محمد عبد الحكم دياب
هناك ما يشبه الإجماع في الأوساط السياسية المصرية أن التغيير يدق الأبواب بقوة، دون أذان صاغية من القابضين على زمام السلطة والثروة والنفوذ. ما زالت الأبواب موصدة في وجهه، والسبب يعود إلى أن قوى التغيير لم تتحول إلى مشروع ثورة، ولم تنتقل بعد من مرحلة الدعوة والتعبئة إلى حالة الفعل. وقد يكون لها عذرها لأن أدواتها ما زالت أقل من مستوى تحييد ما تحت أيدي عائلة مبارك من إمكانيات للبطش والسحل والقتل والتعذيب والحصار والتنكيل والإفقار وما زال طرح الثورة كوسيلة للتغيير غائبا أو مغيبا. والمتحفظون والرافضون لفعل الثورة يبنون موقفهم على إمكانية الإصلاح. في حقبة ضاعت وضاقت فيها كل فرص الإصلاح. وعائلة مبارك ترتاح لذلك الموقف. فهي تعرف حدود الإصلاح في الخطاب الصهيو غربي، وهو خطاب يمثل مرجعية معتمدة تشد الليبراليين الجدد، مصريين وغير مصريين. وحدود التغيير الإصلاحي المطلوب كما استقر لدى مروجيه لا يتعدى التغيير اللفظي، دون مدلول سياسي حقيقي. ويجب أن نلاحظ أن الأوساط الغربية تتجنب طرحه على جمهورها بسبب موقف الرأي العام منه. ولم يتحدث أوباما مرة واحدة عن الإصلاح، وتبنى شعار التغيير حين تقدم للترشيح لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كان يريد التأكيد على سلوكه المغاير لنهج سلفه جورج بوش الابن.
لكن لا بأس من تصدير شعار الإصلاح إلينا، وإبقائه محصورا فى حدود اللفظ والشكل دون الجوهر، مع ضمان استمرار السياسات، بما لا يخل بقواعد المصالح ولا يغير من ميزان القوى الوطني والاجتماعي القائم. واستطاع حسني مبارك أن يحصر حدود الإصلاح بحدود لا يقدر على منافسته فيها أحد. رفع سقف التنازلات إلى حدود غير مسبوقة. جعلت المنظومة الصهيو غربية لا تفرط فيه بسهولة. وصار كنزا بالنسبة للدولة الصهيونية على حد تصريح مسؤوليها ولا تستطيع تعويضه حتى لو ورثه ابنه. وتسبب هذا في اشتعال المعارك الخفية والمعلنة، التي تدور في مصر وحول مصر. وشعار الإصلاح لا يلبي مطالب التغيير الحقيقية للمصريين. وهذا يجعل الثورة خيارا يلوح في الأفق. لأن الإصلاح بمعناه الاصطلاحي لن يعيد لهم استقلالهم، ولن يعدل في معايير توزيع الثروة الوطنية التي اختلت وتركزت في يد القلة. ولن يطلق الطاقات أو يحرر المواطنين من القيود التي تكبلهم؛ قيود الفقر والجهل والمرض والبطالة والمذلة والهوان. وفي ظل هذه الظروف تعمل المنظومة الصهيو غربية، المعنية بالتغيير في مصر، على جبهتين: واحدة تعتمد أكبر قدر من المسكنات التشريعية والدستورية، ومعها رشاوى انتخابية في هذا العام والعام المقبل لفئات مؤثرة في الصوت الانتخابي. والثانية تركز جهدها على إبعاد احتمال الثورة الحقيقية عن مصر، ووضع العراقيل أمامها وشل قواها. هذا يحتاج منها الخلط والتشويش المستمر من أجل البلبلة ومزيد من التوتر، وإن كانت المنظومة الصهيو غربية قد حركت ودعمت الثورات الملونة (المضادة). فهي في مصر تواجه صعوبة بالغة في إشعال ثورات على نفس النمط. وتتحسب وهي تتعامل مع الشارع، فميزان الوجود الأمني الكثيف هو الغالب. واللعب في الشارع المصري من طرف المنظومة الصهيو غربية محفوف بالمخاطر على رجالها وأنصارها وعملائها، وفي مقدمتهم أهل الحكم. فهي لا تضمن التحكم في حركة الشارع لصالحها. وينطبق على المغامرة بتحريك الشارع ما ينطبق على إعلان الحرب. فهناك دائما قدرة على إعلان الحرب، وهذه القدرة تنعدم في طلب وقفها. وقد يكون العمل الانقلابي الأكثر ضبطا، تفاديا لتكرار إخفاقات الثورات الملونة. وبدلا من تحريك الشارع، كما حدث في شرق ووسط أوروبا وبعض بلدان آسيا يمكن الاستعانة بعناصر قادرة على فرض نفسها بالقوة لقطع الطريق على إمكانية الثورة، ومواجهة شعب قابل للانفجار في أي لحظة، ويتطلع للالتفاف حول شخص أو شخصيات ليس شرطا فيها أن تكون مضبوطة على البوصلة الصهيو غربية. في مناخ عربي وإقليمي ملتهب ومتوتر وعلى شفير الانفجار، إن لم يكن بفعل داخلي فبفعل حماقة من حماقات واشنطن وتل أبيب تجاه لبنان أو إيران أو سورية. من ناحية أخرى فإن التطورات التي ترتبت على الهجوم البربري على قافلة الحرية والمعارك التي دارت على سطح الباخرة التركية مرمرة وأدى إلى استشهاد تسعة من المواطنين الأتراك أعاد التركيز على مصر. فبالأمس ضاعت منها إيران، وهي على وشك خسارة تركيا، بجانب الأوضاع المتردية في العراق وأفغانستان. وهذه المنظومة لا تتحمل خروج مصر من حظيرتها وبعيدا عن نفوذها. تراه ترفا لا تريده ولا ترغبه تحت أي ظرف من الظروف. لذا أصبحت معركة الرئيس القادم لمصر معركة حياة أو موت للداخل والخارج على حد سواء. وأي تغيير ناتج عنها يؤثر تأثيرا بالغا على المصالح الغربية والوجود الصهيوني ذاته.
تتركز الأعين الخارجية الآن على قوى سياسية وحزبية مصرية توصف بالاعتدال والليبرالية، من أجل مشاركة الوريث حصته في الحكم ونصيبه في النفوذ. في نفس الوقت نجد من الصعب أن تصوم مصر كل هذا الصيام الطويل ‘وتفطر على بصلة’ كما يقول المثل الشعبي. وتضيع تضحياتها بلا مقابل وتذهب هباء. هذا هو الذي يفرض الثورة خيارا في مثل هذه الظروف. فالثورة لها قدرة على التعبئة والحركة السريعة ومواجهة أسوأ الاحتمالات. ودونها تبقى مصر في حالتها المتردية الراهنة، وهي أسوأ من حالتها تحت الاحتلال. والمنظومة الصهيو غربية تتحسب لهذا الخيار، وتعمل للحيلولة دون وقوعه. وإذا ما وقع فستقاومه إما بعمل مباشر أو بنشاط غير مباشر يحتويه ويفرغه من محتواه ويتولى شيطنة القائمين عليه. هذا يفسر الضغط المكثف خلف الأبواب وفي الغرف المغلقة لتحسين وجه أهل الحكم. والتلويح لهم بثورة ملونة (بينا طبيعتها في المقال الماضي). في الوقت الذي يعلمون فيه أن أدوات هذا النوع من الثورات غير متوفرة. والسبب أن عائلة مبارك قامت وتقوم بما هو أكبر من المطلوب لصالح المنظومة الغربية، وتعتبر أن تفانيها في خدمتها يشفع لها ويزكيها عندها لتزداد تمسكا بها. ولو افترضنا أن عائلة مبارك أقل ارتماء في أحضان الغرب وأخف حماسا للمشروع الصهيوني لكانت الثورة الملونة حلا لإزاحتها.
ولنتصور عرضا خياليا يفترض وطنية حكم عائلة مبارك، وأنه يملك الإرادة والرغبة في العمل لصالح الشعب، في هذه الحالة ستعمل المنظومة الغربية على إزاحته بكل السبل بما فيها الثورة الملونة. ووفق هذا التصور الافتراضي يكون السؤال على من تقع العين لتحريكها؟ ومن هو المرشح لقيادتها؟ تتجه الأنظار فورا إلى الأحزاب والجماعات المحافظة والليبرالية من أجل الاستعانة بها في إنجاز هذا العمل. إما مجتمعة على شكل إئتلاف أو جبهة، أو منفردة بالاعتماد على ما يمكن أن تقدمه داخليا وما تحتاجه من تمويل خارجي. وهذا التصور ليس أمامه إلا الرهان على أحزاب وعناصر من ذلك النوع. تبدأ بالأقرب إلى نهج ‘الليبرالية الجديدة’ فتجد حزب الغد بجناحيه، وقد يكون جناح أيمن نور هو الأقدر. ثم حزب الجبهة الديمقراطية بزعامة أسامة الغزالي حرب. حزبان لا يمانعان في إقامة علاقة سياسية واستراتيجية مع واشنطن، وعلى استعداد لدفع الثمن المطلوب، وهو الاستمرار في الالتزام بتطبيق معاهدة كامب ديفيد. وبعدهما يأتي حزب الوفد الجديد. وأتصور أن المنظومة الصهيو غربية ستقدم رجلا وتؤخر أخرى وهي تتعامل معه. فقد يحول رصيده الوطني الذي صنعه أثناء ثورة 1919 فلا يبدي مرونة كافية تجاه كامب ديفيد. وإن كان يقبل من المشروع الغربي جانبه الاقتصادي والعمل وفق قوانين السوق والتجارة الحرة، ويقر بالجانب السياسي والسير على النهج الليبرالي. ولذلك تقل أسهمه لدى الإدارة الأمريكية، مقارنة بالحزبين الآخرين، حيث من المحتمل أن يتعامل مع كامب ديفيد تعامل النحاس مع معاهدة 1936. ألغاها وهو يردد عبارته الشهيرة ‘من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر ألغي معاهدة 1936’. ويمكن ضم البرادعي إلى مكونات هذا التصور الافتراضي كشخص بلا حزب ولا برنامج. وطلباته يمكن أن تكون هي نفسها مطالب الثورة الملونة الافتراضية. فمن الصعب عليه حشد الناس في الشارع بالكثافة المطلوبة لثورة ملونة. فليس للرجل جمهور حقيقي، اللهم إلا الجمهور الالكتروني. ولذلك يمكن توظيفه فزاعة ضد عائلة مبارك للحصول منها على تنازلات تخفف من عنادها وتمسكها الشديد بالحكم دون شريك. وتسمح بتغيير مواد في الدستور معوقة لترشيح المستقلين لانتخابات الرئاسة والقبول بالرقابة الدولية على الانتخابات. وتستجيب للنقاط السبع المطروحة من قبل البرادعي، فهي لا تمس السياسات وتبقي على ميزان القوى السياسي والاجتماعي على ما هو عليه.
وننتقل من التصور الافتراضي إلى الواقع. حيث من المحتمل أن تستغل الإدارة الأمريكية تحالف الأمريكيين من أصول مصرية لإقامة جسور مع القوى السياسية والأحزاب في الداخل، ويملك ذلك التحالف إمكانية لعب دور مزدوج. دون تماس مباشر مع الدوائر الرسمية الأمريكية والمصرية. وأعرف شخصيا مسؤولين فيه لا غبار عليهم ولن يكونوا طرفا في لعبة كهذه، لكن هناك من بين من أعرفهم ويعرفهم غيري من كانت له علاقة قوية بوزارة الخارجية الأمريكية أثناء حكم إدارة بوش الإبن، وله فضل تقديم شخصية إسلامية جاذبة وشابة ومعتدلة لها. بجانب أن من بينهم من له علاقة بالأوساط السياسية ودوائر الحزب الحاكم في مصر. ومع استحالة الثورة الملونة (المضادة) فهل يكون البديل انقلابا ملونا؟ لكن كيف؟ أم أن الفرصة أكثر من سانحة لثورة حقيقية تخرج من قلب الشعب؟ هل يمكن لمصر أن تقدم نموذجا لثورة ديمقراطية تنهي حالة المخاض التي تمر بها؟ سؤال معلق حتى إشعار آخر.’ كاتب من مصر يقيم في لندن