عبد الستار العياريمنذ عقود، إن لم نقل قرونا والحرب الثقافية بين العرب والمسلمين من جهة وبين أعداء هذه الثقافة من جهة مقابلة في تزايد مستمر تعددت فيها الأساليب والمناهج والغاية واحدة. ومع مرور الزمن تغيرت أدوات الحرب من الخارج إلى الداخل وصرنا نقاتل أبناء جلدتنا الذين يعيشون اغترابا ثقافيا، من أجل الحفاظ على ثقافتنا وهويتنا من الاندثار حتى نثبت وجودنا ونحمي كياننا ومصالح الأجيال القادمة التي لن تغفر لمن عملوا على بيع تراثهم، وهويتهم في المزادات العلنية في أسواق النخاسة الأجنبية.
مما لاشك فيه أن أهم أسس الثقافة العربية هو تكليف الرسول صلى الله عليه وسلم بما أنزل عليه (إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم). إن هذا التكليف يعتبر النواة الأولى التي غيرت وجه التاريخ في منطقة لا تمتلك أنموذجا للحضارة. وبهذا النص الإلهي أصبح بعد ذلك مجتمعا حضاريا غير وجه التاريخ الذي أفرز واقعنا المعاصر الذي يعيش حالة انفصام بين الهوية والثقافة في أوساط مجتمعاتنا العربية والإسلامية، مما يسر الحكم مسبقا على مشاريعنا بالعقم.
فالوطن العربي تمتلك شعوبه هوية تختلف تماما عن هوية الشعوب الأخرى من الصعب التفاعل مع ثقافتها، ومؤخرا بدأت شعوبنا تتنبه للغزو الثقافي الذي تزامن مع الغزو الإعلامي، وأصبح موضوع بحث ونقاش في أوساط المؤسسات الثقافية العربية التي فشلت في الرقي بثقافة الشعوب وتنميتها والحفاظ على مقومات الهوية.
وكل تنمية ثقافة لا تنطلق من قيم المجتمع الذي تطرح فيه هي عقيمة الجدوى، وفي أغلب الأحيان تأتي بنتائج عكسية بدأت تظهر جليا في توجهات مجموعات من النخب العربية والإسلامية التي ضاعت بين الثقافة والهوية المحليتين وبين الثقافة الغربية التي عششت في أفكار وعقول قسم كبير من المثقفين العرب من كل التيارات والتوجهات السياسية والايديولوجية ومست كل القطاعات الثقافية والفكرية والإعلامية والدينية والسياسية وعادت بالوبال على بقية مكونات مجتمعات المنطقة العربية وكذلك الإسلامية.
ولا يعني الحفاظ على أصالة الثقافة إهمال الثقافات الأخرى، وعدم فهمها والتعامل معها، والاستفادة منها، بل من أجل تدعيم الأصالة العربية والإسلامية قيما ومنهجا من أجل الحفاظ على كينونة مجتمعاتنا، والوقوف على حقوقها ومصالحها وبناء أجيال قادرة على تحمل مسؤوليتها في المستقبل، للحد من الغزو الهمجي للقوى الإمبريالية الطامحة إلى الهيمنة المطلقة على العقول والثروات والمصالح وتغيير وجه هذه الشعوب العربية نحو متاهات جانبية وتقتل فيها روح المحافظة على الأصالة والموروث والهوية كعمق إستراتيجي للتصدي للهجمة الغربية التي تهدف بالأساس لتذويب روح المبادرة لدينا، والقضاء على ثقافة المقاومة والصمود، وحماية الحقوق والمقدسات الإسلامية من عقول وقلوب الشعوب المحاربة منذ عقود ضد الغزاة ومصاصي الدماء.
فالثقافة العربية تعتبر من أغنى الثقافات العالمية وأهمها، فبعد أن ترسخت جذورها قبل الإسلام شعرا وحكما وخطبا، تجلت فيها العبقرية العربية، زادها نزول القرآن الكريم باللغة العربية غنى من معاني سامية وفتح لها سبل الانتشار في مشارق الأرض ومغاربها. ونتيجة لهذا الغزو تكونت لوبيات غربية نتاجا للإمبريالية العالمية من أجل الحد من هذا التوسع للثقافة العربية التي عجزوا عن طمسها وتغييرها إبان احتلالهم لبلداننا بقوة السلاح. ومنذ مطلع الخمسينات وبداية زوال الاستعمار العسكري المباشر شرعت الدول الاستعمارية في نشر ثقافتها في أوساط الشعوب العربية والإسلامية تركزت أساسا على تغيير المفاهيم لدى نخب هذه الشعوب، واستعملت كل الأساليب الخبيثة والإغراءات المادية بشراء ذمم بعض المفكرين والمثقفين من أجل تغلغل ثقافتهم في أوساط المجتمعات العربية، وكان لهم ذلك إلى حد ينذر بخطر شديد على الأمتين العربية والإسلامية اللتين أصبحت فيهما أصوات عديدة (مثقفة) تبشر بالثقافة الغربية وتدافع عن مبادئ وقيم الدول المتوحشة، كالولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل في معظم المحافل الدولية وعبر وسائل الإعلام العربية والأجنبية.
وبعد تنامي ظاهرة القفز على الثقافة العربية من طرف بعض المثقفين والفنانين وبعض السياسيين العرب احتدم السجال بين هؤلاء والنخب العربية المعارضة لهذا التوجه ‘التدميري’ وانقسم الشارع العربي بين مؤيد للقسم الأول وهم من يسمى (الليبراليون الجدد) وبين المساند الرسمي للقسم الثاني وهم ‘المحافظون’ أو المتمسكون بالثوابت العربية والثقافة الأصلية لشعوب المنطقة وتوسعت دائرة السجال الفكري والسياسي المستند لتجارب الشعوب وقواها الحية وصارت حالة من التردي في الوضع الثقافي العربي وساد فكر تغلب فيه النقل على العقل، كما أشار له الكاتب حواتمة في كتابه الأخير ‘اليسار والتناقضات في ظل النظام الرأسمالي المعولم’. لقد وصل المشهد الثقافي والسياسي في الوطن العربي إلى مستنقع خطير جراء الشذوذ الثقافي لبعض المفكرين والسياسيين ‘المستعربين’ الذين يعملون جاهدين لجر العربة الثقافية في بلداننا إلى الوراء، إن لم نقل إلى الهاوية، بعدما ما سقطت فيها الخيارات السياسية لمعظم أنظمة دول المنطقة وما يدل على هذا القول تصاعد عدد الأصوات ‘النشاز’ من المثقفين والمفكرين العرب الذين يدافعون عن الكيان الصهيوني، في الوقت الذي يجرمون فيه حركات المقاومة باختلاف توجهاتها وانتماءاتها… وبلغ بهم الأمر إلى التشكيك في الدور التركي واعتباره شأنه شأن المطامع الإيرانية في الهيمنة، والاستحواذ على منطقة جريحة ومنكوبة نتيجة سياسة أسياد هؤلاء ‘العلمانيين القدامى ـ الجدد’. كما يبررون على سبيل المثال الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان ويدعمون توجهات الحكومة الأمريكية في تعاطيها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويشرعون ضربها عسكريا إذا لم تخضع للابتزاز وتركع صاغرة أمام مطامح من قتل أطفال العراق ودمر بلد مهد الحضارات… كما يساندون في السر والعلن الاعتداءات الصهيونية الإجرامية على الدولة اللبنانية التي دمروها في أكثر من حرب وجرموا مقاومتها ونصبوا لها العداء، وقتلوا أطفالا ونساء وشيوخا في قطاع غزة بالفسفور الأبيض والأسلحة المحرمة دوليا بعد حصار دام لسنوات في سجن كبير. وحملوا المسؤولية لحكومة حماس التي انتخبت شرعيا من طرف الشعب الفلسطيني وهذه المواقف تتناغم كليا مع مواقف كل أعداء الأمة التي أطلق معظم سياسييها العنان لأشباه المثقفين لتمرير توجهاتهم عن طريق وسائل إعلام مشبوهة ومتهمة بالعمالة وسط الشعوب العربية التي تئن وتتألم في صمت نتيجة الفقر والقمع والجهل… كما نلاحظ في المدة الأخيرة تنامي، بشكل مقرف ومخيف، ظاهرة الغناء في إسرائيل ومباركتها بالصمت في أغلب الأحيان من طرف الجهات الرسمية وبدا نوع من الوقاحة من طرف مثقفين عرب لا يرون مانعا في التحاور مع المثقفين الصهاينة والتعامل معهم وكذلك إشهار بعض أشباه الفنانين بعدم معارضتهم القيام بحفلات داخل إسرائيل أو الغناء باللغة العبرية، وهم يتجاهلون جميعا أن الغزو الثقافي هو البوابة الرئيسية لكل الغزوات الأخرى الاقتصادية منها والسياسية وتغيير مناهج تفكير الشعوب العربية وتحويلها تدريجيا إلى القبول بالتطبيع الضمني مع المحتلين والقتلة وأعداء الأمة والبشرية.’ إعلامي تونسي