امريكا دولة ارهابية رائدة علي هذا الصعيد وجرائمها تمتد من افريقيا الي آسيا وامريكا اللاتينيةما معني تجويع أمريكا للمدنيين الأفغان.. وضرب مصنع ادوية للفقراء.. وقتل نصف مليون عراقي؟
قراءة د. سعيد بوخليط نشرت دار النشر الملتقي إلي سوق القراءة والتفكير، الترجمة العربية للحوارات التي أجراها المثقف والمفكر الأمريكي الكبير نعوم تشومسكي Chomsky، مع مجموعة من وسائل الإعلام الدولية بخصوص رأيه في ما وقع يوم 11 ايلول (سبتمبر) بالولايات المتحدة الأمريكية، وكذا مختلف الحيثيات والسياقات التي يمكن أن تساعد علي تأويل موضوعي للحدث.
نعوم تشومسكي Chomsky، كما يعرف الجميع، لا يدخل في خانة المثقفين العاديين، فهو: أحد الرموز المؤسسة للدرس اللساني الحديث من خلال تطويره لنظريته في النحو التوليدي، وباحث رصين في الابستمولوجيا وتاريخ العلم، ومفكر في مجموعة من القضايا الفكرية والسياسية. ثم بين ذلك كله مناضل تقدمي، يقف إلي جانب نضالات الشعوب المستضعفة من أجل الحرية والديموقراطية. يفضح باستمرار وفي كل مناسبة، التوجهات الاستعمارية والإمبريالية للتحالف الأمريكي الصهيوني، خاصة حيال قضيتنا الفلسطينية.
أجري تشومسكي Chomsky هذه الحوارات عبر البريد الإليكتروني مع صحافيين ينتمون لوسائل إعلام أمريكية وأوروبية، بعد الهجوم الذي وقع في 11 ايلول (سبتمبر) 2001 علي مركز التجارة العالمي ومقر الدفاع الأمريكي البنتاغون. فإليك أيها القارئ أهم الإشارات القوية:
أشار تشومسكي Chomsky بداية، إلي استثنائية يوم 11 ايلول (سبتمبر) في منظومة الوقائع الدولية، حيث لأول مرة تتم مهاجمة أمريكا في عقر دارها. لذا، فالمقارنة مثلا مع أحداث بيرل هاربر يبدو فيها نوع من التشويش والتضليل التاريخيين. لأنه في 7 كانون الاول (ديسمبر) 1941، هوجمت القواعد العسكرية الأمريكية في مستعمرتين أمريكيتين ولم يتم المساس بالأراضي الأمريكية.
للمرة الأولي إذن، تتوجه فيها البنادق إلي الاتجاه المعاكس. لقد أبادت الولايات المتحدة الأمريكية سكان البلاد الأصليين، أي ما يقرب من 112 مليونا وضمت نصف مساحة المكسيك، ثم تدخلت في هاواي والفلبين ومناطق كثيرة من العالم.
نفس الأمر كذلك حدث مع أوروبا، فقد اجتاحت جيوشها مناطق عديدة، لكن (لم يهاجم الضحايات هذه الجيوش إلا في حالات نادرة). (ص 6) لذلك، فإن حدث 11 ايلول (سبتمبر)، تميز أساسا بطابعه النوعي، والكيفي في سياق التاريخ المعاصر.
هناك إحساس كبير بالمرارة والظلم من السياسة الأمريكية، يتجلي أساسا في بعدها التسلطي المعادي للديمقراطيات والحريات، ودعمها لأنظمة فاشية غير وطنية، ضدا علي حرية الشعوب وسعيها الحثيث للانعتاق التاريخي. يقول تشومسكي Chomsky : (استطلعت جريدة وول ستريت آراء الرأسماليين المسلمين في المنطقة: مدراء بنوك، مهنيين، وتجار لهم علاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية. لقد أكد الجميع جزعهم وغضبهم ضد دعم الولايات المتحدة الأمريكية للدول المتسلطة، وضد الحواجز التي تضعها واشنطن أمام النمو المستقل وأمام الديموقراطية بسياساتها المساندة لـ الأنظمة الظالمة. فمواقف أمريكا غير متوازنة ما بين العراق والاحتلال العسكري الإسرائيلي. لذلك فالمشاعر أيضا عند جماهير الفقراء والمقهورين متطابقة وأكثر مرارة وهم متألمون من رؤية ثروات المنطقة تتدفق إلي الغرب وإلي أقلية محلية يحتضنها الغرب، من الحكام الظالمين والفاسدين). ( ص7 ). إن الهجوم علي أمريكا، كان من تدبير عناصر خارجية، وبالتالي ينفي تشومسكي Chomsky هنا تواطؤ المخابرات المركزية الأمريكية C.I.A كما أشارت إلي ذلك بعض التحاليل والكتابات. لكن مع ذلك، فإن مساهمتها قائمة بشكل غير مباشر، حيث عملت مع المخابرات الباكستانية والسعودية، وكذا البريطانية في تجنيد وتسليح الأصوليين المتطرفين وتعبئتهم ضد القوات الروسية في أفغانستان. وبعد انتهاء الحرب، توجه هؤلاء إلي أماكن مثل البوسنة والشيشان، وتلقوا مزيدا من الدعم الأمريكي.
بعد أحداث 11 ايلول (سبتمبر)، واشتعال الهيستيريا الأمريكية، تم أولا توظيف عبارة حرب صليبية، لكن تبين للإدارة الأمريكية حسب تشومسكي Chomsky، بأن تسمية كتلك يمكن أن تضعف تحالفها داخل العالم الإسلامي، لتستعمل بعد ذلك كلمة حرب.
توظف أمريكا إذن، انطلاقا من منظور ديماغوجي تكتيكي المعجم الذي تحتمه طبيعة الظرفية ونوعية الموقف. لقد نعتوا أحداث الخليج العربي ( 1991 ) بـ حرب، أما اصطدامهم مع الصرب فقد سموه تدخلا إنسانيا: (هل كان التدخل في كوسوفو إنسانيا، حقيقة؟ ! من الممـــــكن، إنها المرة الأولي التي يحصل فيها مثل هذا الأمر في التاريخ وقد أصبح أمرا واقعا محتوما ( … ) إن اللفظ المناسب هو جريمــــة أو لعله جريمة ضد الإنسانية ) (ص 9 ). بالنسبة لتأثير 11 ايلول (سبتمبر) علي الوضع السياسي بالشرق الأوسط، وبالأخص صراع الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي، فإن الأمر انعكس بالتأكيد سلبا، يتصور تشومسكي Chomsky. لأن: (إسرائيل تتهلل علنا وتنتهز الفرصة السانحة التي قدمت لها لتسحق الفلسطينيين وتضمن سوء العاقبة. لقد دخلت الدبابات الإسرائيلية، في الأيام القليلة التي أعقبت هجوم 11 ايلول (سبتمبر) إلي المدن الفلسطينية (جنين، رام الله، وأريحا للمرة الأولي)، اغتالت العشرات من الفلسطينيين وأحكمت قبضتها الحديدية علي السكان بالضبط كما كان متوقعا) (ص 13). العرب الاصوليونأما عن التعريف الأمريكي والأوروبي، للعرب بكونهم أصوليين حتما، فإن هذا الاعتقاد يفتقر لكل تبرير عقلاني. والأكثر من ذلك، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها أوروبا لا يعترضان علي الأصولية الإسلامية بحد ذاتها. بل المنظومة الثقافية الأمريكية نفسها، تقوم علي أسس نظرية دينية خاصة علي مستوي الثقافة الشعبية، فهي من بين الأكثر تطرفا في العالم. إضافة إلي أن بلدا كالسعودية والمحكوم إيديولوجيا بأصولية متطرفة، ظل دائما أكثر الحلفاء السياسيين وفاء للولايات المتحدة الأمريكية، وتحول مع مرور الزمان إلي دركي للمنطقة من أجل تمرير المخططات الأمريكية والإسرائيلية. يقول تشومسكي Chomsky تعضيدا لتحليله: (إن المتطرفين الإسلاميين، الذين يعتبرون غالبا أصوليين كانوا من المفضلين لدي أمريكا في الثمانينات من القرن العشرين لأنهم كانوا من أفضل القتلة الممكن أن تجندهم ) (ص 15). بالتأكيد، العنف لا يولد إلا العنف. ودورة العنف لا متناهية، لا تميز فيها رأسا من ذنب. لكن الشرعية الدولية، تأخذ كذلك بمكيالين لقد تعرضت نيكارغوا سنوات الثمانينات، لحرب إبادة أمريكية، بدعمها العسكري لمعارضي النـــظام وما رافق ذلك من حصار اقتصادي وتعتيم إعلامي. أشياء وأخري كثيرة، وضحها مؤرخ نيكاراغوا الطليعي توماس وولكر Walker. حرب، يضيف تشومسكي Chomsky، كانت أفظع وأعنف بكثير من هجومات نيويورك. وقد توجهت نيكاراغوا إلي المحكمة الدولية حتي توقف أمريكا عدوانها، وتحصل علي تعويض مادي نتيجة الخسائر الكثيرة التي لحقت بها. لكن أمريكا، ظلت تستخف بالقانون الدولي مستندة علي حق الفيتو.
كذلك: عـــندما فجر الجيش الجمهوري الإيرلندي ( IRA ) القنابل في لندن، لم تنطلق الدعوة إلي قصف بلفاست الغربية أو بوسطن، منبع الكثير من الدعم المالي للجيش الإيرلندي، بل اتخذت الخطوات اللازمة لاعتقال المجرمين كما بذلت الجهود للكشف عما يكمن وراء الإرهاب ( ص 17 ). لكن في موقع آخر وبمنطق مغــــــاير، حينما: ( (تفجر البناء الفـــيدرالي في مدينة أوكلاهوما، وقعت المطالبة بقصف الشرق الأوسط، الأمر الذي كان سيحصل لولا اعتقال الفاعل الحقيقي وهو أمريكي) (ص17 ). حينما أعلنت أمريكا عما يسمي حربها علي الإرهاب، أحست بعض حكومات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالابتهاج، كما هـــــو الشــــأن مثلا مع الحكومــــة الجـــزائرية، التي اعتبرها تشومسكي Chomsky من أكثر الحكومات فسادا وذلك لتصعيد الحرب علي الجماعات الإرهابية التي تمردت علي الدولة، كما أضحت كل الأمور مباحة ومشروعة.
امريكا والمؤسسات الدوليةوتظل النقطة المحورية بخصوص مسألة الحرب علي الإرهاب، إلغاء أمريكا كليا للقانون والمؤسسات الدولية، والالتجاء مباشرة إلي قرع الطبول. منطق خاطئ جدا، لأن دائرة العنف لا تنتهي وفراش العنف خصب جدا، لا يكف عن التوالد. والضحايا، هم أولا وأخيرا وعلي الرغم من كل شيء أولئك المدنيون الذين لم يلجوا بعد دروب اللعبة.
ستظل شبكة ابن لادن، تنهل من: (خزان الغضب والخوف واليأس ولذا هم يصلون كي ترد الولايات المتحدة بالعنف، الأمر الذي سيدفع الآخرين للالتحاق بأطروحتهم المرعبة) (ص 20)، الشيء الذي حدث فعلا، لذا اتسعت رقعة الإرهاب كثيرا، ثم استفحل الرد الأمريكي ناسجا جغرافية من النار والزيت. كما أدي الأمر كذلك إلي اختلاط والتباس بخصوص مجموعة من الحقائق والمفاهيم، افتقدنا لتلك البوصلة التي تفصل بين النضال المشروع والتاريخي للحركات الوطنية والإرهاب الأعمي.
