صدر في مطلع كانون الثاني/يناير 2012 عن دار رياض الريس للكتب والنشر كتاب بعنوان ‘الحركة الوطنية السعودية’ لمؤلفه السيد علي السيد باقر العوامي.يتكون الكتاب من جزأين، يغطي في جزئه الأول الفترة الممتدة من عام 1953 حتى عام 1956. أما الجزء الثاني من الكتاب فيركّز على أحداث 1964 وما تلاها وصولاً إلى عام 1973 وهو العام الذي خرج فيه المؤلف ورفاقه من سجن استمر عشرة أعوام. يقع الكتاب بجزأيه في أكثر من ستمئة صفحة، وقد تشكّلت لجنة مراجعة تولّت مسؤولية نشر الكتاب؛ إذ أن مؤلفه قد توفي في 26 شباط/فبراير 2002. تتركز أهمية الكتاب في نقطتين: الأولى هي أن المؤلف كان مشاركاً فاعلاً في الحركة الوطنية ذات الاتجاه العلماني اللاطائفي في السعودية في تلك الحقبة، فهو بالتالي شاهد عيان على كثير من الأحداث التي سردها في الكتاب. والنقطة الثانية هي أن هذا الكتاب هو الأول من نوعه سواء على صعيد التأريخ أو تدوين الشهادة حول مسألة ظلت في غياهب النسيان لعقودٍ من الزمن.
صحيح أن موضوع الحركة الوطنية في السعودية وشخصيات المناضلين قد شغلت حيّزاً في أعمال ذات طبيعة إبداعية، ومن بواكير الأعمال السردية تلك عمل روائي للدكتور تركي الحمد في ثلاثيته الموسومة بعنوان جامع ‘أطياف الأزقة المهجورة’، وعناوين لكل جزء من أجزاء الثلاثية؛ فعنوان الجزء الأول كان ‘العدامة’، والثاني ‘الشميسي’، والثالث ‘الكراديب’. في هذه الثلاثية روى تركي الحمد تجربته مع البعث وهو شاب يافع، منذ انخراطه كعضوٍ في واحدة من خلايا حزب البعث في مدينة الدمام شرق السعودية، مروراً بمرحلة الدراسة الجامعية في مدينة الرياض، ووصولاً إلى تجربة الاعتقال والتحقيق في سجن الاستخبارات العامة في مدينة جدة. ما يجعل من ثلاثية تركي الحمد الحجر الأول الذي يُلقى به في بركة راكدة.
رواية شقة الحرية للدكتور غازي القصيبي سبقت ثلاثية تركي الحمد من حيث تاريخ النشر، إلا أن غازي القصيبي روى فيها تجربة سعودي في البحرين، ثم في القاهرة داخل أوساط الطلبة البحرينيين وتفاعلهم مع حركة القوميين العرب والتيار الناصري، فهي لم تلامس تجربة الحركة الوطنية داخل السعودية في شكلٍ مباشر، ومنهنا تأتي صحة وصف ثلاثية تركي الحمد بالحجر الأول الذي قُذف في بركة راكدة.
هذان العملان الروائيان تبعهما حضور الحراك السياسي غير الرسمي في المشهد الإبداعي، إلا أن ذلك الحضور لم يكن حضوراً ايجابياً، وفي هذا الموضوع كتب الناقد السعودي المعروف محمد العباس كتاباً نشرته دار جداول (لم يتوافر الكتاب في المكتبات إلى لحظة انتهائي من هذا المقال)، تيسّر لي قراءة مقدمة الكتاب التي نشرها مؤلفه على موقعه الشخصي، وللناقد العباس ملاحظة في غاية الأهمية حول قيمة المناضل السياسي في الأعمال الروائية السعودية التي لامسته، حيث يقول في مقدمة كتابه:
‘هنا تكمن مفارقة على درجة من الأهمية فأغلب الروايات المعنية بالحدث والخطاب السياسي في السعودية، تلهج بمفردات الحرية، والسجن، والوطن، والحزب، والتنظيم، والثورة…إلى آخر منظومة القاموس النضالي لكنها تكتفي بالعناوين البراقة، ولا تتجرأ، أو ربما لا تقدر على تفكيكها داخل النص؛ إذ لا تستدعي حالات نضالية بمسميات ومعالم واضحة، إلا بقصد التبرؤ منها، بل إنها في الغالب تطوف حول التابو السياسي، لتتحدث عن نموذج نضالي من الزمن المنقضي، يتم اعتباره مجرد دليل متهافت لسيرة جيل خائب، حسب منطوق أبطال أغلب الروايات، حيث يتسيّد الماضي هذا النمط من الكتابة الروائية، ويرتهن النص لنزعة رثائية نكوصية، يُستجلب بموجبها نموذج المناضل المنهزم من ذلك الزمن بطريقة توحي بانتفاء الفعل النضالي واستنفاذ ممكناته المستقبلية، كما يبدو هذا الهاجس صريحاً في رواية (طوق الطهارة) لمحمد حسن علوان مثلاً، ورواية (رقص) لمعجب الزهراني، إلى آخر مظاهر البطولات المنهزمة والمنكسرة’.
هذه الأعمال الروائية قد حظي بعضها بحفاوة نقدية بالغة، وخصوصاً الأعمال المبكرة كرواية ‘شقة الحرية’ لغازي القصيبي، وثلاثية ‘أطياف الأزقة المهجورة’ لتركي الحمد.لم يكن المستوى الفني في التجارب المبكرة هو السبب وراء الحفاوة النقدية التي استقبلت أعمال غازي القصيبي وتركي الحمد، ولكن لأن تلك الأعمال قد لعبت دوراً ريادياً في الحديث عن جانب مسكوت عنه من جوانب التاريخ الاجتماعي الحديث في المملكة العربية السعودية.
سبق صدور كتاب السيد علي العوامي- نشراً وليسإنجازاً – كتاب للكاتب والصحافي السعودي أحمد عدنان الصادر عام 2011 عن المركز الثقافي العربي، حمل عنواناً رئيساً واشياً بموضوعه، هو ‘السجين 32’، وعنواناً شارحاً، هو: ‘أحلام محمد سعيد طيب وهزائمه’.العمود الفقري لكتاب أحمد عدنان هو حواره المطول مع الناشط الوطني السعودي محمد سعيد طيب، وجزء وافر من هذا الحوار يدور حول تجربة السجن السياسي التي تعرّض لها محمد سعيد طيب أكثر من مرة في حياته، إلا أن كتاب أحمد عدنان وكذلك ألأعمال الإبداعية التي انشغلت بالحراك السياسي غير الرسمي، جميعها عجزت عن تقديم مادة ذات أهمية مرجعية وتوثيقية.
أفهم أن الروايات والقصص القصيرة والقصائد واللوحات التشكيلية والمقطوعات الموسيقية والمنحوتات هي فنون غير معنية بعملية التأريخ والتوثيق، وإن كانت غير منقطعة الصلة تماماً، فالأعمال الفنية التي تنتج في الحاضر قد تشكل في المستقبل مصدراً من مصادر التاريخ الاجتماعي غير الرسمي، أي التاريخ الذي لا يتخذ من البنى الفوقية موضوعاً له. هذا بالنسبة للفنون، أما أحمد عدنان فهو قد حاول أن يسلط الضوء على هذا الجانب من التاريخ، إلا أنه عجز عن تقديم ما يمكن أن يفيد الباحثين في هذا المجال، ولست في مجال مناقشة أسباب فشل أحمد عدنان التي قدم دليلها بقلمه حيث اعتبر أن عدم اكتمال روايته للقصة يرجع لسببين: ‘الأول، أن القصة تنقصها رواية النظام. الثاني، أن هذه القصة مشرقة’. اختار أحمد عدنان صفة ‘مشرقة’ليطلقها على حملة الاعتقالات السياسية التي طالت عشرات من المواطنين السعوديين المطالبين بالإصلاح السياسي خلال عام 1964، علماً أن غالبية المعتقلين على ذمة قضية ‘جبهة التحرّر الوطني’ قد صدرت في حقهم أحكاماً بالسجن لعشرة أعوام ولخمسة عشر عاماً، وجميع المحكومين بهذه الأحكام الطويلة قد قضوا منها عشرة أعوام كاملة، على الرغم من عدم ثبوت تهم تمسّ أمن النظام على أحد منهم، فلا أرى هنا أين الجانب المشرق في أن يحكم المتهم بمخالفة رأي النظام بالسجن عشرة أعوام وخمسة عشر عاماً!. كما أن سببه الأول الذي يقترح أن اكتمال القصة تنقصها رواية النظام هو سبب منتفٍ أصلاً؛ فالنظام سرد روايته للقصة حين جرّد العشرات من حريتهم لمدة عشرة أعوام دون أن يسمح لهم بتوكيل محامين، ودون حتى انتداب محامين من قبل المحكمة، بل إن المدعي العام الذي تولى تلاوة العرائض الاتهامية هو واحد من ضباط جهاز الأمن الذين تولوا التحقيق معهم وانتزاع الاعترافات التي أرادها باستخدام شتى صنوف التعذيب. فأي رواية ينتظرها أحمد عدنان من النظام؟ روى النظام جانبه من القصة وانتهى. أما مصدر ‘الإشراق’ في القصة لدى أحمد عدنان فيكمن في أن المعتقلين من أبناء منطقة الحجاز لم يضيّق عليهم في معتقلهم، ولم يعتقلوا لمددٍ طويلة، ولم تُمنع عنهم الزيارة، ولم يُحرموا من الاجتماع والقراءة، ولم تُنتزع منهم اعترافات بالقوة. كما أن بعضهم قد تشفّع فيه وزراء وشخصيات هامة من أركان النظام لأسباب جهوية. أما الذين عوملوا بمنتهى الوحشية ونالوا أحكاماً بالسجن لمدد طويلة فهم في الغالب من أبناء المنطقة الشرقية التي ليس لها ظهير في أجهزة الحكم والإدارة العليا للدولة، وبالتالي، لم يحظ المعتقلون من أبناء المنطقة الشرقية بالعون والسند والشفاعة التي حظي بها رفاق سجنهم من أبناء منطقة الحجاز التي يشغل المنحدرين منها أغلب المناصب التنفيذية العليا التي لم يكن يشغلها أبناء الأسرة الحاكمة في ستينيات القرن العشرين. إذاً فمصدر ‘إشراق’ التجربة لدى أحمد عدنان جهوي بحت؛ لأن أحمد عدنان عجز عن الإحساس بسوداوية التجربة فقط لأنها سوداويتها لم تلق ظلالاً قاتمة على بيوتات الحجاز.
يعود أحمد عدنان ليكمل الحوار مع محمد سعيد طيب حول تجربة اعتقاله السياسي الثاني عام 1969، ويصف هذه التجربة بالسوداوية لأنها كانت كذلك بالنسبة لمحمد سعيد طيب، وليس لأن أحمدعدنان تحسّس سوداوية التجربة عموماً.
لهذه الأسباب ولأسباب أخرى لا تتسع لها مساحة المقال، أرى أن كتاب أحمد عدنان قليل الأهميةعلى المستويين التوثيقي والمرجعي، ويبقى لأحمد عدنان فضل السبق الصحافي.
قبل الولوج إلى صفحات كتاب ‘الحركة الوطنية السعودية’ تجب الإشارة إلى أن باحثين مختصين في توثيق الأحزاب والحركات السياسية في العالم العربي عجزوا عن الحصول على مادة تغني بحوثهم ودراساتهم حول نشأة الأحزاب والحركات السياسية القومية واليسارية في المملكة العربية السعودية. نجد نموذجاً لهذا العجز في الكتاب المرجعي الهام لمحمد جمال باروت، الصادر في طبعته الأولى عام 1997 عن المركز العربي للدراسات الاستراتيجية بعنوان ‘حركة القوميين العرب (النشأة – التطور- المصائر)’، ونموذجاً ثانياً نجده في كتاب صدر عن نفس المركز من جزأين بدون تاريخ، لعدد من الباحثين (بوعلي ياسين، محمد جمال باروت، محمد نجاتي طيارة، أمين اسكندر، خليل محمد، شمس الدين كيلاني) بعنوان ‘الأحزاب والحركات القومية العربية’، وهذا الكتاب جزء من مشروع دراسة وتوثيق ‘نشأة الحزب السياسي وتطوره ومصائره في الوطن العربي في القرن العشرين’، ونموذجاً ثالثاً نجده في كتاب مرجعي هام أيضاً لعبدالنبي العكري، صدر في طبعته الأولى عام 2003 عن دار الكنوز الأدبية بعنوان ‘التنظيمات اليسارية في الجزيرة والخليج العربي’.هذه نماذج لأعمال بحثية وتوثيقية جادة عجزت عن تقديم صورة تعكس واقع الحركات والأحزاب القومية واليسارية التي نشطت في المملكة العربية السعودية، وكأن للسعودية سياق خارج السياق العربي العام والخليجي خصوصاً، وكأن شعب المملكة العربية السعودية أعجز من أن يتفاعل مع معطيات عصره.
غياب التدوين وطغيان التاريخ الرسميأدّيا إلى إخراج شعب المملكة العربية السعودية من مشهد الحراك السياسي العربي فى مستوى البنى التحتية لهذا الحراك الذي اجتاح العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه ابتداءً من مقارعة الاستعمار عقب الحرب العالمية الأولى وحتى هذه اللحظة، وإن تراوحت وتيرة هذا الحراك بين مدٍ يمور في اللحظات الكبرى وجزر مؤقت في لحظات أخرى.
يأتي كتاب ‘الحركة الوطنية السعودية’ بمثابة اللبنة الأولى في مشروع تدوين الذاكرة غير الرسمية للنشاط السياسي الوطني المعارض ذي الهويات الفكرية العابرة للمذاهب والمناطق والقبائل. كتب مؤلف الكتاب استدراكاً في المقدمة أبان من خلاله أنه لم يقصد بكتابته أن يقوم بعمل المؤرخ، وإنما كتب ليدون شهادته الشخصية على أحداث عايشها وكان فاعلاً في بعضها، لكنه، وبالرغم من استدراكه هذا، لم يجد مناصاً من القيام بعمل المؤرخ عندما قدم صورة لمجتمعه قبل انضمام منطقتي الأحساء والقطيف لمشروع الملك عبدالعزيز التوحيدي، وقبل ظهور النفط، ثم قدم صورة أخرى عكست تأثير ظهور النفط على مجتمعه المحلي، كما أورد أيضاً المصادر التي من خلالها تعرفت طبقة العمال السعودية على الأفكار اليسارية والقومية التي شكّلت فيما بعد قاعدة الوعي الحقوقي الذي أثمر تكوين ‘لجنة العمال’ التي بدورها قادت حركة الإضراب الكبرى عام 1953 في مناطق إنتاج النفط شرق السعودية، ويستمر
في رواية شهادته وصولاً إلى حركة الإضرابات عام 1956 وما أعقبها من حملة اعتقالات طالت مجموعة من الناشطين كان المؤلف أحدهم. نقل المؤلف وعدد من رفاق سجنه إلى سجن يسمى ‘سجن العبيد’ في منطقة الأحساء. يبدو أن تجربة ‘سجن العبيد’ حفرت جرحاً غائراً عصياً على النسيان لشدة إيلامه في ذاكرة المؤلف، لذلك فروايته لتفاصيل هذا السجن الرهيب كفيلة بإصابة القارئ بالأرق، فكيف بمن كان هو بنفسه في ذلك السجن.. تفاصيل حياة السجناء في سجن العبيد لم يسبق لأحد قبل السيد علي العوامي روايتها.اختتم المؤلف الجزء الأول من الكتاب بإطلاق سراحهم من سجن العبيد في 27 تشرين الاول/ اكتوبر 1957 بعد اعتقال دام أكثر من عام.
في الجزء الثاني من الكتاب يروي المؤلف الجزء الذي يعرفه عن تكوين ‘جبهة الإصلاح الوطني’ والظروف المحيطة بتكوين الجبهة، وبعد ذلك تحوّل الجبهة إلى ‘جبهة التحرر الوطني’، وكيف انضم شخصياً إلى التنظيم، ثم يشرح الظروف التي أدّت إلى اعتقاله ومجموعة من رفاقه عام 1964. يصف بعد ذلك التحقيقات التي أُخضع لها والمحاكمة ثم الحكم بالسجن لمدة خمسة عشر عاماً. ويصفكذلك، بقدر جيد من التفاصيل، حياته وحياة رفاقه في السجن بعد صدرو الأحكام، ثم نقلهم من السجن العام بالدمام شرق المملكة إلى مركز اعتقال وتحقيق تابع للاستخبارات العامة في مدينة جدة غرب المملكة وإعادة التحقيق معهم بعد أن أمضوا ستة أعوام من مدة محكوميتهم هو ومجموعة من رفاقه المحكومين على ذمة قضية تنظيم ‘جبهة التحرر الوطني’.
كتاب في غاية الأهمية سواء بالنسبة للباحث أو حتى للقارئ الذي ليس لديه دافع علمي مباشر يدفعه للقراءة؛فالمؤلف رحمه الله نجح في أن ينقل بدقة عالية ولغة سلسة سهلة،تجربته وتجارب رفاقه الذين عايشهم في السجون والمعتقلات، كما أنه لم يقدم على صفحاته إعلان ندم ولا استقال من تاريخه أو نكص على عقبيه أو تنكر لماضيه، إنما قام بما لم يقم به أحد قبله، على أمل أن يكمل أناس بعده ما قد يكون قد فاته أو سقط من ذاكرته، لأنه، كما شرح في قصة كتابه، اعتمد كثيراً على ذاكرته التي يبدو لي أنها لم تخنه كثيراً رغم الفجوة الكبيرة بين التجربة وزمن روايتها.
كاتب سعودي