محمود قرني
القاهرة ـ “القدس العربي” بعد أكثر من ثلاثين عاما من القطيعة والمغادرة عاد اتحاد الكتاب العرب الي دولة المقر في مصر، بعد حصول الكاتب محمد سلماوي علي منصب الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب وانتزاعه من بين يدي السوري علي عقلة عرسان، في الانتخابات التي جرت في اليوم التالي لافتتاح المؤتمر الموسع الذي يقيمه الاتحاد في القاهرة علي مدار سبعة أيام.
وكان سلماوي قد أعلن عدم ترشحه للمنصب في حال دخول أي من الدول الأعضاء في المنافسة، وقال ان الأجدي بمصر أن تحصل علي المنصب بالتزكية.
وتأتي هذه الخطوة تعزيزا لدور محمد سلماوي كرئيس لاتحاد كتاب مصر، لا سيما وأنه كان أحد الأيدي التي شاركت في نقل الاتحاد من وضعية شديدة الركود الي مجالات أكثر حركية واشتباكا مع الواقع، وقد نجح في الحصول علي تمويل واسع من وزارة الثقافة وأنشأ عدة مسابقات أدبية تنشد نوعا من الدقة والرصانة لم تصل اليهما بعد، وأصدر مجلة فخمة باسم الاتحاد تحت عنوان ضاد كذلك أقام عددا من المؤتمرات الناجحة باسم الاتحاد.
وقد استقبلت قاعة الرؤساء والملوك بجامعة الدول العربية وقائع افتتاح الدورة الثالثة والعشرين لاتحاد الكتاب والأدباء العرب، في أول انعقاد له في القاهرة بعد قطيعة دامت أكثر من ربع قرن، وذلك وسط حشد كبير من الكتاب والأدباء المصريين والعرب وحضور رسمي كان علي رأسه السيد عمرو موسي أمين عام الجامعة العربية والدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء المصري الذي ألقي كلمته نيابة عن رئيس الجمهورية حسني مبارك.
يترأس المؤتمر الكاتب محمد سلماوي رئيس اتحاد كتاب مصر، ومن المقرر أن يستمر المؤتمر سبعة أيام ابتداء من الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري الي السابع والعشرين منه وسوف تقام الجلسة الختامية كذلك بذات القاعة الرئيسية بجامعة الدول العربية، في حين تقام جلسات المؤتمر في مقر اتحاد الكتاب بالزمالك، وسوف يشهد المؤتمر عددا من الأمسيات الشعرية في عدد من أقاليم مصر، مثل الأقصر، ومكتبة الاسكندرية، والغردقة، وشرم الشيخ، والمنصورة.
وسوف تدور محاور المؤتمر، الذي تم تكريس الجزء الأول منه للاحتفال بالكاتب الراحل نجيب محفوظ، حول الأعمال التاريخية للراحل ومدي وقوعه في التأريخ في أعماله الأولي، وكذلك يناقش المؤتمر أعمال محفوظ في حقبة الواقعية ثم التجريبية والملحمية، ثم الرؤية السياسية في أدبه، كما يناقش انجاز محفوظ ومدي تأثيره علي الرواية العربية وكذلك امتداداته خارج الأدب العربي. كذلك يشهد المؤتمر مائدة مستديرة عن التجريب الشعري المعاصر في الوطن العربي ويتفرع الموضوع الي اتجاهات جديدة في القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر وكذلك صورة القصيدة العربية في مشهد الشعر العالمي المعاصر، أيضا يقدم المؤتمر مائدة مستديرة عن هوية الطفل العربي في عصر العولمة، تدور محاورها حول الاتجاهات المنسية في الكتابة عن الطفل، وصورة الواقع المعاصر في الكتابة للطفل وتحديات المستقبل، وكذلك ترجمة كتب الأطفال وحوار الثقافات والتراث العربي وأسلوب تقديمه للطفل المعاصر.
وقد شهد حفل الافتتاح الموسع كلمات لعدد من الرموز السياسية والثقافية بدأت بكلمة عمرو موسي الذي أكد أن العالم العربي يمر بمرحلة خطيرة في لحظة تحد كبيرة وغير مسبوقة، وقال: ان التحدي المطروح علينا في هذه اللحظة هو أن نكون أو لا نكون، فنحن نواجه اتهاما بأن ثقافتنا توقفت عن النمو، وأن انجازنا تضاءل حتي كدنا ننسحب من الصراع، وأضاف: ان هذا المؤتمر يمثل ردا أصيلا حين نحتفل بنجيب محفوظ الذي سجل اسهاما ملحوظا في أدبنا العربي، ونحن نجتمع اليوم تحت اسم رائد الرواية العربية صاحب الأعمال التي اهتمت ببسطاء الوطن وحاراته وأزقته، وحملها الي العالم لتكون جوهرة من جواهر الأدب العالمي.
وأشار موسي الي أن المؤتمر لا يشكل فقط مجرد اقتراح بوفاء خاص لنجيب محفوظ وانما يحمل رسالة الي العالم، وهي أن الجامعة تعترف بقيمة الرسالة السامية التي تبدعها عقولكم وتسطرها أعمالكم، ان هذا الطريق هو الذي يعيد الي الأمة قيمتها.
وأضاف موسي في كلمته أنه منذ عدد غير قليل من السنوات ونحن كأمة نواجه أزمة ثقافية وتاريخية وسياسية، والسؤال المطروح علينا هو: هل العالم في القرن الحادي والعشرين سيخضع لحضارة واحدة وتكون نهاية التاريخ؟ ويجيب عمرو موسي: ان العرب مصممون علي أن يدخلوا المستقبل، ومن ثم فان الاصلاح لا بد أن يشكل أجندة العمل الوطني والقومي، حتي تنعقد لنا القدرة علي الاستمرار.
كذلك ألقي الدكتور أحمد نظيف كلمة الرئيس المصري التي قال فيها: يمثل هذا المؤتمر الدوري محفلا للحوار، وفرصة للسجال بين المفكرين والكتاب. ان المؤتمر يأتي في مرحلة بالغة الأهمية، فالأمة تواجه تحديات ومخاطر متجددة وأزمات متتالية يبدو معها عالمنا العربي في مفترق طرق، وأضاف نظيف: ان ما يحدث من ربط العروبة والاسلام بالتطرف هو أحد تلك النتائج، وذلك الأمر يحركه شعور بالكراهية لثقافتنا، في الوقت الذي تتطلع فيه الشعوب الي الصعود رغم الضغوط المتوالية وسط عالم لا نستطيع الانعزال عنه، وها هم أهلنا يواجهون حصارا في العراق وفلسطين والسودان والخليج في محاولة لفرض جغرافيا جديدة، وهو ما يناهض تطلعنا المشروع للسلام والتنمية، والثقافة والفكر والابداع في قلب كل ذلك، وعلينا أن نسلم بأن مستقبل الأمة يرتبط بتوحيد رؤاها وبناء المجتمعات العصرية، والانفتاح علي العالم وتحقيق اللقاء بين الأصالة والمعاصرة.
وأضاف الدكتور أحمد نظيف الذي تحدث باسم رئيس الجمهورية: لقد ساهم الفكر العربي في المساهمة بالارتقاء بالحضارة الانسانية والكتاب والمفكرون هم ضمير الأمة ونبضها وفيهم تتحقق القوة الفاعلة. واختتم نظيف كلمة الرئيس بالقول: انكم تتحملون المسؤولية الكبري أمام شعوبنا، فبكتاباتكم تترسخ الهوية العربية، لنثبت للعالم أننا أمة عريقة ومجتمعات عصرية تنشر الخير علي الجميع.
أما الكاتب محمد سلماوي رئيس اتحاد كتاب مصر فقال في كلمته: ان المؤتمر بانعقاده لأول مرة في مصر منذ ما يزيد علي الربع قرن يأتي كاعادة اعتبار لدور مصر العربية مهما أخذت الرياح السفينة، ولقد جاء اختيار يوم الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) لافتتاح المؤتمر واعتباره عيدا للكتاب تأكيدا علي صدقية الدعوة التي طالب بها الكاتب الراحل نجيب محفوظ في كلمته لمؤتمرنا السابق بأن يكون هذا اليوم عيدا للكاتب، وها نحن نحتفل بمحفوظ في اليوم الذي اختاره يوما للكاتب، وأضاف سلماوي: ان دور الكاتب هو التأكيد علي قيمة الوحدة العربية، وقد كان محفوظ يري أن الوحدة السياسية العربية من المحال أما الوحدة الثقافية فقائمة بالفعل، فان ما يكتب في مصر يمس وجدان المغربي، وما يكتب في السودان يمس وجدان الكويتي وهكذا، ومن أجل ذلك لا بد أن نؤمن للكاتب في كل الاتحادات الحرية الكاملة دون تدخل من السلطة السياسية أو الدينية، وأضاف أن مصر قطعت شوطا طويلا في مجال حرية الكاتب، وقد تحققت في الفترة الماضية درجة واسعة من الحرية الصحافية التي وصلت أحيانا الي حد التجاوز، لقد طالبنا ولا نزال بمناخ واسع للحرية، وعلي اتحاد الكتاب العرب أن يدفع بكل قوة في طريق اكتساب هذه الحرية، كما أعلن سلماوي في كلمته مناهضة الاتحاد في كل الأقطار العربية لكل قمع واستبداد، وقال: ان الكاتب العربي هو التجسيد الحي لثقافة المقاومة، ولقد ظل الكتاب هم المرجع الدائم لكل ما هو أصيل في حضارتنا، التي كانت في لحظة من لحظاتها الأكثر انفتاحا علي العالم.
وأضاف سلماوي أن الاتحاد يقف الي جانب النضال الباسل والاسطوري للشعب الفلسطيني الشقيق وأن الاتحاد يعلن تأييدا غير مشروط لكل حركات المقاومة الشريفة في وطننا العربي، وأعلن سلماوي دعم الاتحاد ـ بكل قوة ـ لحق الشعب العراقي في الحصول علي مقدراته، وكذلك مع حق لبنان وسورية في الدفاع المشروع عن حقيهما في تحرير مزارع شبعا والجولان المحتلة.
وأضاف رئيس اتحاد كتاب مصر أن عددا من اتحادات الكتاب في العالم استجاب لدعوتنا بالتضامن ضد الانتهاكات الاسرائيلية للحق الفلسطيني واللبناني والسوري مثل اتحاد كتاب ايطاليا وفرنسا وروسيا، اننا نفتح طاقات للتعاون مع كافة الاتحادات في العالم لازالة الكثير من مثل هذه الالتباسات.
واختتم سلماوي كلمته بالقول: اننا نتمسك بشدة بعدم استمرار أمين عام اتحاد الكتاب العرب في موقعه الا لمرة واحدة وتجدد لمرة أخري بحيث يكون أقصي ما يمكنه البقاء في منصبه مدتين فقط، فالوطن العربي يطمح الي التطلع للمستقبل ودعم قدرته للتماس مع العصر وتأكيد وحدة الثقافة واللغة والوجدان.
تحدث أيضا رئيس اتحاد الكتاب بالجمهورية الروسية مؤكدا علي جانب كبير من التعاون بين الاتحاد الروسي وكثير من الاتحادات العربية مثل سورية والأردن واليمن، وأشار الي درجة التواصل الواسعة والاستفادة المتبادلة بين الأدبين العربي والروسي، وأشاد بالترجمة الواسعة للأدب الروسي الي العربية، لا سيما تلك الترجمات المهمة التي قدمها أبو بكر يوسف من الروسية الي العربية، وأشار الي موقف اتحاد كتاب روسيا الداعم ـ علي طول الخط ـ لنضال الشعب الفلسطيني وكذلك دعم حقه الكامل في اقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.
كما أشار الي الاحتفالات المتعددة التي قدمها الاتحاد الروسي لأسماء مهمة علي المستوي العربي مثل التكريم الروسي الذي لقيه لذكري أبي الطيب المتنبي، وكذلك الراحل عبدالرحمن الخميس، والدكتورة فاطمة موسي، والدكتور جابر عصفور، والدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب.
وأضاف رئيس الاتحاد الروسي: ان شعورنا بحماية الثقافة الوطنية أمر ضروري وحتمي ومهم، ونحن لا زلنا نعتز ونحتفي بالأدب الكلاسيكي الذي أنتجته قرائح البشرية في كل مكان لفوكنر، وبلزاك، وجويس، والخيام، وديستويفسكي، ونتذكر تاريخ الفنون في العالم بالكثير من التبجيل والتقدير.
وفي ختام كلمته نعي رئيس اتحاد كتاب روسيا غياب نجيب حيث قال: ان نور هذا الرجل يشع بعيدا بعيدا، ورغم رحيله فانه لا زال يقف الي جانبنا في العالم وفي الأدب الانساني.
كذلك تحدث الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب ورئيس الاتحاد السوري الدكتور علي عقلة عرسان، غير أن كلمته نحت منحي سياسيا وانصبت علي الهجوم علي الولايات المتحدة واسرائيل، وهو موقف وان نال تأييد الكثيرين، لا سيما وأن عددا هائلا من الكتاب العرب يقفون الي جوار الحق السوري، الا أن أسئلة عالقة يثيرها وجود عرسان نفسه لأكثر من ربع قرن أمينا عاما للاتحاد، وهو رجل علي ما نعلم لم يدافع مرة واحدة عن الاستبداد والقمع الرهيبين اللذين يتعرض لهما المثقف السوري في طول البلاد وعرضها، وكذلك يبدو أن غوغائية مثل هذا الخطاب ذات الصوت العالي تهدف عادة الي اقصاء القضايا الجوهرية، فكما يندد عرسان باستبداد وقمع بوش وسجونه في العراق وغيرها ونحن نؤيده بالطبع، الا أنه مطالب ـ اذا كان صادقا حقا ـ أن يصرخ بنفس الدرجة في وجه نظامه القمعي وهو يعسف بلا رحمة بكبار وصغار المثقفين والمبدعين السوريين، وليقل لنا عرسان ما الذي فعله الاتحاد مثلا حيال اعتقال عبدالحكيم أبو جاموس، أو ميشيل كيلو وغيرهما العشرات، والي أي مدي سوف يستمر نظام محاصر وأحوج ما يكون الي شرعية يحصل عليها من الشعب، يندرج في هذه المدارج الوحشية والتسلطية، لكل ذلك بدا كلام علي عقلة عرسان نتوءا وتناقضا لا يختلف بحال عن التناقضات الرهيبة التي تتبدي عليها أنظمتنا العربية، ومن المفارقات أن تكون كل الكلمات الرسمية التي ألقيت في حفل الافتتاح سواء كلمة الرئيس المصري حسني مبارك أو كلمة أمين عام الجامعة العربية تبدي اعتزازا بالغا بدور الكاتب العربي في اعادة الاعتبار للحضارة العربية في لحظة فارقة، في وقت ما زالت فيه أكثر الدول العربية ترفض الترخيص باقامة اتحاد لكتابه يكون له الشكل القانوني، وفي لحظة تتعرض فيها حرية الفكر علي امتداد الأمة ومن محيطها الي خليجها لعسف غير مسبوق، وبالاجمال فان كل هذه الأنظمة ـ علي التقريب ـ لم يعنها في لحظة الاعلاء من شأن الكاتب، ولا يبدو ذلك أملا قادما في الأفق، فأزمات أمتنا في أيدي الجيوش وأجهزة الأمن بملوكها وأمرائها وحكامها وأبنائهم وزوجاتهم، وانه لمن المحزن حقا أن يشارك الكتاب في زفاف مزور من هذا النوع، فالكتاب ليسوا في حاجة الي هذه الأماكن اللامعة والبراقة لافتتاح مؤتمراتهم، كما أنهم ليسوا في حاجة الي كلمات افتتاح من الرؤساء والملوك، بقدر ما هم في حاجة الي تحقيق درجة من القطيعة مع حكام يسترسلون وينعمون بقمع الشعوب وافقارها واذلالها، ولم يكن في لحظة ـ للكاتب الحق ـ أن يشارك في مثل ذلك الهزل الذي يُعد تكريسا للخطاب السلطوي الاستبدادي ومن ثم تبريره في أعين الشعوب وجعله مستساغا ومألوفا. هذا وقد اختتم الجزء الأول من المؤتمر أيامه مساء الخميس باعلان أسماء الفائزين بجوائز اتحاد الكتاب، ثم انطلق مساء الجمعة مهرجان الشعر المصاحب للمؤتمر واستضاف في دورته عددا من الشعراء العرب بينهم الفلسطيني سميح القاسم الذي سوف يكون بين الأسماء التي يكرمها المهرجان في ختامه.