لم يكن هناك إذن من داع موضوعي وعقلاني، لهذا التجييش من قبل وسائل الإعلام خاصة الرسمية منها وكذا بعض المثقفين، حتي وإن قامت بعض الأصوات، تدعو للتريث من أجل: (القبض علي المجرمين ومعاقبتهم. إذا كان بالإمكان العثور عليهم) (ص 22). إن الهجوم علي مركز التجارة العالمي، لا يدخل في إطار رفض قيم العولمة وتبعاتها الاجتماعية والسياسية وكذا الثقافية. دليل تشومسكي Chomsky في ذلك، قصف هذا المركز نفسه سنة 1993، أو اغتيال السادات مع بداية الثمانينات، وكذا قتال الأفغان للروس في أفغانستان أو الشيشان… ، أحداث لا ترتبط تأكيدا بالإفراز القيمي والمفهومي لما اصطلح عليه أخيرا بالعولمة. وحده منطق القوة الذي يحكم التوجهات الخارجية الأمريكية، يمكنه تفسير ذلك.
جاء في جريدة نيويورك تايمز أربعة أيام بعد وقوع الأحداث ما يلي: (لقد تصرف المجرمون بدافع البغض للقيم التي يعشقها الغرب مثل الحرية والتسامح والازدهار والتعدد الديني والاقتراع العام) (ص 23). وفي حقيقة الأمر، فإن: (تصرفات الولايات المتحدة الأمـــريكية نابية وفي غير موضعها، بل إنها لا تستحق الذكر) (ص23)، يعلق تشومسكي Chomsky. من جهتهم، فإن أنصار شبكة ابن لادن لا يؤمنون إلا بشيء واحد. أي ما يعتبرونه حربا مقدسة وجهادا ضد أنظمة الفساد. وبالتالي فإن إدخال العولمة ونتائجها في سياق كهذا، يبدو غير ذي موضوع، بل (من الممكن أن ابن لادن نفسه لم يسمع مطلقا بـ العولمة. والذين حاوروه، مثل روبرت فيسك R. Fisk. يقولون إنه إجمالا لا يعرف كثيرا عن العالم، ولا يهمه أن يعرف) (ص 24). تغيب عن الشعب الأمريكي حقائق كثيرة. ولذلك قد لا يدرك بسهولة تناقض السياسة الأمريكية اتجاه العراق والاحتلال العسكري الإسرائيلي من جهة ثانية. أو بالكاد، قد يعرف بأن حكومته قد قوت ودعمت نظام صدام حسين علي حساب المجتمع المدني. وقد يتذكر هذا النظام في أعتي لحظاته مثل تقتيل الأكراد بالسلاح الكيماوي سنة 1988. في حين لا يتمثل خبايا العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ومخططاتها في المنطقة.
وللإشارة، فإن برامج السياسة الخارجية الأمريكية ـ مسألة قد تبدو مسلمة عند الجميع ـ تخضع لمجموع من مراكز القوة المحلية، إضافة إلي تأثيرات التيارات الشعبية. وبخصوص الشرق الأوسط، فإن الحكومة الأمريكية تصغي من جهة لأجهزة مخــابراتها وكذا المتخصصين بقضايا المنطقة.
دولة ارهابية رائدةيحثنا تشومسكي Chomsky أن نتذكر باستمرار كون الولايات المتحدة الأمريكية دولة إرهابية رائدة متسائلا عن طبيعة التحالف فيما يسمي بالحرب علي الإرهاب بينها وبين دول مثل: روسيا، الصين، أندونيسيا، مصر أو الجزائر: الذين يفرحون برؤية نظام دولي يتطور وتتعهده الولايات المتحدة والذي يسمح لكل منهم أن ينجز فظاعاته الإرهابية الخاصة ( ص 32 ). روسيا مع الشيشانيين والصين في صراعها مع القوي الانفصالية الموجودة بمقاطعاتها الغربية ثم الحكومة المصرية وكذا الجزائرية مع الجماعات الدينية.
هذا التحالف الذي تقوده أمريكا، يعتبره تشومسكي Chomsky تحالفا مغلقا، له مقاييسه الموضوعية. وبالتالي لا يمكن لأي أحد الدخول إلي هذا التحالف بسهولة، أو يتم القبول بأي كان. السياسيون الأمريكيون لا يغفــــرون قط. وأبرز مثال علي ما نقول، تشكيكهم المستمر في نوايا السياسيين الساندينيين بنيكارغوا علي الرغم من الإعلان عن تركهم البرامج الاشتراكية وبالتالي معاداة أمريكا.
لذلك لا يمكن تصور اعتماد الأمريكيين علي الساندينيين لأن الإدارة الأمريكية تظل شكوكها دائما قائمة حول نواياهم حتي ولو تخلوا عن برنامجهم اليساري.
لقد استغرب الصحافي، وهو يسمع التأكيد الصريح بأن أمريكا دولية إرهابية رائدة. في المقابل، أورد تشومسكي Chomsky، أمثلة بهذا الخصوص حتي يؤكد أطروحته:
ہ هناك إدانة رسمية من محكمة العدل الدولية لأمريكا بسبب إرهابها الدولي.
ہ أمريكا هي الدولة الوحيدة التي رفضت قرار مجلس الأمن الذي يدعو فيه للتشبث والتمسك بالقانون الدولي.
ہ دعمت إدارة الرئيس كلينتون دولة تركيا في سحق الأكراد (بتقديم 80 % من الأسلحة التي نمت الفظائع وصعدتها. وهذا الأمر كان في الحقيقة وحشية جماعية، واحدة من أسوأ حملات التطهير والإبادة العرقيين في التسعينات) (ص 36 ـ 37). ہ قتل أمريكا لمليون من المدنيين العراقيين، نصفهم من الأطفال.
ہ دعم أمريكا المستمر لجرائم إسرائيل.
ہ تدمير أمريكا لمصنع الشفاء للأدوية في السودان.
ہ دعم أمريكا لإسرائيل في غزوها للبنان سنة 1982، حيث قتل أكثر من 18000 مدني من اللبنانيين والفلسطينيين. ثم ما تلا ذلك من غزوات أخري… ہ الحادث الإرهابي التفجيري الذي قامت به أمريكا داخل بيروت في ظل إدارة ريغان عام 1985، والذي حصد: (ثمانين قتيلا ومئتين وخمسين جريحا معظمهم مـــن النساء والأطفال) (ص 36 ) … إلخ، إلخ.
ثم يتساءل شومسكيChomsky : (لو كانت أمريكا أو إسرائيل أو إنكلترا هدفا لمثل هذه الفظائع، فكيف ستكون ردة الفعل؟ هل نقول في هذه الحالة: (آه إنه لأمر سيء للغاية وغلطة بسيطة. لنعبر إلي الفصل التالي ودع الضحايا تتعفن؟ إن الشعوب الأخري في العالم لن تتصرف علي هذا النحو. عندما يطرح ابن لادن أمر التفجيرات فهو يضرب علي وتر حساس، حتي عند الذين يخافونه ويحتقرونه) (ص 37). إن ما وقع يوم 11 ايلول (سبتمبر) جريمة بكل المقاييس، تدخل في نفس خانة أخري، مثل قصف أمريكا عهد إدارة كلينتون لمصنع الشفاء بالسودان سنة 1998، حيث (استمرت ضريبة الموت السودانية، جراء القصف، ترتفع بهدوء. وهكذا عاني عشرات الآلاف من الناس، معظمهم من الأطفال ما توا بسبب الملاريا والسل وغيرها من الأمراض التي يمكن معالجتها. إن مصنع الشفاء كان يؤمن الأدوية التي يتمكن الناس من شرائها، وجميع الأدوية البيطرية المنتجة محليا في السودان) (ص 40). ثم يعقب سفير ألمانيا في السودان علي ذلك قائلا: (من الصعب أن يخمن المرء عدد الذين ماتوا في هذا البلد الإفريقي الفقير نتيجة مصنع الشفاء. لكن يبدو أن عشرات الآلاف تخمين معقول) (ص 40). بأي لغة سيكتب التاريخ إذن ذلك؟
كان مصنع الشفاء يؤمن أدوية وعقاقير ضرورية لأمراض الملاريا والسل والأدوية البيطرية، مع العلم بأن السودان بلد رعوي واسع المساحة. وقد أكد باتريك وينتور P. Wintour، بأن هذا المعمل كان يوفر 50% من الأدوية للشعب السوداني. من هنا تظهر جسامة الإرهاب الأمريكي، بهذا الفعل حيال بلد كالسودان، بشعبه الفقير، ومن أقل الدول تنمية في العالم، إضافة إلي قسوة المناخ والظروف الطبيعية وانتشار الجفاف، حيث تنتج عن ذلك مجموعة من الأمراض الفتاكة مثل الملاريا والسل والكوليرا والحمي الدماغية. كما تعاني السودان، سياسيا من حرب داخلية عنيفة بين شماله وجنوبه.
يقول تشومسكي Chomsky، بعد سرده لمجموعة من المواقف وآراء الخبراء والصحافيين بخصوص المضاعفات الخطيرة جدا إنسانيا وحقوقيا وسياسيا، جراء قصف أمريكا للمصنع السوداني: (بإمكاننا أن نقارن جريمة السودان بجريمة اغتيال لومومبا التي ساهمت بإغراق الكونغو في عقود من المذابح المستمرة، كما يمكننا أن نقارنها بإسقاط حكومة غواتيمالا الديموقراطية عام 1954، والتي قادت إلي أربعين عاما من الفظاعات الشعبية) (ص 44). كما لا ننسي كذلك الحصار والرعب الذي تمارسه أمريكا علي بلد صغير ككوبا منذ أواخر سنة 1959. إن قصف أمريكا للسودان، لم يعمل إلا علي إغراق هذا البلد الثالثي في مزيد من الفقر والفوضي والتطرف الإسلامي، وتعزيز بشكل غير مباشر للتوتاليتارية العسكرية والسياسية التي تحكمه. إنه عمل: (إرهابي كما هو تدمير البرجين، الفرق الوحيد هو أننا نعرف من دمر المصنع. أنا أشعر بالحزن الشديد علي الخسارة البشرية في نيويورك وواشنطن، أما بلغة الأعداد وقياسا للثمن بالنسبة لبلد فقير، فإن قصف السودان كان أسوأ) (ص 45 )، يكتب إدريس الطيب رئيس مجلس إدارة الشفاء.
التهمة التي ظلت توجهها أمريكا للسودان، هي احتضانها لابن لادن ودعمها لنظام القاعدة. لكن الوقائع التاريخية أكدت بأن السودان اعتقل قبل 1998 بعض المشتبهين في تفجيرات السفارات الأمريكية بإفريقيا الشرقية، وأخبرت واشنطن بذلك. لكن هذه الأخيرة لم تبال بالعرض السوداني، حيث وصف: ( مصدر متقدم في CIA هذا الرفض للسودان وغيره لعروض التعاون كـ أسوأ إخفاق مخابراتي في القضية الرهيبة لحوادث 11 ايلول (سبتمبر). يقول المصدر نفسه إنها المفتاح للقضية كلها الآن. بسبب الأدلة الكثيرة التي عرض السودان أن يقدمها، تلك الأدلة التي تكرر رفضها بسبب كراهية الإدارة الأمريكية اللاعقلانية للسودان) (ص 46). وقد تضمن العرض السوداني معلومات مخابراتية عن ابن لادن، وبعض الأطر والعناصر القيادية لتنظيم القاعدة، إضافة إلي مصالحه المالية. بمعني ثان، كانت هناك إمكانية لتجنب أحداث 11 ايلول (سبتمبر)، لو تخلي المسؤولون الأمريكيون عن ساديتهم وتعطشهم لدم الأبرياء.
وما معني تجويع أمريكا للمدنيين الأفغان!! وتطلب من باكستان منع مساعداتها الغذائية عن دولة صغيرة وفقيرة جدا مثل أفغانستان. لا لسبب، إلا لكون نظام طالبان يحكم البلد: (يعني أن عددا غير معلوم من الأفغان الجياع سيلاقون حتفهم، هل هؤلاء من الطالبان؟) (ص 48). والغريب، أن العالم يعيش صمتا رهيبا أمام كل ذلك؟
؟ ؟7