حماس مُقبلة علي دفع اسرائيل الي الانسحاب نحو الوراء باتجاه الخط الاخضر من دون أن تضطر للتنازل عن أي مطلب
اسرائيل مثل سفينة الحمقي تُبحر في بحر هائج وتصور لنفسها أنها في أمان وسلامحماس مُقبلة علي دفع اسرائيل الي الانسحاب نحو الوراء باتجاه الخط الاخضر من دون أن تضطر للتنازل عن أي مطلب لقد كنا حمقي في الماضي. كنا حمقي في عام 1967 عندما لم نفهم لعنة المناطق، وفي عام 1973 عندما شاهدنا حرب يوم الغفران وهي تقترب منا. كنا حمقي ومغفلين عندما أقمنا المستوطنات وعندما اجتحنا لبنان واعتقدنا أن اوسلو هو النهاية، وعندما أملنا في الوصول الي نهاية الصراع في كامب ديفيد. وعلي الرغم من ذلك، يبدو أننا لم نكن حمقي أبدا، كما نحن اليوم. حمقي لأننا نختار التظاهر بعد المعرفة والسعي لعدم ادراك كُنه العاصفة التي نُبحر في داخلها.انتصار حماس في 25 كانون الثاني (يناير) 2006 هو حدث تاريخي في مفهومين. في المفهوم الاول أعادنا 30 سنة الي الوراء نحو ايام ما قبل المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية، ومطلب العودة الحقيقية والتطلع الي الابادة الشاملة. هذا الانتصار أعادنا الي الايام التي كان فيها جمال عبد الناصر واحمد الشقيري يتحدثان بنفس المصطلحات التي يستخدمها أحمدي نجاد ومحمود الزهار وخالد مشعل. انتصار حماس بالمفهوم الآخر أوصلنا الي المكان الذي لم نكن فيه بالمرة. عندما لا يكون ممثل الشعب الفلسطيني قوميا ـ علمانيا، بل دينيا اصوليا، يتحقق الكابوس. الصراع لم يعُد حول الاحتلال في 1967، ولا حول كارثة 1948. هو صراع ديني – حضاري من النوع الظلامي جدا. ليس صراعا حول غوش قطيف، ولا صراعا حول منطقة المواصي، بل صراعا حول الاقصي. صراع بين المؤمنين والكُفّار وبين المجاهدين والصليبيين.صحيح أنهم ما زالوا أقلية في المجتمع الفلسطيني الاصولي، إلا أن هذه الأقلية موجودة في الحكم اليوم وتمثل الشعب الفلسطيني كله. وجود أصوات مغايرة في حماس ودعوة بعض قادتها الي البراغماتية، ما هي إلا تكتيك أن حماس لن تعترف ولا تعترف بحق اسرائيل في الوجود. وصحيح ايضا أن لا وجود للحتمية التاريخية، ومن المحتمل أن يرفض الفلسطينيون اقتراح حماس ويعودوا للعب دور اللاعب السياسي العقلاني الساعي للحل ـ ولكن هذا هو الواقع حتي إشعار آخر: أمامنا جار فلسطيني تغير شكله بدرجة لا توصف، وهو يقول لنا أن علينا أن نرحل وأن لا نكون هنا وأن نتوقف عن الوجود.هذا الواقع صعب علي اسرائيل الألفين. من الصعب علينا أن نفكر بمواجهة مباشرة ومتواصلة وتدارس امكانية عدم وجود شريك تفاوضي فعلا وبصورة عميقة. من الصعب التسليم بحقيقة أن الفلسطينيين يرفضون فكرة الدولتين عندما قبلناها نحن بعد طول انتظار. نحن لا نعرف ما الذي يتوجب أن نفعله في مواجهة الفلسطينيين المطالِبين بكل شيء من النهر الي البحر.ولكن لدينا ايضا صعوبة اخري: نحن نجد صعوبة في الاعتراف بأن الفلسطينيين الجدد المتعصبين يقومون بعمل جسيم. هم الذين أخرجونا من غزة، وهم الذين سيُخرجوننا من الضفة الغربية من دون أن ننجح في توطيد وجودنا ضمن حدود 1967 المعدلة. نحن نجد صعوبة في الاعتراف بأنهم يفرضون علينا انسحابا تدريجيا نحو خطوط كلينتون من دون الحصول علي أي وعد من وعوده ـ السلام، نزع السلاح، نهاية العودة. باختصار، نحن نجد صعوبة في مواجهة حقيقة أن الاصولية الفلسطينية تتغلب علينا.في نهاية حرب الارهاب الطويلة، حماس توشك علي اقامة دولة فلسطينية معادية من دون أن نكون في حدود آمنة قابلة للدفاع في دولة يهودية معترف بها. حماس مُقبلة علي دفع اسرائيل الي الانسحاب نحو الوراء باتجاه الخط الاخضر من دون أن تضطر للتنازل عن أي مطلب من مطالبها في اسرائيل الواقعة داخل الخط الاخضر.هذا هو الحال الآن. وعندما يكون الوضع علي هذا النحو لا يعود السؤال كيف وصلنا الي هنا، بل كيف يمكن أن نواصل من هذه النقطة. الي الأمام كديما؟ الي أين؟ السؤال هو كيف يمكن تحويل فك الارتباط الاسرائيلي القادم الي هزيمة؟ كيف يمكن مواجهة وباء الاحتلال من دون تضخيم ورم الاصولية الدينية الخبيث؟ كيف يمكن الانسحاب من ارض اسرائيل من دون زعزعة أركان وجود دولة اسرائيل.؟هذه الاسئلة هي قضايا وجودية وتُلزم باعادة التفكير واستراتيجية جديدة وخطاب جديد. هي تُلزم باجراء نقاش معمق وموضوعي علي المستوي الجماهيري. هذه المسائل يجب أن تكون في صلب المعركة الانتخابية التي نوشك في نهايتها علي اتخاذ قرار مصيري. ولكن الجمهور الاسرائيلي والنخبة في اسرائيل اختاروا عدم طرح هذه الاسئلة. هم يفضلون الشعور بأننا الآن في حالة نشوة رائعة. العائلات الثرية تحتفل بزعيم جديد، وهو يحتفل بها. وهكذا، نفضل أكثر من أي وقت سابق، عدم رؤية البحر الاسود الذي تُبحر فيه سفينة الحمقي التي نركبها. نحن نفضل عدم رؤية الأمواج المتعاظمة. الي الأمام ، نقول ونرقص. الي الأمام يا سفينة الحمقي.آري شبيطكاتب يساري(هآرتس) 16/2/2006