تحية تقدير لرجل جدير بالتقدير
د. محي الدين عميمورتحية تقدير لرجل جدير بالتقدير وقفة الرجولة والوطنية والحكمة التي وقفها الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل أمام باب المستشفي الذي سُجي فيه جثمان ابنه الذي ما زال دافئا هي وقفة جديرة بالتقدير والاحترام، فالرجل الذي فجع في ابن شاب لعله كان يمثل بالنسبة له استمرارية اسم بيار الجميل علي مسرح السياسة اللبنانية لم يندفع في توزيع الاتهامات يمينا ويسارا كما فعل مراهقو السياسة لأنه أدرك ببصيرة السياسي الواعي أن الأمر لا يتعلق به أو بابنه ولكن بلبنان كله، موالاة ومعارضة مسلمين ومسيحيين سنة وشيعة ودروزا.والنظرة المتأنية لعملية الاغتيال تثبت أن الذين يخططون للأحداث في لبنان هم من كبار المحترفين الذين تضمهم مخابر عريقة في التآمر، خبيرة في خلط الأوراق، قادرة علي أن تضرب من تريد ومتي تريد وحيثما تريد، وعلي تحقيق الأهداف المحددة لعملياتها، وهي غالبا أهداف غير مباشرة تستعين بالخبرة الاسرائيلية التاريخية في استعداء العالم كله علي خصومها حتي ولو تطلب الأمر تضحية ببعض أنصارها أو المستفيدين من مخططاتها.واغتيال الشيخ بيار الجميل الصغير يأتي في الأسبوع الذي تلي تصويت الجمعية العامة المتحدة ضد الجرائم الاسرائيلية، وبعد الاعترافات التي صدرت عن عسكريين اسرائيليين باستعمال قنابل محرمة دوليا في الهجوم علي لبنان، وهكذا يمكن للحدث الجلل أن يكون جزءا من عملية التعتيم علي المواقف المُجرّمة للكيان الصهيوني.ويأتي الاغتيال في نفس اليوم الذي التقي فيه مجلس الأمن لبحث الاجراءات المتعلقة بالمحكمة الدولية المقترحة لدراسة جريمة اغتيال رفيق الحريري، وهو اللقاء الذي ارتبط بحجم من الشد والجذب حول شرعية رسالة رئيس الحكومة اللبناني فؤاد السنيورة الي المجلس، رغم أن كل الأطراف اللبنانية متفقة علي الخطوط الرئيسية لعملية التحقيق حول اغتيال رئيس الحكومة الأسبق، لكن سقوط الشيخ بيار يُعجل باتخاذ مجلس الأمن قرارا يسير تماما في الخط الذي يريده بولتون، الذي لم يضع الفرصة للتنديد، كالعادة، بالموقف السوري، وتبعه الموقف الفرنسي بحكم علاقات عائلية وسياسية معروفة.ويتم الاغتيال في الأسبوع الذي تبلور فيه الاتجاه نحو قيام قوي المعارضة بمظاهرة سلمية للمطالبة بحكومة وحدة وطنية أو باجراء انتخابات نيابية مسبقة، وذلك بعد الخطاب القوي الذي ألقاه الشيخ حسن نصر الله وأكد فيه الالتزام الكامل بالطائف وبقبول المحكمة الدولية، وهو ما جعل تيار حزب الله وأمل في أقرب المواقع الي الشرعية السياسية.ويجري الاغتيال في مرحلة تحاول فيها قوي كثيرة شق الشارع المسيحي ودفع الجنرال عون الي وضعية عزلة تفرض عليه تركيز جهوده علي الدفاع عن نفسه وتبعده بالتالي عن حلفاء طبيعيين لعلهم يعانون بعض معاناته.غير أن هناك حدثا بالغ الأهمية اقترن بالعملية كلها وهو الاتفاق السوري ـ العراقي الذي يعني أساسا خروج سورية نسبيا من وضعية الحجر الصحي الذي فرض عليها منذ سنوات، وهو بالطبع ما يثير ثائرة اسرائيل وكل المتعاطفين معها في المنطقة وفي الجزء الآخر من العالم.وعندما نلقي نظرة علي الساحة السياسية اللبنانية صبيحة الاغتيال نجد أن ما يُسمي قوي الرابع عشر من آذار قد تمكنت من الامساك بزمام المبادرة في الشارع اللبناني الذي يعيش وضعية صباح المأتم، حيث كثيرون ليسوا علي استعداد لطرح التساؤلات حول المستفيد من الجريمة وبالتالي حول أقرب الناس لارتكابها، رغم أن قرار الاغتيال تبدو عليه البصمات الاسرائيلية الأمريكية، وهو ما يفسر الحرج الكبير الذي بدا علي وليد جنبلاط، وهو رجل بالغ الذكاء، وهو يُعلن موقفه، باختلاف مع موقف الدكتور سمير جعجع، المتهم الرئيسي في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق عبد الحميد كرامي، والذي استعرض كل من جري اغتيالهم ولكنه تناسي اسم كرامي، وبالطبع بتناقض مع موقف السياسي الشاب سعد الحريري الذي كان واضحا أنه فقد اتزانه بمجرد سماعه بالنبأ.وكل ذلك يُفسر تركيز كل الأصوات المناوئة للمقاومة اللبنانية علي طرح الأمر كصراع حول قبول المحكمة الدولية أو رفضها، وهو صراع وهمي، ولكن من الذي يستطيع أن يناقش أمرا كهذا في جنازة سياسي شاب، من المؤكد أن فقده أصاب كل الشباب باحباط كبير.وهنا يتضح أن من أهم التداعيات المطلوبة لعملية الاغتيال، التي دبرت باحكام شديد تميز ببساطة التنفيذ وسرعته وهو أمر له أهميته، محاصرة الاتجاه الذي بدأ يبرز في الولايات المتحدة وبريطانيا حول أهمية فتح الباب أمام سورية ومواصلة الحوار مع ايران، وهو ما يري المستفيدون من عملية الاغتيال أنه يجهض انفراد اما يُسمي بالأغلبية بمقاليد القرار علي الساحة اللبنانية. لهذه الأسباب وهناك غيرها أنحني تقديرا أمام الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل الذي اتخذ، رغم آلامه وأحزانه، موقفا وطنيا سيسجله له تاريخ المنطقة، ودعا الي الهدوء والسكينة رغم الصدمة الهائلة التي تلقاها.وليت بعض الذين تصاعدت أصواتهم بالتحريض يتذكرون الفتنة التي عاني منها لبنان نحو 17 عاما، ليدركوا ان اشعال النار أمر بالغ السهولة لكن اطفاءها ليس كذلك علي الاطلاق. ہ وزير سابق وكاتب من الجزائر8