دول الربيع… الإثمار العفن أو العقم؟

حجم الخط
1

ما زالت دول الثورات العربية تترنح بين الأزمات المتتالية والمتنوعة، وما زال شبح العنف والفوضى لا يفارق أغلبها بل كلها. فها هي ليبيا التي خرجت من حقبة أطول حكم تقريبا في الزمن الحديث، تدخل في أتون الفوضى والسلاح المنتشر، وها هي دمشق الشهباء هي الأخرى ما زال صيفها قائضا وما زالت تقاوم حكما جائرا حكم بالحديد والنار باسم الممانعة والفحولة العربية، أما تونس فربما الأحسن حالا والأزمات تخنقها.
إن الناظر الى أحوال العرب قبل هذه الثورات لا يرى غير فساد استشرى في كل القطاعات وحكومات ورؤساء ربما كانوا الأعجز عن تغيير حال مجتمعاتهم ولو بنسب ضئيلة، بل حتى الجوانب المضيئة في سياسات الرؤساء العرب كانت تحجبها عتمات وظلام دامس في نواح أخرى. والإنسان العربي ربما كان الأكثر ترديا في مستويات حياته كافة.
بعد الثورات التي خلخلت وزلزلت أركان الطغيان واعتبرت تحويلا لمجرى التاريخ، أو تاريخا جديدا من المجد يصنع، وبعد سقوط رؤساء بعض الدول لم تجر الأحداث في هذه الدول بالشكل نفسه ولا يمكن أن نتخيل أن المواطن العربي في عموم هذه الدول لا يتمنى الاستقرار في بلاده خاصة إذا كان يعلم أنه هو نفسه المسرح، وإن ارتكبت الجريمة فعليه .
أكثر من ثلاث سنين على مختلف الثورات وواقع اللا استقرار هوالواقع. لا استقرار يبدأ من الأوضاع الاجتماعية المعيشية للمواطن ويصل حد العنف المسلح و’الارهاب’ الذي طال رجال الشرطة والجيش والمواطنين العزل. كما لا يخفى عنف الدولة الممارس على بعض التيارات خاصة في مصر بعد الانقلاب ضد جماعة الأخوان المسلمين، والاختراقات التي حصلت للتيار الجهادي في تونس وما مارسه من ‘إرهاب’، فتم استهداف أبرياء آخرين لا يتبنون بالضرورة العنف.
هذه الأوضاع المضطربة تسعى الحكومات المختلفة أو الأطراف الفاعلة في بلدان الثورات إلى تجاوزها عبر الحد من تداعياتها بالحلول الأمنية لمواجهة العنف، ومقاومة الأوضاع المعيشية المتردية لتحقيق الهدنة الاجتماعية. أي أنه ثمة إرادة داخلية، مهما كانت نسبتها وقدرتها وطريقة ممارستها، لتجاوز المشكلات. ولكن لا يمكن بأي حال أن نتغافل الحديث عن الإرادات الدولية ومشاركة القوى الفاعلة في توجيه السياسات الداخلية لهذه البلدان فيما بعد الثورات لخدمة مصالحها وتحقيق أجنداتها.
في ظل عالم متشابك ومتداخل لا يغيب فيه أي مكان وفي كل لحظة بفعل وسائل الاتصال الحديثة وما تمارسه من رقابة، يفتقد مفهوم السيادة خصوصياته، فيصبح ما يحصل في داخل دولة ما موضوعا للفرجة في بقية الدول والمجتمعات. وفي ظل تشابك مصالح الدول الكبرى المهيمنة على الساحة الدولية، تصبح ما دونها من دول مسرحا لصراعات الشركات العملاقة، وتحديد أهمية بلد ما يكون عبر ما يملكه من ثروات وما يمكن أن يضمنه من مصالح .ولذلك لا بد أن تكون الاعانات والاستقرار… بشروط.
بالعودة إلى الأوضاع في دول الثورات العربية يتشابه تقاطع المصالح الأجنبية فيها. سوريا اليوم التي تشهد حربا طاحنة والشهداء فيها مجرد أرقام، ربما كان بإمكان ما يسمى المجتمع الدولي والقوى العظمى التدخل لصالح الشعب السوري بطرق مختلفة، ولكن ما دامت سوريا مسرح حرب لا مصالح فيها على الأقل حاليا، فالأفضل في تقديرات هذه القوى النظر من بعيد، ربما حتى تطفو المصالح فوق الجثث وسواقي الدم السوري.
في تونس أيضا تبدو حالة الاستقرار والانتقال مشروطة، فالدستور كان في بعض فصوله مفروضا من الأجنبي، والحالة الاقتصادية الصعبة استدعت رئاسة الحكومات المتعاقبة لانتهاج سياسة الاقتراض للخروج بالبلاد من الضائقة المالية المتصاعدة ودائما ما يكون الرد ‘الإيجابي’ … بشروط.
بل إن ما يبدو على الصعيد السياسي أن دعم الانتقال الديمقراطي مرتبط أيضا بضرورة مهادنة فلول النظام البائد لأنهم في حسابات بعض الدول هم الذين يحدثون توازنا في الساحة السياسية مقابلا للتيار الإسلامي المغضوب عليه أبدا مهما كانت درجة ‘اعتداله’.
يبقى أن نقول إنه من حق كل الدول أن تضمن لها مصالح في الدول الأخرى وأن تسعى للحفاظ عليها بطرق مختلفة. والدول العربية هي الأكثر ثروات تقريبا والأكثر ضعفا وتوترا لذلك لا غرابة أن تخترقها الشركات الأجنبية لتحقق عائدات هائلة ولا يبقى للشعوب غير الفتات.
إذن فإن الواضح اليوم بعد ثورات ما زالت تشهد يوميا الكثير من الانتكاسات، أن الشأن الداخلي العربي عموما وخاصة في الدول التي قامت فيها الثورة عرضة لاختراقات وتكالب القوى العظمى ذات المصالح المتدافعة، بما يعني ترسيخ أقدامها وتوجيه السياسات الداخلية العربية والتحكم في الإرادات السياسية، وربما يكون الاخطر، التحكم المطلق في مصير الثورات فإما خدمة المصالح الأجنبية وإما هتك أعراض الوطن. والقاعدة طبعا تقول.. إن الدول الضعيفة قابلة لأي نوع من الغزو.
حمزة اللطيفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية