجد نفسه اسير إسرائيل بشكل كامل. من اقتراح صفقة بولارد الى المحاولة المستميتة لتمديد المفاوضات من اجل الوصول الى اطار وليس الى نتيجة.
في فلسطين كما في كل مكان يثبت ان الإتكال على الأمريكيين لا يقود الا الى الخراب. فما لا يعرفه الحكام العرب هو ان قواعد اللعبة الأمريكية مختلفة عن قواعد الاستعمار القديم، وان الولايات المتحدة لا اصدقاء لها سوى مصالحها، ولا تفهم سوى لغة ميزان القوى الفعلي.
الإسرائيليون اقوياء واللوبي الصهيوني فاعل، اذا يمكن ابتلاع جميع اهانات وزير الدفاع الإسرائيلي لوزير الخارجية الأمريكي، وبدل الضغط على إسرائيل الذي لا فائدة منه يتم الضغط على الفلسطينيين.
كي تكمل السلطة نجاحها الحالي في اثبات فشل الإستسلام، عليها ان تقول للأمريكيين ان الضغط عليها لم يعد يجدي. فقد اعطت كل شيء ولم تعد تملك شيئا تتنازل عنه، وانها لم تعد على استعداد للعب دور الحارس الأمني لوقاحات الإحتلال.
مرة جديدة على الحكاية الفلسطينية ان تبدأ، وطريق البداية بسيط وواضح، اقرأوا مقابلتي مروان البرغوثي واحمد سعادات في ‘مجلة الدراسات الفلسطينية’، وستجدون ان من لم يضيّع البوصلة في السجن يملك رؤية مقاوِمة كي لا يضيع الوطن وتضيع القضية.
والحكاية تبدأ حين يعود الشعب سيد اللعبة، ويعاد تأسيس الحركة الوطنية الفلسطينية من قلب حركة المقاومة، وينتهي زمن الوهم بأن هناك امكانية للسلام مع دولة كولونيالية عنصرية مسكونة بالرعب ولا تنشر حولها سوى الرعب.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية