اسرائيل تسعي الي تنفيذ ترحيل لأمد بعيد علي الفلسطينيين من سكان القدس بعد تحويل حياتهم لجحيم
الجدار الفاصل حوّل منطقة كفر عقب من ضاحية فخمة فلسطينية لحي ضعيف في احدي مدن العالم الثالثاسرائيل تسعي الي تنفيذ ترحيل لأمد بعيد علي الفلسطينيين من سكان القدس بعد تحويل حياتهم لجحيمفي نهاية مدة الحكم الاردني في شرقي القدس، وفي السنين الاولي ايضا من الحكم الاسرائيلي، سمي فلسطينيون كثيرون كفر عقب حي أصحاب الملايين .منذ ذلك الحين أخذت حالة الحي تسوء. اليوم، بعد ثلاث سنين من اقامة السور الامني، تلاحظ الفوضي في مدخله، بعد اجتياز حاجز قلندية فورا. في المكان الذي تعرج منه للدخول الي شارع مطار القدس، يرتفع الآن مبني الاسمنت الصلب الذي أُقيم من اجل اغلاق مدخل المدينة أمام سكان الضفة. هذا الحاجز، والسور الذي يمتد جنوبه وشماله، حول ما كان منذ وقت ضاحية فخمة فلسطينية الي منظر حي ضعيف في احدي مدن العالم الثالث المتخلف.صفوف السيارات الطويلة عند الحاجز في أكثر ساعات النهار تمتد بلا نظام وبضجيج ايضا في داخل الشارع الرئيسي للحي، الذي تلاصق بيوته الجنوبية السور والحاجز تماما. وفي جزء من الوقت تمتد بقربها ايضا صفوف لا تقل طولا من رجال، ونساء واولاد، يريدون الوصول سيرا علي الأقدام الي اماكن عملهم أو الي مدارسهم، التي ظلت في الجانب الآخر من السور. يجري بينهم وبين السيارات ايضا عشرات الباعة، يسعون وراء لقمة عيش بين مئات المنتظرين. والشارع نفسه مليء بالحفر. قبل اسبوعين، بعد يوم واحد من مطر غير قوي، كانت مليئة بالمياه، وجعلت السير فيه صعبا وخطرا. الوضع عن جانبي الشارع، الذي كان مرة شريان نقل رئيسيا وسريعا بين القدس ورام الله، لا يقل فوضي. توجه عشرات اللافتات المرتجلة السائقين الي عشرات الحوانيت، التي بعض بضاعتها موضوع بين سيارات مشحونة بلا أي نظام علي بقايا ما كان أرصفة مرة.إن حي كفر عقب، الذي يبلغ عدد سكانه قرابة 25 ألفا، مشمول في الواقع داخل المنطقة البلدية للقدس ويفترض أن يحصل علي خدمات بلدية من بلدية القدس. حسب قرار صدر في سنة 1967، الذي ضمت اسرائيل بحسبه شرقي القدس، الحدود الشمالية للمنطقة المضمومة في الجانب الشمالي من كفر عقب، ومنحت الساكنين فيها مكانة سكان في القدس. وبفضله أصبحوا يملكون بطاقات هوية اسرائيلية (زرقاء)، ويدفعون ضريبة المسقفات لبلدية القدس، وهم ذوو حق في خدمات التأمين الوطني الاسرائيلي ويجوز لهم المكوث والعمل في جميع أجزاء اسرائيل. لكن السور الفاصل ترك كفر عقب خارج القدس: من اجل الوصول منها الي سائر أجزاء المدينة يجب علي سكانها اجتياز حاجز قلندية؛ الي البيرة ورام الله، وبمقابلة ذلك، يستطيعون الوصول من غير مصادفة الحواجز الاسرائيلية. وهكذا سقطوا، في الواقع، بين كرسيين: فبلدية القدس (ودولة اسرائيل) كفتا عن منح الحي وراء السور خدمات، في حين ترفض بلدية البيرة، التي تصل حدود بلديتها الي كفر عقب من الشمال، منح الحي الذي هو جزء من القدس الخدمات.لكن رد سكان كفر عقب علي الوضع الذي دُفعوا اليه كان مغايرا تماما لرد فلسطينيين آخرين، في مناطق اخري، دُفعوا الي وضع مشابه. في البدء فعلوا فعلهم تماما ـ استأنفوا علي قرارات وضع اليد التي صودرت اراضي بناء السور بفعلها، واستأنفوا علي بنائه الي محكمة العدل العليا، ونظموا مظاهرات، ووجهوا طلبات الي البلدية واستعملوا طرقا مختلفة من التوسط. لكن بعد مضي زمن غير طويل أدركوا أنهم لن يجنوا أي فائدة من ذلك، واختاروا استراتيجية اخري.بمبادرة من عدد من جماعات من الشبان من سكان الحي أُقيمت لجنة سكان جديدة، نحّت جانبا المفوضية السابقة للسكان، الأكثر تقليدا. أقامت اللجنة الجديدة شركة تسمي شركة تطوير كفر عقب ، سُجلت في اسرائيل قانونيا وبدأت عملية تجنيد تبرعات في الحي (الذي ما يزال يسكنه غير قليل من رجال الاعمال الفلسطينيين الأثرياء). أنشأت الشركة ايضا صلة بجمعيتين تعملان في تقديم شؤون سكان القدس العرب عير عاميم الاسرائيلية و المعهد الفلسطيني للاتصال والتطوير )، وأعدت مخططاتها علي أساس عملي وبدأت تُقدم عددا من المشروعات الأساسية، الموجودة كلها في مجالات العمل المعطاة علي نحو عام للبلدية ولمكاتب الحكومة.يُشمّرونبعد أقل من سنتين من تأسيس شركة تطوير كفر عقب، أصبح كثير من سكان الحي يشعرون بنتائج عملها: فقد غدا نحو 500 من اولاد القرية، الذين اضطروا في السنة الدراسية السابقة الي الوصول الي الحاجز قبل الساعة السادسة صباحا ليستطيعوا اجتيازه قبل بدء الدراسة في الثامنة، يدرسون هذا العام في مدرسة وسط الحي، أقامتها الشركة؛ وغدا آلاف من دافعي التأمين الوطني في الحي، الذين يستحقون خدمات قانون التأمين الصحي الرسمي والذين اضطروا الي اجتياز الحاجز كل مرة أرادوا فيها تحقيق حقهم، يحصلون الآن علي خدمات في عيادة أقامتها الشركة وتعمل كوكيلة خدمات الصحة العامة؛ ويأتي مئات من اولاد الحي وشبانه، ممن تجولوا حتي المدة الأخيرة بلا عمل في الشوارع، يأتون الآن كل يوم الي المركز الجماهيري الذي أقامته الشركة، وربطت عشرات البيوت في الحي، التي رفضت بلدية القدس طوال السنين ربطها بنظام الصرف الصحي البلدي، ربطت به (بقرصنة) علي يدي الشركة، التي شغلت من اجل ذلك سكانا من الحي يعملون، أو عملوا في الماضي، في الشركة البلدية التي تُدير نظام الصرف الصحي.والي هذه المشروعات الكبيرة، نفذوا ايضا مشروعات أصغر: في عدد من الشوارع الداخلية حلوا مشكلات تصريف المياه، وأقاموا في الشارع الرئيسي محطتي باص. في أعقاب اقامة السور أدركنا أننا نملك خيارين فقط: فإما أن نعيش في القمامة وإما أن نأخذ أمورنا بأيدينا ، يوضح سميح أبو رميلة، وهو الروح الحية التي تقف وراء لجنة السكان وشركة تطوير كفر عقب. أنشأ السور هنا وضعا جديدا تماما. اذا كنا قبل اقامته نحصل علي جزء ضئيل فقط مما نستحق، فاننا بعد اقامته لم نعد نحصل علي شيء. والمرور اليومي في الحاجز للوصول الي المدرسة أو الي العيادة هدم حياتنا ببساطة. توجهنا مئة مرة الي البلدية وجلسنا عشرات المرات الي موظفي البلدية، لكننا لم نحصل علي شيء سوي البسكويت والعصير. في النهاية قررنا الاحتفاظ بكرامتنا والاهتمام بأنفسنا . لا ننوي البتة التخلي للبلدية وللدولة عن الوفاء بالتزاماتهما نحونا ، يُبين فواز التميمي، صديق أبو رميلة في قيادة لجنة السكان ومن عينه نائبا لمدير المدرسة. هو في الثامنة والثلاثين، إبن لتاجر مجوهرات يدرس ادارة الاعمال في معهد في رام الله. نحن ندفع ضريبة المسقفات كسائر سكان القدس ويجب علي البلدية أن تُقدم لنا نفس الخدمات التي تُقدمها للجميع. قررنا ببساطة تغيير نظام الأمور. بدل أن ننتظر تقديم الدولة الخدمات لنا، نُقدم الخدمات لانفسنا وبعد ذلك نتوجه بطلبات الي الدولة .في المحادثات الكثيرة التي أجروها مع البلدية في شأن جهاز التربية سمعوا مرة بعد مرة زعم أن أكثر المباني في الحي غير قانونية وأن الدولة ممنوعة من استئجار مبني غير قانوني من اجل اقامة مدرسة. لا يوجد لدينا مشكلة في استئجار مبني أُقيم بلا رخصة ، يقول التميمي مبتسما. وهذا بالضبط ما فعلوه: فبمساعدة تبرعات من آباء الطلاب وبمساعدة هبة كبيرة حصلت عليها (بتوسط عير عاميم ) من صندوق فورد الامريكي، استأجرت شركة تطوير كفر عقب مبني من ثلاثة طوابق في الشارع الرئيسي للحي، ورممته وأثثته ليلائم أن يُستعمل كمدرسة، فيها اليوم 15 صفا، يدرس فيها 497 طالبا من الصف الاول الي الحادي عشر.جُند المعلمون من العاملين في التدريس الساكنين في الحي ممن اضطروا في الماضي الي اجتياز الحاجز للوصول الي اماكن عملهم. آنذاك فقط، عشية افتتاح السنة الدراسية، توجهوا الي وزارة التربية والي البلدية يطلبون أن يعترفوا بها ويمولوا نشاطاتها. أُعطي الاعتراف، لكن التمويل لم يصل بعد. تدفع الشركة الآن أجور المعلمين الـ 35، والمدير ونائبه وعمال النظافة (نحو 160 ألف شاقل في الشهر). أخذت الاموال في النفاد، لكن أبو رميلة يؤمن ويأمل أن الدولة ستدفع أجور شهر كانون الاول (ديسمبر).وعلي هذا النحو تقريبا تصرفوا في شأن العيادة ايضا. نظمت شركة تطوير كفر عقب جماعة من رجال الاعمال من بين سكان القرية، تشتمل ايضا علي عدد من الاطباء، بذلت نحو 100 ألف دولار لشراء معدات لاقامة عيادة تستطيع تقديم أكثر الخدمات التي تقدمها أكثر عيادات صناديق المرضي. وبعد ان استأجروا مبني ملائما توجهوا الي خدمات الصحة العامة وطلبوا الحصول علي وكالة من قبلها لاستعمال العيادة باسمها. علي حسب هذا النموذج، الذي يستعمله الصندوق ايضا في اماكن اخري في البلاد، يحصل صاحب الوكالة من الصندوق علي مبلغ مالي شهري عن كل مؤمن يسكن في منطقة الوكالة، ويقرر الصندوق المعايير الطبية ويشرف من ناحية فنية علي عملها. يقول أبو رميلة ـ الذي عمل في الماضي مقاول ترميمات وبعد ذلك سائق شاحنة، وهو اليوم المدير الاداري للعيادة ـ إن حسابات خبراء الاقتصاد تُبين أن عيادة تخدم ثلاثة آلاف مؤمّن تستطيع النهوض بنفسها. في كفر عقب يوجد أكثر من ثلاثة آلاف مؤمّن، وبهذا آمل أن تصبح ربحية بعد عدة اشهر .ترحيل لأمد بعيدإن اعلان استقلال سكان كفر عقب حتي لو لم يكن نابعا مباشرة من دوافع سياسية ليس مفصولا عن اعتبارات سياسية. كفر عقب جزء من القدس وجميعنا جزء من الشعب الفلسطيني وجميعنا نعارض الاحتلال ، يقول أبو رميلة، لكن لا يوجد أي سبب يجعلنا نعاني الاحتلال بصمت وننتظر مكتوفي الأيدي أن يختفي . يعتقد ان اسرائيل تسعي الي تنفيذ ترحيل لأمد بعيد علي الفلسطينيين من سكان القدس، وأنها تأمل أن ينكسروا ويتركوا ببساطة، ويقول كل ما يفعلونه في كفر عقب يتم من بين الجملة لمحاربة هذا الاتجاه.هذه استراتيجية جديدة، ما زال من الصعب علي اسرائيل وعلي المنظمات الفلسطينية ايضا هضمها. في البدء اتهمونا، في فتح أساسا، بالتعاون مع اسرائيل ، يقول أبو رميلة. بعد ذلك بدأوا يفهمون في فتح وفي حماس ايضا، ان نشاطنا يخدم السكان. اليوم لا يضايقوننا لكنهم لا ينضمون الينا ايضا. لا يريدون ان يكونوا جزءا من هذه القضية، لكنهم يطلبون مني دائما ان أُعلمهم بآخر المستجدات، وأن أستشيرهم، وأن أدعهم في الصورة .جاء عن بلدية القدس ما يلي: تُقدم البلدية للسكان أفضل الخدمات التي تستطيع تقديمها في الظروف التي نشأت . وجاء عنها ايضا أن البلدية تنوي ان تُشرك في الفعل الجمعية ـ الشركة لتطوير كفر عقب، ومنظمات محلية اخري تعمل في المكان . جاء القرار الحكومي في نيسان (ابريل) من العام الماضي أن تُقام جهة تسمي الادارة الجماهيرية لغلاف القدس ، مشتركة بين الحكومة والبلدية، تنسق اعطاء سكان الأحياء المقدسية وراء الجدار الخدمات. بدأت هذه الجهة العمل قبل شهرين فقط، بعد نحو سنة وخمسة اشهر من قرار اقامتها. فضل كولين هايمز، أحد أفراد الادارة المدنية في السابق والذي يترأس الآن الادارة الجماهيرية هذه، عدم اجراء لقاء من اجل هذا التقرير.آريه ديانكاتب في الصحيفة(هآرتس) 29/11/2006