بغداد- ‘القدس العربي’ – من صفاء ذياب: في تسعينيات القرن الماضي، أصبح الشاعر العراقي أحمد الشيخ علي مركزاً ثقافياً مهماً، فقد كان مكتبه ‘المدى’ ورشة لطباعة المجموعات الشعرية بطريقة الاستنساخ، وهو ما مثَّل في فترة الحصار الاقتصادي، أهم دار نشر عراقية، في الوقت الذي كانت الدور العراقية ترفض نتاج الشباب وتعده معارضاً للنظام القائم آنذاك. إلا أن الشيخ (النجف 1966) كان يعمل بصمت، يكتب نصاً مغايراً لكل ما ينشر حينها، نصاً له لغته الخاصة وأسلوبه الذي يمثل شخصيته المبتسمة دائماً. فأنجز خلال تلك الفترة أكثر من كتاب شعري حتى أصدر أول كتاب له (طائر الآن) في العام 1997، فتيقنا، نحن الشباب، أن هناك صوتاً مغايراً في الشعرية الجديدة. لأحمد الشيخ علي لغته التي لا تشبه لغة التسعينيين، ونصه الذي بصمه بصوته الخاص. عن الشعر، وقصيدة النثر، والحياة كان هذا الحوار:
* القصيدة بالنسبة لك حياة كاملة، فيها تفاصيل كثيرة، ولهذا عرفت بنصك الطويل. وبعض المجموعات يمكن أن نقرأها نصاً واحداً، مثل ‘من كتابها’، و’من كتابها ثانية’. كيف تنظر لبنية القصيدة، وهل هناك سيناريو تشتغل عليه قبل الشروع بها؟
*نعم، كل قصيدة هي حياة مكثفة. لها شؤونها وشجونها وتفاصيلها، ولكنني لا أتقصد كتابة نص طويل وآخر قصير، فلكل نص لحظته الخاصة ومداه الذي يقتضي شكله وفضاءه. فأنت تجد نصا طويلا قد يستغرق كتابا، كما في ‘شجرة العزاءات’ و ‘من كتابها’ في أجزائه الثلاثة، وتجد أيضا نصا ينتهي ببضع كلمات، نصا هو جملة واحدة. وبرأيي إن الشاعر لم يعد فطريا كما رسمته الفكرة الرومانسية؛ تكتبه القصيدة. ولم يعد مستساغا أن يجرد من وعيه كما أرادت النزعات الدادائية والسوريالية لتكتب القصيدة نفسها. الشاعر الآن خلاصة تجارب وفلسفات وأفكار، وعليه فأنا ابن عصري، شاعر أكتب القصيدة بوعي كامل، أقرأ الفكرة ولحظتها، لي إحساسي التام بالزمان والمكان والمناسبة، قصيدتي نتاج ثقافي واسع يستفيد من الموروث بقدر ما يستفيد من اللحظة الراهنة ولا يتوانى عن النظر إلى المستقبل..
في نصي تتحرك خطوط متوازية وأخرى متقاطعة مشكلة بناء خاصا. ذلك البناء هو أنا الشاعر وقصيدتي التي أنجزها. هنا عليّ أن أتريث قليلا لأفصل بين فكرة صناعة النص التي يمكن أن تتكفل بها الخبرة والدراسة والاستجابة الواعية لحياة النص ومحمولاته الشكلية والأسلوبية ونظامه العام ومزاجه اللغوي وإيقاعه واستعاراته وكناياته وصوره، وفي هذه الخصيصة نتحصل على القيمة الشعرية، ويتحقق لنا الفصل بين الشعر المطبوع والنظم المصنوع بالمعنى النقدي القديم.
* تميزت بلغة خاصة، لغة فيها شيء من التصوف، والديني والوجودي في آن واحد. ما المرجعيات التي أثْرت لغتك، ومن المعروف أنك درست دراسة دينية قبل أن تتهيأ لك دراسة الأدب والتخصص به في كلية الآداب بعد ذلك؟
*اللغة هي المادة التي نحتاجها لإيجاد الأدب، فالشعر والقصة والرواية وحتى الأجناس والأنواع الأدبية الأخرى لا يمكن أن تتحقق ما لم تكن هناك لغة من شأنها أن تمنحنا فرصة التواصل والتداول والمراجعة والنقد، هذا أمر عام وبديهي. ولو حاولنا أن نميز بين الآداب وأجناسها وأنواعها وأشكالها ستكون اللغة ونظامها هي المادة الأساسية القابلة للفحص والمعاينة والتمييز. هذه الحقيقة تدعونا إلى اكتشاف لغة شخصية خاصة تكون بمثابة هوية للأديب والشاعر، وهذا ما شغلت نفسي مبكرا في تكريسه ليكون ملمحا خاصا بنصي الشعري، لقد أفدت كثيرا من المتون الدينية وقاموسها، وتأثرت بلغة المناطقة وقرأت للمتكلمين العرب، ولم أغفل استثمار المعجم الصوفي فقرأت أشعار المتصوفة وكتبهم النثرية، واقتربت من تجاربهم كثيرا، فضاعف من دائرة قاموسي ووسع فيها، وبالتأكيد فإن اللغة العربية حافلة بأدب جم، ومعجمها باذخ الثراء لم أهمل حتى المهمل منه فاطلعت عليه بحكم تخصصي، ومن الطبيعي أن تكون لغتي ذات مسحة فخمة وعالية وقد عبر عنها بعض النقاد بأنها لغة بلاغية. ومهما يكن من أمر بهذا الشأن، فأنا لم أضع نصي رهين اللغة التراثية والمفردات القاموسية، بل أفدت من تلك اللغة بقدر حاجة النص وزاوية نظري لبنيته اللغوية والإيقاعية، في نصي تجد المفردة اليومية والمحدثة، بذات الأريحية التي تجد فيها المفردة المتحولة دلاليا عبر أزمان التطور وتقلبات المجتمع، وأزعم أن هذا التوجه يندرج في مستوى النص الثقافي، وما يحتمه التعاطي مع المعطيات التاريخية والأسطورية والرمزية وصولا إلى الآني والمبتكر أو المولّد والمبتدع. اللغة كائن حي من شأنه أن يديم الحياة في النص ويحركه دائما، ولا أتفق أبدا مع فكرة موت اللغة، طالما أجدنا توظيفها وأحسنّا تأثيث نصوصنا بها.
* في العام 1997 أصدرت مجموعتك الأولى ‘طائر الآن’، وهي ما قدمتك إلى الوسط الثقافي بالشكل الصحيح، وبعدها ‘براثا’ و’أحدهم كسر غصن الماء’، كيف تصف التطور في نصك الشعري منذ كتابك الأول، وصولاً للمخطوطات التي لم تطبع بعد؟
*صدرت مجموعة ‘طائر الآن’ عام 1997، وهي جزء من مجموعة أكبر كنت أنجزتها عام 1993، ولأسباب موضوعية اكتفيت بنشر المجموعة مختصرة، فقد كان الحصار الذي شهده العراق سيد الموقف، وكان الوضع السياسي يكرس واقعا مزدوجا للثقافة العراقية، فكان المتن لصالح النسق التعبوي الذي امتد منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وصورته العسكرية ذات الصوت الصاخب واللون الكاكي والإيقاع الموغل بالأراجيز والأهازيج والعموديات التي تستعيد الجاهلية وأيام العرب والبطولات الحماسية، إذ كانت الحرب مع إيران هي اللحظة الراهنة والممتدة. وبالمقابل من هذا المتن الصلد، كان هناك الهامش المتمرد والهش في الوقت نفسه، إنه هامش القصيدة التي تستأثر للحداثة وتتطلع للتغيير وتراهن على خلق فضاء حر يليق بالشعر العراقي، وأنا كنت في بواكيري ابن هذا الهامش، بدأت بنشر نصوصي منذ أواسط الثمانينيات، وتأكد حضوري في مطلع التسعينيات، ولكن تأخر منجزي ولم ير النور إلا في سنوات لاحقة، وبعد كتابي الأول صدر لي في مدريد كتابي الشعري الثاني ‘براثا’ عام 1998، وحمل ثلاثة نصوص كتبت على التوالي في 1993 و 1994 و1995، وكان علي أن أنتظر حتى عام 2003 ليرى النور كتابي الثالث ‘بين الـ (هنا) والحلم’ وهو الكتاب الفائز بجائزة الشارقة للإبداع العربي، وحمل نصوصا كتب معظمها في الثمانينيات ومطلع التسعينيات، وجميعها نصوص موزونة ومن شعر التفعيلة. لقد كانت الظروف غير مؤاتية أبدا لينشر الشاعر شعره تبعا لتطوره تاريخيا، ولكنني أنجزت مجموعات عديدة تمثل تحولا دائبا في النزوع الشعري، ولو توافرت هذه المجموعات على قراءة نقدية متفحصة، لكان جليا أن كل مجموعة منها تنحو إلى توجه شعري خاص، وكل مجموعة تمثل تطورا على مستوى الوعي بالشعر وبالحداثة وما بعد الحداثة، وأزعم أن نصي الجديد يكرس هذا التوجه، وهناك عمل نقدي كبير أنجزه الناقد العراقي أثير عادل يتناول تجربتي الشعرية إلى جنب تجربة الشاعر العربي نوري الجراح، والنزوع إلى ما بعد الحداثة بإزاء المنجز الشعري العربي الذي ما زال يجتر الحداثة ويشهد مآلاتها. ومن المؤمل أن يصدر هذا العمل النقدي في كتاب قريبا.
* كنت مصراً على كتابة قصيدة النثر، إلا أن نصك اختلف عن الآخرين بطوله وبنائه كما قلت، وهذا ما لمسناه في ‘براثا’ وغيرها من القصائد المنشورة لك في الصحف والمجلات. ما المعايير التي تشكلت عليها قصيدة النثر لديك؟
*كتبت قصيدة النثر كما كتبت قصيدة التفعيلة، وكتبت شعرا حرا لا يستجيب للمحددات النقدية لقصيدة النثر بمعناها الدقيق الذي توارثناه منذ لحظة سوزان بيرنار في ‘قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا’ وقد ترجم هذا الكتاب في العراق خلال الثمانينيات، وهو البادرة التي أشعلت مصطلح قصيدة النثر في النقدية العربية عندما عرض أدونيس أطروحة بيرنار في مقالة بمجلة شعر عام 1960، ما أكتبه يحمل توصيفا شاملا؛ إنه ببساطة ودقة أيضا شعر، أما الاختلاف الذي راهنت عليه فلم يكن في طول النص وقصره وشكله وطبيعة عرضه على الصفحة؛ في فقرات أو سطور أو أشطر. أنا أكتب شعرا مختلفا من حيث مضمونه وتناول ثيماته وتحركه الزماني والمكاني، وكذلك وجود الشاعر في النص وصوته المتعدد بتعدد الضمائر، فضلا عن الرهان على الصورة المبتكرة والخاصة مع الحساسية اللغوية، كل ذلك يجعلني أراهن على اختلافي، أما إلى أي مدى تحقق لي ذلك فلا أجد مسوغا لتمرير نرجسيتي هنا، وأترك الرأي للنقد والنقاد. بقي أن أشير إلى أن تجربتي مع النصوص الطويلة التي ظهرت في كتاب ‘براثا’ الذي اشتمل على ثلاثة نصوص هي ‘نص الأسئلة’ و ‘نص المرثية’ و’نص العشق’ لم تكن جديدة وفريدة في تجربتي، فمجموعتي التي لم تر النور على الرغم من فوزها بجائزة حسب الشيخ جعفر عام 1999 ‘أحدهم كسر غصن الماء’ تتضمن ثلاثة نصوص طويلة أيضا، هي زوايا نظر متعددة لخريطة حياة وتجربة ذاتية، بمعنى آخر هي نص واحد في ثلاثة نصوص، ومثل ذلك الأمر نجده بشكل أكثر عمقا في كتابي الذي لم يصدر بعد ‘من كتابها’ فهو ثلاثة كتب شعرية في كتاب واحد، إنه كتاب العشق والجسد وتحولاتهما التي لا تنتهي. بالتأكيد لست في موقف يضطرني مناقشة مسألة طول القصيدة وما إذا كانت هناك قصيدة طويلة في الأصل، والفرق بين القصيدة الغنائية والملحمة. القصيدة التي أكتبها تكتفي من حيث بنيتها وتكون ناجزة بعد أن تتحقق لي القناعة بذلك، وعلى كل حال، فأنا لا أجد تعارضا أبدا بين التكثيف والتطويل في القصيدة، فربما تجد قصيدة طويلة مكثفة، كما تجد قصيدة قصيرة متهلهلة، وربما تطول القصيدة كثيرا ولكنها تبقى مبتسرة وغير تامة. الشعر لا يقاس بعدد الصفحات وعدد الأسطر وكثرة الكلام وقلته. الشعر حياة فقط، ربما هو تقريبا حياة.
* كتبت رسالتك في الماجستير ‘مفهوم قصيدة النثر في النقد العربي، الأصول والتحولات’، ما النتائج التي خرجت بها؟ وهل هناك قصيدة نثر عربية خالصة، لا تشبه النص البودليري أو قصيدة النثر الامريكية؟
*ما تناولته في رسالة الماجستير هو مفهوم قصيدة النثر وليس القصيدة نفسها، بمعنى أن اشتغالي البحثي كان منصباً على تحولات هذا المفهوم منذ نشأته في النقدية العربية، وفي العموم فإنّ قصيدة النثر التي اشتبكت مع مفهومها تمثّل؛ بحدّ ذاتها، تحوّلاً من تحوّلات الوعي بمفهوم الشعر عربيّاً. فعلى الرغم من المحاولات الكثيرة لتقديم مفهوم للشعر خارج الأطر الوزنية التي استمرت لصيقة بمفهوم الشعر في المنظور النقدي العربي على تعاقب مراحله، ولا سيّما في متون فلاسفة ونقاد من قبيل الفارابي والقرطاجنّي وسواهما، ممن غلّب التخييل والتصوير على حدود الوزن والقافية في وضع قوانين الشعريّة العربيّة بشكل عام. إلا أنّ اللحظة الجوهريّة، بالاستناد إلى قيمة الوثيقة النصيّة، بدأ مع تحرر القصيدة العربيّة من قيودها الكلاسيكيّة إذ بدأ الشاعر كما الناقد العربيّ يدرك أنّ الوزن ليسَ هو الحدّ الفاصل بين الشعر واللا شعر. ذلك أنّ مفاهيم الشعريّة التقليديّة بدأت بالانهيار أمام حقيقة وجود هذا الشكل الشعريّ المتمرّد على تلك الثوابت التي استغرقت تأريخ الأدب العربيّ منذ فجره حتّى عصر ظلاميته، قُبيل الثورة الفكريّة التي عرفها العالم والتي شاعت تسميتها في ما بعد بعصر النهضة. في رسالتي للماجستير وضعت ما يمكن أن أدعوه سيرة ذاتية لقصيدة النثر في الأدب العربيّ، وقد وجدت أنّ مفهوم قصيدة النثر إنّما تجلى في ثلاث مراحل تأريخيّة قسّمتها ابتداءً من لحظة مبكّرة رأيتها صالحةً بحكم المعطيات التأريخيّة الاجتماعيّة والايديولوجيّة والثقافية التي رصدتها، فكانت المرحلة النشوئيّة ومن ثمّ المرحلة التأسيسيّة التي استقرّ فيها مصطلح قصيدة النثر وأخيراً انتهيت إلى المرحلة التكريسية التي شهدت انفجار هذا الشكل، كما شهدت حجم التحوّلات المتحققة في مدوّنته النصّيّة. ما استدعى نشوء مصطلحات بديلة أو مجاورة حاولت الوقوف بمصاف المصطلح الرسمي (قصيدة النثر). لقد كانت الرسالة سؤالاً مركباً منطوقه؛ ‘هل نحن بإزاء قصيدة نثر معلومة لها قوانينها المحددة، أم أنّ هناك قصائد نثر متعددة، تقتضي منطقيّا قوانين متعددة بتعدد المراحل التأريخيّة، أو بتعدد الشعراء والأساليب والرؤى التنظيريّة، وهل توليد المصطلحات البديلة أو المجاورة ضرورة ناجمة عن هذا التفكير الكامن في العمليّة الإبداعيّة، أو هو سياق وعرف استدعته الرغبة التجزيئيّة- التفكيكيّة التي تحاول أن تنظر بعين المجهر إلى المكوّنات الأدبيّة؟’، هذا السؤال المركّب يدخل حتماً في صلب الفعل التجريبي للعمليّة الإبداعيّة، المتمثلة بقصيدة النثر التي انتهيت إلى عدها شكلاً من أشكال القصيدة الغنائية التي تمثّل بدورها قاسما من قواسم الأنواع الأدبيّة الكبرى كما صار متعارفاً عليه في النظريّة الأدبية. أما ‘قصيدة النثر العربية’ فهو من المصطلحات المجاورة، برأيي، ومثله مصطلحات كثيرة أخرى قاربت أو جاورت مصطلح قصيدة النثر، بعضها كان بديلاً ميتاً لغوياً عن المصطلح الأم وقصد الشكل الشعري عينه، وبعضها جاء مشاكلاً للمصطلح الأم وعنى شكلا شعريا آخر، وفي العموم كانت مرحلة الماجستير رحلة تعلم أفدت منها كثيرا، وأسهمت في تشكل وعيي النقدي بإزاء العالم.
* قلت ‘الشعر إذن هو الحياة التي نراهن عليها’، هل تعتقد أن الشعر كيان مستقل نعيش من خلاله حياتنا التي بنيت على انكسارات متتالية؟ وكيف نفهم الحياة من خلال الشعر؟
*من وجهة فلسفية لا تخلو من بواعث نفسية خاصة أراهن على الشعر بوصفه حياة أسهم في خلقها، بمعنى أنني أكون فاعلا ومنفعلا فيها، وهذا ما لا يتحقق بالمعنى الفعلي للحياة الواقعية التي ننفعل فيها بشكل سلبي، الإنسان فاعل محدود في الحياة، لا يختارها، ولا يحدد ملامحها، ولا يتفق بالضرورة على زيفها وعبثها وخواتيمها. أما الشعر فهو الحرية المطلقة، يمكن للشاعر أن يختار قصيدته، ويعيش طياتها وهوامشها وثنياتها ومساربها، بإرادته هو، وعلى وفق خياله. الشعر حياة موازية تستجيب لإرادة الشاعر، فيها يتغلب على انكساراته النفسية والجسدية، وفيها يمارس خلوده بالكيفية التي يشاؤها. هكذا يمكن للشاعر أن يفهم حياته الواقعية ويقلل من ضغطها عليه.
* كتبت للمسرح نص ‘تراميديا’، وفازت بعدة جوائز داخل وخارج العراق، لكنك لم تكرر هذه التجربة؟ هل سرقك الشعر عن المسرح؟ أو أن المسرح لم يعد مجدياً لتمثيل ما نعيشه على هذه الأرض؟
*’تراميديا.. الأرض التي ماتت’ نص وفيٌّ للمسرح في بنائه وتعدد شخوصه وفضائه، عالج قضية الدكتاتورية والحرب، ولكنه لم يبتعد أبدا عن الشعر، في هذا النص نجد أن الأرض ترفض استقبال الموتى، وأنها أصبحت بيضة من حديد، الناس في تراميديا يموتون عطشا لأن الملك يسرق النبع ليروي عطش ببغائه الذي يمدحه دائما، في هذه المسرحية التي انتهيت من كتابتها عام 1993 بعد مدة ليست طويلة من لحظة الموت التي أصابت العراق عقب أحداث حرب الخليج الثانية وما شهدناه من ثورة شعبية كبرى قدر لها أن تفشل وتسحق أبناءها وأنا منهم عن طريق آلة الموت التي كان الدكتاتور يبرع في استخدامها ضد أبناء شعبه. في تراميديا تحاور الشاعر مع المجنون، والميت مع الحي، والواقع مع الخيال، والتراجيديا مع الكوميديا. إنه نص خاص اقتضته لحظة خاصة في تجربتي الإبداعية، ولم يكن هو النص المسرحي الوحيد الذي أكتبه، ولكنه الوحيد الذي قدم على المسرح وشاهده الناس. ولم تكن وسيلة الكتابة الوحيدة التي تبتعد عن الشعر قليلا وتتضايف مع أجناس إبداعية أخرى، فهناك محاولات في كتابة القصة ولي مجموعة لم تنشر في كتاب يحمل عنوان ‘ليلة السيدة المجنحة’ وهي نصوص في القص كما يطيب لي أن أصنفها، منها نص ينفتح على أجناس عديدة، مسرحية مونودراما، ومشاهد بانتومايم، وسرد قصصي بعنوان ‘الحرب التي لم أكتبها وموتي المفاجئ فيها’. لقد حاولت في مختلف مجالات الإبداع ولكن الشعر هو القيمة العليا والحاضرة في كل ما أكتب.
* على الرغم من أنك تكتب قصيدة النثر، إلا أنك شاركت بمجموعة ‘بين الـ (هنا) والحلم’؛ وهي نصوص تفعيلة، في مسابقة الشارقة وحصلت على الجائزة في العام 2002، لماذا العودة للتفعيلة؟ وهل كتبت هذه المجموعة للمسابقة فقط، أو أن الشكل لا يعني لديك إلا وعاءً تشتغل عليه؟
*لم أعد في هذه المجموعة إلى التفعيلة، بل عمدت إلى جمع نصوص مبكرة بعضها يعود إلى الثمانينيات وأسلكتها في هذه المجموعة، وعلى كل حال، فأنا لا أتفق مع النظرة التي تحصر الشعرية الجديدة في قصيدة النثر. كما أن الخطأ المتكرس في الأذهان هو المسؤول عن الاعتقاد بأن قصيدة النثر أو الكتابة خارج الوزن آخر تجليات الشعر العربي. الحقيقة إن قصيدة التفعيلة انبثقت تاريخيا بعد الكتابة خارج الوزن ولنا وثائق تعود إلى مطلع القرن العشرين وربما أسبق من ذلك، كان الشعر فيها حرا وبلا قيود وزنية، أما قصيدة التفعيلة فلم تستقم إلا مع شعراء الريادة لهذا الشكل في العراق أواسط عقد الأربعينيات.
* ما المشاريع القادمة لديك، خصوصاً وأن لديك أكثر من مخطوطة شعرية لم تطبع حتى الآن؟ ولماذا هذا التماهل في طباعة نصوصك الشعرية؟
*أعترف بكسلي بشأن منجزي الشعري، ولا سيما تماهلي بنشره، بالتأكيد كانت هناك بواعث وجودية جعلتني أتلبث وأقاوم رغبة النشر، ولكنني الآن أنظر إلى تسعة كتب شعرية بإشفاق، فضلا عن كتاب مسرحي وآخر قصصي، ناهيك عن كتب نقدية ودراسية بينها رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراه. أنا غزير في إنتاجي شحيح في إظهار هذا المنتج، ولكنني أعيد النظر في موقفي وبدأت فعليا بإعداد مجموعاتي الشعرية للنشر بينها ‘ربما تصير الأغنية بيتا’ و ‘يا ملك وقصائد نثر أخرى’ وآخر هذه المجموعات ما انتهيت منه قبل عام ‘على بعد دهشة’ عدا نصوص متفرقة وأخرى جديدة لم ينتظمها كتاب.