رحلة لاستعادة الاندلس المفقود ودعوة لاسبانيا لتنظيم الحج !
توفيق رباحيرحلة لاستعادة الاندلس المفقود ودعوة لاسبانيا لتنظيم الحج !احد ابرز قادة الثورة الجزائرية اسمه احمد (علي) مهساس. عُرف بجرأته في القول والفعل. لهذا عاش علي هامش الحياة العامة والسياسية بعد استقلال البلاد، وفي 1989 انشأ حزبا سياسيا. استضافه التلفزيون الجزائري في 1990 ضمن برنامج حواري مباشر فسأله المذيع مراد شبين عن رأيه في الازمة والحلول التي يقترحها، وكان هذا السؤال جاهزا يُطرح علي كل ضيوف برنامج في لقاء الصحافة فيمضي الضيف في كلام عن حلول بعضها رغي وهذيان.بينما كان الضيوف الاخرون يتفلسفون وينظّرون في السياسية والاقتصاد وكل شيء، قال مهساس بعفوية وبدون تردد: آخويا اللي دارها بيديه يحلها باسنانه.. انا ما عندي ما دخلني .لو كان الذين اضاعوا الاندلس علي قيد الحياة لحقّ للاخرين محاسبتهم علي تضييعها ووجبت مطالبتهم باستعادتها. دعكم من اي كلام اخر: اذا كان هناك من جنة مفقودة او ضائعة، فهي الاندلس. واسوأ ما فيها انها ضائعة مرتين. واحدة هي الضياع الحقيقي قبل اكثر من 500 عام، والثانية من خلال الاهمال والتجاهل الان. وبما انها في ايدي اخرين والوصول اليها بالنسبة لورثة (اصحابها) المطرودين منها من اصعب ما يكون بسبب مشاكل الفيزا والاقامات ومشاق وتكاليف السفر، كان يجب ان تعمل الصورة علي نقل الجنة الي بيوت هؤلاء المساكين. واقصد هنا القنوات التلفزية. يجب التنويه الي ان الجنة من السحر بحيث لا تنفع معها صور تلفزيونية، بل يجب ان تُري وتُزار. رغم ذلك، قصّر اصحاب الصناعة التلفزيونية بحق هذه الجنة وبحق الناس الذين يجهلونها ويقع عليهم واجب معرفتها.انظروا الي هذا الكم الهائل من القنوات التلفزية الفضائية والارضية من حولكم، ثم حاولوا ان تتذكروا كم برنامجا او تحقيقا عن الاندلس شاهدتم في السنوات ـ لنقل ـ الثلاث الاخيرة.اعرف ان اطنانا من الوثائق كُتبت عن الاندلس بكثير من اللغات بينها العربية، وان هذه الاعمال، خصوصا التي بالعربية، ظلت ترفا فكريا وثقافيا حكرا علي فئات بعينها. لكن لا اذكر ان عدد الاعمال الجادة التي عرضتها تلفزيونات عربية عن الجنة الضائعة تجاوز اصابع اليد الواحدة. ولا اذكر ان القليل من هذه الاعمال التي امكن مشاهدتها كانت من انتاج او من وجهة نظر المطرودين من تلك الجنة او ورثتهم. ولا اتوقع ان قناة عربية كبري واسعة الانتشار كانت ستتنازل وتبث عملا ينتجه عربي او مسلم يعيش بارض عربية او مسلمة (هذا جزء من عقدة نفسية نعانيها جميعا فلا نرضي الا بما يرد من الاخر. نعم الانتاج قليل اشبه بالمقررات المدرسية، لكن هذا القليل تلاحقه لعنة).احدث هذه الاعمال بثته قناة الجزيرة قبل نحو شهرين، كان عبارة عن شريط وثائقي من انتاج الصحافي البريطاني، الصومالي الاصل، راجي عمر. كان عملا جيدا انجزه صاحبه علي طريقة التحقيقات التلفزيونية الانكليزية. لكن لا اعرف هل كانت القناة ستشتري العمل وتبثه لو كان عربيا خالصا وغير مترجم من اللغة الانكليزية. والله اعلم هل سنعيش ما يكفي لنري عملا اخر ينافسه او يكمله.ہہہعندما تتجوّل في بر تلك الجغرافيا تتأكد يقينا ان النار تخلف الرماد حقا. ودليلك ان اجيالا صنعت تلك الروائع في ذلك الزمن، واجيالا اخري عجزت في هذا الزمن عن ـ مجرد ـ ان تراها وتسمع عنها.هناك في غرناطة، باحدي ساحات قصر الحمراء، سألت الصديق حسين مجدوبي عن سبب التقاعس عن تعميم المعرفة حول هذه المدينة التي تشبه متحفا مفتوحا ومنطقة الاندلس ككل. قال مشكلة العرب انهم لا يرون أبعد من مصر شرقا رغم ان الاندلس تراث انساني . وهو ايضا من انصار ان تاريخ المنطقة يجب ان يُكتب ويُصوّر بـ روح وعين عربيتين . الاندلس حاضرة في حياتنا اليومية. مثل فلسطين والعراق، وإن بشكل مختلف. فقد لا يمر يوم واحد في حياة احدنا دون ان يسمع الكلمة هنا او هناك، في هذا السياق او ذاك. لكن، بينما نكاد نحفظ جغرافيا العراق والضفة الغربية وقطاع غزة عن ظهر قلب، لا نكاد نفرّق بين غرناطة وقرطبة.لم تعد الاندلس جسرا (سابقا) بين ثقافتين وحضارتين. هي الان اكثر من ذلك. صحيح هي البر الاول الذي يصله الوافدون من عوالم البؤس والحروب والسجون بحثا عن حياة اقل مرارة وشقاء. هؤلاء الذي ننشر عنهم يوميا في الصحف ونقرأ اخبارهم في شرائط الاخبار المتسارعة علي مدار الساعات في اسفل الشاشات.لكن الاصح انها ايضا موطن نحو ثمانية الاف مغربي بينهم حوالي 1500 طالب في الجامعات (اغلبهم تخصص صيدلة وطب وترجمة) وقرابة مئتي باحث دكتوراه. هؤلاء هم الذين يخشي اليمين الاسباني ان يستعيدوا المدينة (كأنه يدرك مسبقا انهم لن يعودوا الي بلادهم)، بينما هناك من يتواضع بالاعتقاد ان الاندلس، وخصوصا غرناطة، تستعيد من خلالهم ماضيها وروحها. والاصح (مرة اخري) انها ملتقي تتقارع فيه الحضارتان ـ حتي لا اقول تتصارعان. فالوصول المتسارع للمغاربة والمغاربيين يقابله اصرار من المنطقة علي البقاء علي ما هي فيه. ربما تجسد هذا الاصرار في احتفالات صاخبة تقيمها غرناطة احياء لسقوطها من المسلمين في الثاني من كانون الثاني (يناير) من كل سنة. وتجسده عبارة العرب في الشاطئ المستعملة من ذلك الزمن الي اليوم كناية علي انهم عادوا او سيعودون او يرغبون في العودة. لكن مَن في الشاطئ اليوم ليسوا العرب وحدهم، بل افارقة وامازيغ وحتي اسيويون، وسائط نقلهم قوارب خشبية او مطاطية مهترئة احدها يصل وعشرة تسلّم ركابها بسهولة لحوت مياه مضيق جبل طارق ومياه المحيط الاطلسي. الاندلس حاضرة في حياتنا اليومية. مثل فلسطين والعراق، وان بشكل مختلف. فقد لا يمر يوم واحد في حياة احدنا دون ان يسمع الكلمة هنا او هناك، في هذا السياق او ذاك. لكن، بينما نكاد نحفظ جغرافيا العراق والضفة الغربية وقطاع غزة عن ظهر قلب، لا نكاد نفرّق بين غرناطة وقرطبة.بعد زيارة قصيرة، بتّ اؤمن بان اسبانيا تتحمل مسؤولية ازاء المسلمين وعلاقتهم بالمعالم الاسلامية في الاندلس تقترب من تلك التي تتحملها السعودية ازاء المسلمين وعلاقتهم بالحرمين الشريفين. واقتنعت ان اقل واجبات الدولة الاسبانية ان تسهّل علي المسلمين الراغبين في زيارة تلك المواقع. لعلهم عندما يشاهدونها تستقيظ نخوتهم الميتة.يروي الاديب السوري الراحل عبد السلام العجيلي (1918 ـ 2006) ان الناقد المصري الراحل لويس عوض (1915 ـ 1990) ظل يتمسخر علي المثقفين الشوام الذين يذهبون الي الاندلس فيعودون مفتونين بها يبكون ضياعها، الي ان زارها ورأي بأم عينيه فقرر التوقف عن الاستهزاء.اذا كنت بصدد قراءة هذا المقال وانتابك نفس رد فعل الراحل لويس عوض، انصحك بالزيارة الي هناك.كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]