هل الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط فاشلة فعلا؟!

حجم الخط
0

هل الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط فاشلة فعلا؟!

د. ابراهيم ابراشهل الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط فاشلة فعلا؟! ما ان يسقط جندي امريكي قتيلا في العراق او افغانستان او تخرج مظاهرة منددة بالسياسة الامريكية في المنطقة او يصدر كتاب او مقال او تصريح ينتقد هذه السياسية الخ، حتي ترتفع الاصوات من مثقفين وسياسيين عبر الصحافة و الفضائيات العربية تبشر بالهزيمة او بفشل الاستراتيجية الامريكية. لا يقتصر الامر علي مثقفي وسياسيي المعارضة التقليدية للسياسة الامريكية من القوميين والثوريين واليساريين والاسلاميين الجهاديين، بل تنبري فضائيات دول التحالف الامريكي ضد العراق والارهاب لتغرد مع هذه الجوقة وتبشر بقرب الهزيمة الساحقة والماحقة لامريكا في المنطقة!فهل الاستراتيجية الامريكية في المنطقة العربية فاشلة بالفعل؟ وان كانت فاشلة او تسير نحو الهزيمة فما هي المؤشرات والوقاتع الدالة علي ذلك؟ وكيف يقاس النصر او الهزيمة؟ وان كانت منهزمة فمن هو المنتصر؟ واكثر من سؤال يفرض نفسه في ظل هذا الالتباس في مفهومي النصر والهزيمة. لا شك بتعارض الاستراتيجية الامريكية مع مصالح وتطلعات الشعوب العربية وحقوقها المشروعة، ولا شك ايضا بشرعية مقاومة الاحتلال سواء في العراق او فلسطين او افغانستان، ولا محاجة بان القوات الامريكية وحلفاءها يتكبدون خسائر خصوصا علي يد المقاومة في العراق، كل ذلك يبرر ان يقوم سياسيون ومثقفون بمواصلة التاكيد علي هذه الحقائق لرفع معنويات الشعوب وتحريضها ضد الاحتلال، حتي وان كان هناك شيء من المبالغة، فهذا لا يضير ما دام ينطلق من حسن النية وخصوصا ان كان صادرا ممن عهدنا منهم صلابة الموقف والثبات علي المبدأ في معاداة السياسة الامريكية، الا ان كل ذلك لا يبرر الحديث عن هزيمة امريكا او فشل استراتيجيتها في المنطقة خصوصا ان كان الحديث صادرا عن اقلام وفضائيات معروفة خلفياتها السياسية والايديولوجية والوظيفية. حتي نتعرف علي حقيقة الهزيمة الامريكية المزعومة من جانب والنصر في الجانب المقابل يستحسن استحضار اهداف الاستراتيجية الامريكية في المنطقة، ما تحقق منها وما لم يتحقق، ونقارن ايضا الوضع العربي قبل 1990 والوضع العربي الحالي لنري الي اين تسير الامور. النصر او الهزيمة ليسا تشوقات واماني او كلمات تدبج بل معطيات وحقائق علي الارض تقاس ماديا بمصالح تُحقق او يؤَسَس لها دون اهمال الجانب المعنوي بطبيعة الحال، النصر يرتبط بالقدرة علي تحقيق الاهداف المرصودة مسبقا او منع الخصم من تحقيق اهدافه والهزيمة يعبر عنها بالحاق الهزيمة بالخصم او الحيلولة دون تحقيقه لاهدافه، وبطبيعة الحال هناك منطقة رمادية بين الحالتين. وفي سياق بحثنا نحن نتحدث عن معركة بين مشروعين: المشروع الامريكي الامبريالي وضمنه المشروع الصهيوني، والمشروع الثاني هو المشروع التحرري العربي والاسلامي بتعبيراته المقاومة سواء في العراق او فلسطين او علي مستوي قوي الممانعة الشعبية. منذ اكثر من خمسة عقود لم تتغير الاهداف وبالتالي الاستراتيجية الامريكية في المنطقة العربية او الشرق الاوسطية، الا قليلا ـ احلال الخطر الاخضر محل الخطر الاحمر ـ وهذه الاهداف المسطرة في عديد من تقارير مراكز الدراسات والوثائق الرسمية وما لا يخفيه المسؤولون الامريكيون هي: ـ1 ـ الهيمنة علي نفط المنطقة او منع اي دولة عدوة من السيطرة عليه. 2 ـ تفتيت او بلقنة دول المنطقة العربية. 3 ـ الحفاظ علي اسرائيل قوية ومتفوقة علي كل الدول العربية. 4 ـ الحيلولة دون توحيد العرب. 5 ـ حماية ودعم الانظمة الصديقة والحليفة للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة وخصوصا غير العربية، سواء بطريقة مباشرة او طريقة غير مباشرة. 6 ـ ربط دول المنطقة بشبكة من المعاهدات والاتفاقات الامنية واقامة قواعد عسكرية داخل المنطقة. هذه الاهداف والتي سعت الولايات المتحدة لتحقيقها منذ حلف بغداد 1955 والتدخل في لبنان 1958 والتآمر علي الوحدة المصرية ـ السورية 1958 ـ 1961 ودعم التحالف الرجعي العربي، ومناهضة كل حركة تحررية في المنطقة، والدعم غير المحدود لاسرائيل الخ. هذه الاهداف الاستراتيجية لم تكن الادارة الامريكية تفصح عنها دائما في خطابها السياسي، بل تبرر تدخلها في المنطقة تحت شعارات مضللة كالقول بمناهضة الاستبداد او مواجهة الشيوعية او الارهاب او نشر الديمقراطية او حماية الاقليات او الحفاظ علي السلم والاستقرار في المنطقة الخ. واذا اخذنا المرحلة الراهنة وتساءلنا عن الاسباب الحقيقية للحرب علي العراق، هل هي فعلا ما كانت تصرح به امريكا اي ان العراق يهدد جيرانه وانه يمتلك اسلحة دمار شامل، وان صدام دكتاتوري وان امريكا ستخلص العراقيين من حكمه وتنشر الديمقراطية والاستقرار وتحافظ علي وحدة العراق، ام كانت هذه مجرد ذرائع وشعارات انكشفت سريعا حتي من طرف امريكيين، وان الحرب علي العراق كانت جزءا رئيسيا من الاستراتيجية الامريكية في المنطقة التي ترمي لتحقيق الاهداف المشار اليها؟ ولو عدنا للوقت الذي كانت فيه امريكا تحشد جيوشها وتستقطب الحلفاء وتبحث عن المؤيدين تمهيدا لضرب العراق سنة 1990 ثم مع التمهيد لغزوه كليا سنة 2003، الم ينبري معارضو السياسة الامريكية من عرب وعجم للتحذير من زيف الذرائع التي تقول بها الادارة الامريكية لضرب العراق وحذروا من ان اهداف امريكا هي تدمير الدولة العراقية والقدرات الصناعية والتكنولوجية للعراق وتفتيته والسيطرة علي النفط؟ الم يقل الرئيس الامريكي آنذاك ان القوات الامريكية ستدخل العراق حتي وان تنحي صدام عن السلطة؟ ان كان حكمنا علي دالات النصر والهزيمة يؤسس علي ما تقول به الادارة الامريكية علنا، اي انها ترمي لنشر الديمقراطية الحقيقية والحفاظ علي وحدة العراق قويا، وانها غير طامعة بنفط المنطقة الخ، في هذه الحالة يمكن القول بان السياسة الامريكية فاشلة لانها لم تحقق هذه الاهداف بل الواقع يدل علي نقيضها، ولكن في هذه الحالة يجب ان نمنح الادارة الامريكية صك براءة من كل ما يجري في العراق، ونحمل مسؤولية ما يجري لقوي اخري غير الادارة الامريكية وجيشها في العراق ونحمل المسؤولية لقوي المعارضة التي حالت بين الجيش الامريكي وتحقيق هذه الاهداف! ايضا علينا ان نثق دوما بالخطاب السياسي للادارة الامريكية سواء تعلق الامر بالعراق او فلسطين او المنطقة ككل كحديثها عن نشر الديمقراطية والشرق الاوسط المحسن او الجديد الخ. اما اذا كنا سنستخلص دالات النصر والهزيمة من ادراكنا للاستراتيجية الامريكية ومقارنتها بما يجري وبما يقوم به الجيش والاجهزة الحاكمة التابعة له في العراق، في هذه الحالة سيكون حكمنا معاكسا تماما حيث يقول الواقع ان امريكا حققت وتحقق اهدافها الاستراتيجية بشكل لم تحلم به سابقا. ماذا يقول الواقع اليوم؟ تدمير اكبر قوة صناعية وتكنولوجية وعسكرية عربية، تفتيت دولة من اعرق الدول العربية والاسلامية، السيطرة علي نفط العراق والخليج، نشر القواعد العسكرية الامريكية والغربية في غالبية دول الخليج العربي، تحطيم النظام الاقليمي العربي، نشر الفتنة الطائفية في العراق والمنطقة، ربط دول المنطقة بمعاهدات وتحالفات امنية، استنزاف المقدرات المالية لدول المنطقة، تقوية ايران كقوة منافسة ومعيقة لاي توجه وحدوي عربي، فسح المجال لاسرائيل لتنفرد بالفلسطينيين وممارسة ابشع الجرائم في ظل صمت مريب، وسم كل حركة مقاومة او ممانعة بالارهاب واشراك دول عربية واسلامية في محاربة هذه القوي….. حتي لو افترضنا ان الجيش الامريكي انسحب من العراق الآن، فهل سيعود العراق كما كان دولة واحدة موحدة؟ ومجمل القول هل هذه امور تدل علي فشل ام نصر للاستراتيجية الامريكية في العراق وفي المنطقة؟ انها الحقيقة ولو كانت مؤلمة، الاستراتيجية الامريكية في المنطقة ناجحة، وحتي فوز الديمقراطيين في المؤسسة التشريعية الامريكية لم ولن يغير من هذه الحقيقة، قد يغير من بعض السياسات ولكنه لن يغير الاهداف الاستراتيجية. عندما نتحدث عن النجاح هنا لا يعني شرعية الفعل ولكنه يعني قوة الفعل، ولكن بالمقابل لا يمكن القول بان نهج المقاومة للمشروع الامريكي فاشل، بل يحتاج للاستمرارية مع مزيد من التطوير والعقلنة، ولو كانت الامور بالتمني فنحن من اول المتمنيين بفشل المشروع الامريكي ولكن السياسات لا تُقيّم بالتمنيات بل بالملموسات. اذن لماذا تَُصر بعض الاقلام والفضائيات علي الحديث عن الهزيمة والفشل الذي تواجهه امريكا؟ نعتقد ان حديث هذه الاقلام والفضائيات عن هزيمة امريكية يعود لاحد احتمالين: الاول هو سطحية التحليل وغياب الرؤية الاستراتيجية عند هؤلاء، ولكن الاحتمال الثاني هو الاخطر ونقصد به ان هؤلاء الكتاب والمحللين والصحف والفضائيات التي تحتضنهم انما يريدون نسبة انفسهم زورا للنهج المقاوم للسياسة الامريكية وخصوصا للحركات الاسلامية، للتغطية علي تواطؤهم وتواطؤ دولهم مع المحتل الامريكي، وهؤلاء ايضا يريدون القول بان شكل المقاومة واسلوبها والعلاقة التي تحكمها بالشعوب والانظمة الخ، كلها امور تسير في الطريق الصحيح، و لو لم تكن ممارسة الانظمة وواقع المقاومة سليما، ما كانت امريكا تنكسر وتُهزم حسب هذا المنطق، وحيث يفترض ان كل هزيمة يقابلها انتصار للخصم، فهزيمة امريكا تعني انتصار المقاومة وما علي العرب والمسلمين الا الاستمرار علي نفس نهجهم. نخلص للقول بان الاستراتيجية الامريكية في المنطقة وتحديدا ما يتعلق بنا كعرب ومسلمين وللأسف ناجحة عمليا، ولكن بالمقابل لم تُهزم الجماهير العربية ارادويا ولكنها لم تنتصر واقعيا وعمليا، فهل الارادة وحدها تستطيع ان تهزم الواقع؟ ام يحتاج الامر لاعادة النظر بالسياسات والسلوكيات سواء تعلق الامر بنهج المقاومة او بالعلاقات بين الانظمة والولايات المتحدة وخصوصا تلك التي تستضيف قواعد امريكية؟ 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية