يوسف القعيد بين هيكل والغيطاني ومكرم… بدون يوبيل ذهبي

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: التكريمات والاحتفاليات التي تقام للنجوم والكتاب والسياسيين والفنانين تتويجا لمسيرتهم وعطائهم خرجت عن نسق التقليد المتبع منذ سنوات والذي يضع معايير خاصة جدا لهذا النوع من التقدير .
تكريم الكاتب الروائي يوسف القعيد بمقر مؤسسة دار الهلال بعد بلوغه سن السبعين فتح باب الحديث حول أهمية الاحتفال والاحتفاء بالمبدع في حياته ليري أصداء عطائه ونجاحه بعد رحلة العمر الطويلة وهو الفعل الايجابي في عملية الثقة بين الكاتب والقارئ والأنسب لبقاء العلاقة بينهما وتأكيد دلالاتها الإنسانية .
يمثل الحفل الذي أقامته دار الهلال لأحد أبنائها المهمين متغيرا جديدا عما كان متبعا من قبل حيث كانت مثل هذه المناسبات الخاصة ترتبط بتوقيتات وتواريخ معينة كمرور 25 عاما على رحلة المبدع أو المبدعة، وهو ما يسمى بالعيد الفضي أو بلوغ الرحلة عامها الخمسين ومن ثم استحقاق الاحتفال بالعيد الذهبي، وهكذا حين يتضاعف التاريخ فنصل الى العيد
الماسي وتختتم عادة المسيرة ويتوج المشوار بالعيد المئوي أي بلوغ مائة عام من عمر الشخصية محو الاهتمام .
وقد اعتدنا ذلك في الاحتفال بالمؤسسات العريقة والأماكن ذات الطابع التاريخي والأثري، ولم يكن معهودا ارتباط هذا التقليد بالأشخاص اللهم في حالات استثنائية لقامات كبيرة مثل الأديب العالمي الكبير نجيب محفوظ باعتباره علما في مجاله الإبداعي والإنساني ويمثل تكريمه حدثا دوليا وعالميا، وبالقطع هناك من يعادل محفوظ في الأهمية والقيمة ولكنه المثال الأشهر والأقرب للشخصية المعاصرة التي تتجدد صورها دوما في الذاكرة الجمعية بوصفها صاحبة الإشعاع الأقوى على المستوى الثقافي والأدبي والحضاري .
وما يطرأ من تجديد واستحداث لمفهوم التكريم وأهمية وتسارع دوراته دون التقيد بمرور حقب زمنية معينة وما يرتبط بها من مسميات هو نوع من التقدير ورد الجميل لرموز جيل فني بذل وقتا وجهدا في الفكر والبحث والتنقيب وأقتطع من وقته وصحته ومتعته الشخصية أياما وشهورا وسنوات في سبيل رسالته الإنسانية إذ لا يمكن الفصل بين عطاء الأديب ومشواره المنجز الإنساني الذي يتجلي في التأثيرات العديدة للثقافة والفنون والآداب على مستوي الفرد والجماعة.
في هذا الإطار يمكن استحضار شخصيات مهمة كان لها الريادة في عملية التنوير فقد صنعت ثورات فكرية كعميد الأدب العربي طه حسين وقاسم أمين والعقاد وتوفيق الحكيم والمازني والرافعي وسهير القلماوي، ولهؤلاء امتدادات ثقافية تجاوزت المحيط المحلي مع إبداعات عالمية لمواهب كبرى مثل شكسبير وموليير ومكسيم غوركي وفوكو، فكل هؤلاء مثلوا حراكا ثقافيا ألقى بظلاله على جميع أوجه الحياة الاجتماعية والسياسية وكونوا العرق الوثيق بين العناصر الكونية قاطبة .
وبالعودة الى تكريم يوسف القعيد والاحتفال بعيد ميلاده السبعين يأتي حضور الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل والكاتب الروائي جمال الغيطاني ومكرم محمد احمد الرئيس الأسبق لمجلس إدارة مؤسسة دار الهلال دالا على كل هذه المعاني ومؤكدا لها، فبرغم ان هيكل لم يسهب كثيرا في حديثه عن القعيد ودوره الأدبي والإبداعي وترك المنصة لمكرم إلا أن حضوره كان له وقع خاص على المناسبة حتى أنه كاد يسرق الأضواء من كل الحضور .
تأخذ التكريمات والاحتفاليات أشكالا مختلفة، فهناك ما يقام رسميا تحت رعاية الدولة كعيد العلم وعيد الفن وعيد العمال وأعياد أكتوبر وعيد تحرير سيناء. وهذه مناسبات تنتخب خلالها شخصيات ذات صلة بجوهر الاحتفال ليتم تكريمها ومنحها الأوسمة والنياشين والأنواط وشهادات التقدير وقلادات التفوق باسم الدولة كقدامى المحاربين أو القيادات العمالية أو كبار العلماء أو نجوم الفن البارزين أصحاب الاسهامات الإبداعية المهمة.
هناك أيضا احتفالات وتكريمات تعمل على تنظيمها جمعيات أهلية ومؤسسات ورعاة رسميون وتعتني هذه بتقدير الأشخاص اصحاب الحيثية في مجالاتها وتمنحهم جوائز رمزية وعينية تعويضا عما فاتهم من تقدير الدولة إذا كانوا ممن سقطوا سهوا ولم تدرج أسماؤهم في لوحات الشرف أو أن يأتي تكريمهم منفصلا متصلا مع امتيازات التكريم الرسمي.
وقد حدث ذلك في مرات كثيرة متمثلا في احتفاء المؤسسات الثقافية والنقابات والجمعيات والاتحادات بقامات كبرى في حجم يوسف إدريس وإحسان عبد القدوس والدكتور علي الراعي والدكتور شوقي ضيف.
ولم يقتصر الأمر على الراحلين بل كان للأحياء منه نصيب وفير، فقد كرم عبد الرحمن الأبنودي وماجدة الصباحي وفاتن حمامة والدكتور أحمد زويل والدكتور مجدي يعقوب وأقيمت لهم احتفالات على نطاق واسع كانت دليلا على مكانتهم ومؤشرا دقيقا لتأثيرهم ودورهم البناء والمهم .
في النهاية فإن مراسم الاحتفال والتكريم والتقدير مهما اختلفت ملامحها وصيغ التعبير عنها فهي احدى سمات التحضر المجتمعي وعنوان تقدمه وتطوره، فبدون تقدير حقيقي لمن يبدعون ويفكرون وينجزون تنقطع الصلة بين الإبداع وأصحابه وتتحول المنجزات الفكرية وكأنها حرث في الماء .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية