العقل العربي أمام محكمة النقد

حجم الخط
0

‘إن الحقيقة هي الخطأ العميق وأن المستقبل الذي نرغب في بنائه يوجد في الحاضر’
لا شيء يستحق احترامنا إلا إذا كان متفقا مع العقل، والنقد هو الأداة التي يستعملها العقل لإصلاح ما يراه فاسدا أو بالأحرى يقوم بتمزيق الحجاب عن علل وأمراض المجتمع السياسية والأخلاقية. وبلغة هوركهايمر إنه رفض للهيمنة والخضوع، لكن هل يمكن ممارسة النقد في غياب أسس معرفية، وامتلاك العقل المفكر؟ وبعبارة أخرى ما قيمة النقد إذا لم ينطلق من انطولوجيا الحاضر؟ وعلى أي أساس يقوم هذا النقد إن لم تكن هناك سياسة؟ وما علاقة هذا النقد بالهيمنة والخضوع؟
الواقع أن نقد السياسة معناه التشوق للحرية والانعتاق من سجن الأوهام والتنوير الزائف والفكر الأسطوري التيولوجي، وبلغة الحكماء انه يسعى إلى بناء المجتمع على أسس العقلانية، والتنوير السياسي على المعرفة، وبخاصة أن الدعوة إلى عصر التنوير في المغرب، لابد أن تنطلق من بناء النظرية النقدية انطلاقا من نشر النزعة العقلانية. إذ لا تنوير بدون نقد، ولا نقد بدون عقلانية.
جاء في كتاب جدل التنوير للفيلسوفين أدرنو وهوركهايمر أن المستقبل الذي نرغب في بنائه يوجد في الحاضر، ومن أجل تحقيقه لابد من الاعتماد على العقل، الذي يملك أداة الهدم للأسطورة، وهذه الأداة هي النقد. لأن المجتمع بدون نقد مهدد بالانهيار، فكيف يمكن تأسيس هذا النقد الذي يستند إلى العلاقة بين المعرفة والحرية، باعتبارهما موضوعا للفكر المستيقظ؟ بل كيف يمكن بناء مغرب جديد بعقل خرافي أسطوري يحارب جدلية التنوير؟ وإلى متى سيتم حرمان الإنسان من العقل التنويري باسم العقل المتسلط؟
ينبغي ربط التنوير بالعقل، هذا هو شعار المرحلة، وجعل النقد ضرورة أكثر من الخبز، للخروج من الأزمة التي حكمت علينا بالانحطاط السياسي والأخلاقي، لأنهما شرط التقدم وإلا سنحكم على المغرب بالضياع في الاغتراب. إن تأجيل التنوير معناه الحكم على الإنسان بالخضوع للأوهام والخرافات والشعوذة السياسية التي تخدر الإدراك، وتستثمر نفوس الأبرياء كمادة خام من خلال بركة الأولياء وأحزاب الأضرحة.
نعم لابد من ربط التقدم بالفكر النقدي الذي يهدم من أجل البناء. تحطيم العقل الأسطوري، لكي يعود العقل التنويري، طرد سياسة الكارثة والانعتاق من النظام القديم، من أجل بناء سياسة التقدم والنظام الحداثي وذلك بواسطة الخاصية الثورية المحررة للعقل، هكذا يجب التفكير في التقدم في مرحلة الانهيار، لأن هناك إمكانية للانعتاق بالتنوير ضد الفكر الظلامي، الذي حكم علينا بعدم الكشف عن الأسباب التي قادت المغرب إلى الكارثة. لأن عدم فهم الظروف الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي أدت إلى الكارثة والكشف عن جذورها لا يمكن أن يتم إلا بواسطة العقل التنويري، وليس بالعقل التيولوجي.
والحال أن سؤال التقدم ينطلق من سؤال غريزة الهيمنة التي تجعل السياسة مجرد هيمنة، والسلطة عبارة عن ميزان قوى يقاس بالنفوذ، أي بالتأثير الذي يمارسه فرد على الأمة ويحول الدولة إلى ادعاء ناجح باحتكار شرعية استعمال العنف.
هكذا تصبح السياسة هي القدرة على فرض الطاعة للسلطة وسلطة العائلة المقدسة، حيث يتم تعريف السلطة بأنها القدرة الواعية أو غير الواعية للخضوع أو الاندماج، والعيش في تبعية للنظام المفروض. بالترهيب بغية الاستعباد. ولعل هذا بالذات ما يشكل ازدواجية الخطاب السياسي عندنا، ادعاء الحداثة السياسية والحكم بالأعراف التقليدية. لأن الدولة عندنا ليست دولة قانون، بل دولة أعراف وتقاليد، إنها ترغم الفرد على الخضوع للثقافة السائدة، ثقافة الكلية التي تعتبر الاختلاف بدعة.
إذ يتحول الصراع بين الفرد والدولة إلى صراع عقائدي لا يميز بين السياسة والمقدس، وقد كان فوكو محقا عندما قال: ليس رفض الحكم المطلق، وإنما رفض التجاوزات، حيث تتحول العلاقة بين السلطة والعقل التحرري، إلى علاقة أخلاقية بين الخير والشر، ويتم حرمانه من الحق في النقد والانعتاق من الهيمنة والإخضاع، ذلك أن الهيمنة ترتبط بالشرعية والقيادة المتبوعة بالطاعة، لأن قواعدها مقبولة وبالتالي مطاعة، ومع ذلك نتساءل، أي تنوير نريده لمغرب وسطوي؟ وأي عقلانية نريدها لمغرب أسطوري؟ وأي مغرب هذا الذي ننتظره؟
الصراع من أجل الاعتراف، بالأفكار وليس بالأجساد، ولذلك فإن النقد بما هو موقف مناهض للإخضاع والطاعة والهيمنة له قيمة سياسية وأخلاقية، لأن رهانه يكون على القدرة والإرادة والرغبة في التغيير، فمهمته تشخيص الوضع القائم والعمل على إخضاعه لفن التحول، ولكن في أي اتجاه سيكون هذا التغيير؟ وبناء على أي معيار سيقوم؟ وكيف يمكن تفكيك بنية التناقضات، والفوارق الطبقية، بعيدا عن المصالح؟
الإيمان بأن المستقبل يوجد في الحاضر، وينبغي ربط النقد بالتنوير وعلى الفلسفة أن تتحمل مسؤولية التنوير، وأن تجعل منه شعار الحاضر لأنها تمتلك الشجاعة على قول الحقيقة.
كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية