‘من الآخر’ لعايدة صبرا: المونولوج سينوغرافياً

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من عامر أبو حامد: الحشد الذي يشهده مترو المدينة في بيروت كل اثنين وثلاثاء على أبواب مسرحية عايدة صبرا ‘من الآخر’ غير مسبوق ومفاجئ قياساً بحركة المسرح اللبناني في الآونة الأخيرة.
العرض الذي كتبته وأخرجته وأدته صبرا يحمل في طياته استعادة حيوية لتنويعات وابتكارات مسرحية عديدة ويستهدف فئات عمرية واسعة من الشباب إلى المتزوجين. على الرغم من أن ثيمة العرض قد تبدو مألوفة جداً للوهلة الأولى، فموضوع الحياة الزوجية ومفارقاتها ليس بجديد على الخشبة، صبرا نجحت في سيناريو وإخراج فريدين لفكرتها.
جومانا الزوجة الخمسينية كانت ستكمل يومها كأي يومٍ عادي من وراء الستارة. تتحضر للخروج مع زوجها الذي ينعتها بالـ’ختيارة’ بسبب تأخرها عليه. هذه الحادثة ستسبب انكشاف حياة جومانا إلى المسرح، انزياحاً لمدة ساعة واحدة في حياة زوجية طويلة يضع صبرا في مواجهة نفسها لتدخل في مونولوغ عميق ومليء بالتفاصيل.
بين الحكواتية والستاند أب كوميدي تفكك، صاحبة الباع الطويل في المسرح والدراما، المؤسسة الزوجية بمفاهيمها المعقدة كالحب والخيانة والجنس إلى كليشيهاتها المضحكة والسخرية الحديّة منها. الجمهور المتفاعل مع صبرا في كل مشهد يشاركها سردها، التفاصيل الزوجية واليوميات التي تقصها جومانا هي اليومي ذاته الذي يعيشه المتابعون في علاقاتهم الزوجية، كثيراً ما تظهر أثناء العرض علامات التفاعل مع صبرا، خاصة وأنها توجه الأسئلة لهم باستمرار باعتبارهم العقل الداخلي للمونولوغ القائم. ذلك العقل الذي يدفع صبرا لتثبيت هواجسها وتضخيمها. فعندما تطرح أسئلة عن البرود في العلاقة الزوجية وفتور وهج الحب سيذهب باطنها إلى الخيانة مباشرة، يشتغل الحدس البوليسي المضحك لجومانا عندما تبدأ بتقصي الحقائق وإعادة تأويل المواقف لتثبت لنفسها أن زوجها يخونها.
التداعي المونولوغي للنص يسوق جومانا من حالة إلى حالات أكثر تطرفاً، نعت ‘الختيارة’ سيتضخم على مسار العرض ليتحول لإسئلة عن الذات والشهوة والتقدم في العمر. مواقف طريفة ترويها جومانا عن علاقتها بزوجها تظهر مدى تصلب هذه العلاقة مع الوقت وتفرغّها من المشاعر والحميمية.
ثلاثون عاماً من الزواج حوّلت حياة الزوجين إلى تنافرٍ دائم وتعايش قسري. تضع صبرا الزوج في سياقه الذكوري المجتمعي، لا تتوانى عن السخرية من التفكير الذكوري السائد الذي يتعاطى مع المرأة بشكل أداتي جنسي، ولا يقيم وزنا لشخصيتها ، كما لا يقيم الزوج وزنا لميداليات جمانة الرياضية. في هذا السياق تعرض صبرا على الشاب المثقف والجغل والزنغيل وتعاطيهم مع الأنثى بحيث يستخدم كل منهم أدوات مختلفة للوصول إلى مبتغى جنسي واحد.
صبرا لازالت تحتفظ بخفتها المسرحية، حركتها على الخشبة رشيقة جداً وتذهب إلى كل ما يتطلبه المشهد جسدياً، تلطم على وجهها، تبكي، وتركض، تروح وتجيء لتملأ المشهد على طول العرض. وقد تجد حاجة لأن تقول في لحظة معينة ‘عبالي أرقص’ لتشتغل الموسيقى وترقص بشغف ورشاقة. لكن صبرا لوحدها ومنولوغها العميق تم كسر رتابتهما بأكثر الطرق إبداعاً على خشبة المسرح، لا بل تمت مسرحتهما بشكل فائق المشهدية بحيث تمتلىء الخشبة حرفياً بالتفاصيل من خلال الشخصيتين المرافقتين لعايدة في عرضها.
طالبا المسرح ماريليز عاد وإيلي نجيم رافقا صبرا بأدوار متعددة في العرض، فمن دور الأولاد، إلى دور الزوج وأدوار أخرى عبارة عن تمثيليات صغيرة ترويها جومانا من ذاكرتها وهواجسها ويؤديها الشابان باحترافية على الخشبة. إلا أن الدور الرئيسي للشخصيتين المرافقتين للعرض هو فلش المنولوغ على الخشبة كاملةً، تمثيل الأفكار والهواجس وتجسيدها إيمائياً وكرتونياً وسينوغرافياً. الجمهور لم يكن يستمع لجومانا المتخبطة فحسب بل كان يرى ما يدور في رأسها مشهدياً، يلتف الشابان حولها، يحملانها، ويجسدون بالرسومات والكرتون والأقنعة الشخصيات والحكايا والأفكار التي تمر بالسرد. عاد ونجيم كسرا واحدية الموضوع وحولا العرض إلى دينامية متحركة تستخدم حتى المفرقعات لتحيي المشهد.
عندما يصل المونولوغ إلى الذروة الدرامية، تتبدى عقامته وعبثيته، إذ أن هواجس صبرا تكاد تبتلعها بسبب عجزها عن إدارة علاقة زوجية جيدة بعد 30 سنة من الزواج. عندها يبدأ السرد بالتقهقر فنرى جومانا القوية الحيوية تنهار باكيةً في نهاية العرض، لتختم الانزياح بأن يكون الزوج مازال في البيت ينتظرها كي تذهب معها لحفل التكريم، تستدرك نفسها، تلملم أحزانها وانكساراتها لتنتصر للزوج والحب القديم، محطمةً ما ظنناه محاولة لتهشيم فكرة الزواج والخلاص إلى تخريبها بشكل نهائي. عودة جومانا إلى زوجها هي عودة تنفي ما قبلها، هي عودة كل امرأة إلى زوجها وضعفها بعد توهمها لحظات القوة، تلك اللحظات العابرة جداً في هذا المجتمع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية