حياتنا بين سيف وجزرة

حجم الخط
2

حدثت القصة الأولى التي أريد سردها في القرن الرابع قبل الميلاد، حيث يروى في التاريخ اليوناني أن رجلاً متملقاً اسمه ديموقليس عمل في بلاط الحاكم ديونيسوس الثاني. حاله دوماً هو مدح الحاكم والثناء على مزاياه وحياته المرفهة. كان لا يدخر جهداً ولا يضيع أدنى فرصة في التقـــرب من الحاكم اليوناني أملاً أن يصيبه من المجد جانبا يوماً ما.
طفـــق الحاكم من الثناء المبالغ فيه، فعرض عليه أن يجلس على كرسي الحكم يوماً كاملاً، فما كان من رجلنا ديموقليس إلا الموافقة طمعاً. اعتلى ديموقليس كرسي الحكم، لكنه تفاجأ أن الحاكم ثبت فوق رقبته سيفاً معلقاً بشعرة من ذيل حصان. فالسيف مسلط على نحره، وعليه أن يستمتع بنعيم المنصب وفقاً لهذه المعطيات. فأصبح سيف ديموقليس مثالاً على المخاطر المحدقة ببني البشر من كل صوب، ورمزاً على الترهيب.
أما القصة الثانية، فقد تعلمناها في صفحات كتب المدرسة وأحاديث الآباء والأجداد. القصة ما هي إلا القصة المعروفة بين الحصان والجزرة. ففارس الحصان أراد الوصول إلى مبتغاه سريعاً، فوضع جزرة أمام مرمى عيون الحصان، معلقة بطرف عصا يحملها الفارس من الطرف الآخر. كلما زاد جوع الحصان، أسرع الخطى مؤملاً النفس في اقتناص الجزرة لحظة ما. يسرع أكثر، والجزرة على حالها لا هي اقتربت ولا ابتعدت، والفارق الوحيد هو المسافة المقطوعة التي تصب في مصلحة الفارس. فأصبحت هذه القصة مثالاً على الحوافز المرجو الظفر بها، ورمزاً على الترغيب.
تأملت كثيراً في هاتين القصتين، ووجدتها حقيقة مجردة في حياتنا منذ نعومة أظافرنا. فبدءاً من الطفولة، يداوم الأهل في ترهيب الصغار تارة من وحوش عدة تختلف حسب اختلاف الثقافات، وترغيبهم تارة أخرى بجوائز مجزية لقاء تحصيل مدرسي مرتفع. كبرنا وزادت سنون عمرنا، ودخلنا معترك الحياة، فاستمرت الممارسات الحكومية المختلفة بين ترغيب في مستقبل قريب مشرق، وترهيب من مخاطر قادمة جمة. فصارت حياتنا بين هذه وتلك، ونحن نسير نحو المستقبل المضيء وجنة الفردوس، وعيوننا تلمح كلاليب خطر وهمية على حافتي الطريق. نكمل المسير، وموقفنا المشي على أطراف الأصابع خوفاً من خطر لم يحدث يوماً. بل، فضل الكثير الوقوف حيث هو، وتسليم نفسه لطريق الحياة، فباتت الدنيا هي التي تقـــوده وتسوقه نحو مستقبل غير معلوم كنهه وعلاماته.
الجزء الذي تتغاضى معظم الكتب عن ذكره في القصتين، هو أن ديموقليس تنازل طواعية عن وهج المنصب بعيداً عن خطر السيف وحفاظاً على حياته، واختار العيش كإنسان عادي، يحيا قدره بطريقة عادية وسط ظروف عادية لكنها آمنة إلى حد ما. أما الحصان وصل لمراد الفارس دون أن ينال الجزرة. نزل الفارس، وقضى حاجته في الوجهة المقصودة، والحصان ما فتئ يتأمل وهج الجزرة التي لم يحصل عليها فيما أتى من أيام. استغله الفارس مطية، ولم يصدقه الوعد، واستخدم الجزرة في كل حين، والحصان على قيد الحياة ملاحقاً أمنية بعيدة المنال لا لقوة الفارس بل لضعف يقبع في روح الحصان نفسه. لعل من المثير للاهتمام هو ورود الحصان في القصتين الأولى بشعرة من ذيله، والثانية كوسيلة لتحقيق مبتغى شخص غيره. فالحصان قديماً عند العرب هو رمز قوة وعنفوان، لكن هذا لم يثن بطلي القصتين عن جعله لغاية أخرى!
كم أصبحت حياتنا محصورة بين سيف ديموقليس وجزرة الفارس! أضحت متاهة نعلق في مساراتها وسراديبها، وقلة من يعرف طريق النجاة، وهؤلاء القلة هم من صنعوا التاريخ ومجد الحضارات. لا هم غرقوا في بحر أمنيات طموحة جدا،ً ولا هم خافوا من الإبحار في عبابها. حالهم التوازن، والعيش على نغم الأمنيات وسط جدران المخاطر. طرقوا الأرض مسيراً نحو الجنة في طريق محفوف بالمخاطر، واستلموا القيادة من بين فكي الأسد الوهمي، ووصلوا الأرض المنشودة. فالسر والترياق هو التوازن، وعدم المكوث استسلاماً وضعفاً في انتظار خطر ربما لن يحدث. من أعجبه الحال في العيش جموداً بين حد سيف و بهجة جزرة، لن يسمع صليل السيوف ولن يشفي جوعه بالجزرة الموعودة. ترغيب وترهيب، وصواب المقام هو قليل من هذا وقليل من ذاك، والسير في جنان الترغيب وسط جحيم الترهيب، بعداً عن حياة عنوانها سيف وجزرة!
حسام خطاب الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية