استراتيجية الروليت الروسي: هاكم كركوك واضمنوا لنا رئاسة الوزارة!
علاء اللامي استراتيجية الروليت الروسي: هاكم كركوك واضمنوا لنا رئاسة الوزارة! البازار السياسي شمالا: لأيام عديدة، سبقت اعلان نتائج الانتخابات التشريعية العراقية، غدت مدينة أربيل عاصمة الاقليم ذي الأغلبية السكانية الكردية، وبدرجة أقل مدينة السليمانية معقل الزعيم الكردي ورئيس الدولة حاليا جلال الطالباني، مقصدا لوفود سياسية عالية المستوي. فقد زارها، ضمن وفد كبير، السيد عبد العزيز الحكيم رئيس قائمة الائتلاف العراقي الموحد وزعيم حزب المجلس الأعلي، وهو يحمل ـ كما راج وأشيع ـ بطاقة ترشيح ممثل حــــزبه لرئاسة الوزارة عادل عبد المهدي، وقد قدم الحكيم الكثير من الوعود والتطمينات الخاصة بما اصطلح عليه بـ تطبيع الأوضاع في كركوك وتفعيل المادة 58 من الدستور والذي يــــراد به تكريد كركوك والحاقها، بعـد استفتاء يلي اعادة مئات الآلاف من المواطنين الأكراد اليها، باقليم كردسـتان شمال العراق.ولم يفُت الحكيم أن يطالب بدوره بضمانات كردية لصالح موضوع تحقيق واقامة اقليم الجنوب والوسط الاتحادي، أسوة بالاقليم الكردي الناجز، ومثلما أسمعَ الحكيم مستضيفيه ما يطربهم، فقد سمع منهم ما يطربه. ومع ان الأمر لم يتعدَ الكلام تحت بريق عدسات الصحافيين فقد أثار هذا الغزل السياسي حفيظة أطراف أخري. تبع الحكيم بعد أيام قليلة، وفي زيارة مفاجئة وسريعة الي أربيل فالسليمانية، السيد ابراهيم الجعفري، رئيس الوزراء المنتهية ولايته، وقد التقي بدوره بالمسؤولين الأكراد وقدم الكثير من التوضيحات والوعود لامتصاص الغضب الكردي مما اعتُبر مماطلة وتسويفا من قبل وزارة الجعفري في حسم موضوع كركوك والمادة الدستورية 58، وذهب الضيف بعيدا في البرهنة علي حسن نواياه وأفعاله بأن حمل الادارة الكردية في تلك المدينة المختلف عليها بين سكانها الكرد والعرب والتركمان والكلدان والآشوريين مسؤولية التلكؤ والتسويف والتأخر في تفعيل الموضوع مقدما العديد من الأدلة والحجج. غير أن الثمن جاء أقل كثيرا مما ترجاه الضيف فلم يزد علي تصريح باهت للطالباني قال فيه بأنه لن يعارض ترشيح الجعفري لرئاسة الوزراء مجددا اذا رشحته قائمة الائتلاف. وبعد بضعة أيام حل وفد أحزاب قائمة التوافق ضيفا علي أربيل وتلاه في زيارة مماثلة الي السليمانية رئيس قائمة العراقية أياد علاوي.. والأكيد أن كلا كان يغني علي ليلاه!الخيارات الثلاثة: واضح أن الهدف المعلن لجميع أطراف العملية السياسية التي تدور تحت أنظار الرقيب والمهندس الأمريكي، في الحلبة الكردية وخارجها، هو الحصول علي أغلبية الثلثين زائد واحد لتقرير كل شيء بدءا من تعديلات الدستور وليس انتهاء باقرار تعيين الرئاسات الثلاث. وعلي الرغم من الأداء الانتخابي الجيد لقائمة الائتلاف ذات التوجهات الاسلامية الشيعية والذي سيمنحها الأغلبية البسيطة أي النصف زائد واحد بكل تأكيد غير انها تحتاج الي حليف من الوزن المتوسط لضمان الأغلبية المطلقة وهذا الحليف واحد من ثلاثة:فهو اما أن يكون ممثلا بقائمة التحالف الكردستاني المتوقع حصولها علي أكثر من عشرين بالمئة من المقاعد، أو القائمة العراقية التي يقودها أياد علاوي والتي قد تطال نسبة الخمسة عشر بالمئة، وثالثا وأخيرا قائمة التوافق ذات الوزن القريب من القائمة العراقية . الخياران الأخيران سيظلان أكثر مرارة من علقم التحالف مع قائمة التحالف الكردستاني فلا مجال كما يبدو لأي تحالف تعقده قائمة الائتلاف مع قائمة العلمانيين في العراقية والا انفرط عقد قائمة الائتلاف ذاتها وخرجت منها الكتلة الصدرية ـ أكبر مكوناتها من حيث عدد المقاعد ـ والتي عرف عنها تشنجها السلفي الشديد وغير المبرر ازاء العلمانيين. كما أن التحالف مع قائمة التوافق يبدو راهنا أمرا أقرب الي المحال منه الي الممكن لأسباب عدة لعل من أكثرها حراجة اصرار الطرف الذي يقود قائمة الائتلاف وهو حزب المجلس الأعلي علي اقامة اقليم الجنوب والوسط بما يضمن وضع اليد علي معظم الثروة العراقية النفطية والزراعية وهذا أمر ترفضه قائمة التوافق بشكل قاطع ومبرر، وفي ضوء اصرار جميع أطراف هذه القائمة علي تنفيذ برنامج اجتثاث البعث الذي تفوح منه ـ بحسب بعض الأنوف الحساسة ـ روائح طائفية نفاذة واستهدافات ذات نوازع ثأرية، ينجو بموجبها كما يزعم البعض البعثي من الطائفة الشيعية مهما كان حجم مرتكباته خلال عهد صدام ويجتث ويعاقب البعثي من طائفة أخري مهما كانت ضآلة ما ارتكب في ذلك العهد.منطق الأغلبية المقلوب: تقوم استراتيجية حزب المجلس الأعلي للثورة الاسلامية ـ الحكيم، وبدرجة أخف حزب الدعوة الاسلامية ـ الجعفري، علي ضرورة الامساك بالجنوب والوسط ضمن اقليم اتحادي ثري وذي ادارة ذاتية وسلطات موسعة قابلة للتطوير وقائم علي الانتماء الطائفي فعليا. صحيح أن دعاة الفيدرالية الجنوبية والوسطي ينكرون هذا المسوغ الفعلي لمشروعهم ولكنهم واقعيا لا يستطيعون المضي بعيدا في انكارهم، خصوصا اذا ما قيل لهم اذا كان المسوغ ليس طائفيا فلماذا لا تدرجون المنطقة الغربية ومحافظة الموصل ضمن الاتحادية التي تسعون اليها ليكون العراق مكونا من اقليمين الأول عربي والآخر كردي؟ ومن المفيد التذكير، بأن الكتلة الصدرية، والداخلة حديثا في هذه القائمة، ترفض مشروع اقليم الجنوب والوسط بشكل حاسم، وبدرجة لا تقل عن الأحزاب ذات الجمهور العربي السني الغالب.أغلبية تتصرف كأقلية: الغريب فعلا هو أن الأحزاب الاسلامية الشيعية، التي تغتنم حالة الاستقطاب الطائفي الراهنة والحالة الانفعالية لجمهور واقع تحت ضغط الذكريات الكئيبة لعهد صدام، هذه الأحزاب تتصرف كأحزاب أقلية مع انها تمسك فعلا بالأغلبية الانتخابية والمجتمعية معا. بمعني أن أحزاب الأغلبية الاسلامية الشيعية تستقيل عمليا وبشكل مزرٍ ولا مبرر له عن حكم العراق ككل، وتطالب بحكم الاقليم الذي تشكل غالبيته السكانية وهذا مثال نادر الشبيه في التاريخ السياسي العالمي يصعب تفسيره بضيق الأفق أو قلة التجربة. يمكن أن نعبر عن المعني السابق بكلمات أخري: كان من المنتظر من الأحزاب الاسلامية السنية أو ذات الجمهور العربي السني أن تطالب هي بالمحاصصة الطائفية لضمان مصالحها الطائفية، فيما تجنح الأحزاب الاسلامية الشيعية أو ذات الجمهور العربي الشيعي الي مثيل للعلمانية ولمبادئ المواطنة الحديثة لضمان حكمها للبلد كأغلبية منفتحة علي الأقليات بهدف تحقيق أعمق وأسرع عملية اندماج مجتمعي تبرز من خلاله الهوية الانتمائية الحقيقية للمجتمع كمنظومة مواطنية منسجمة لا كيانات طائفية متصادمة ومتقوقعة علي ذواتها البدائية. غير أن ما حدث كان العكس تماما: لقد اندفعت الأحزاب ذات الأغلبية الشيعية الي المطالبة بالمحاصصة الطائفية، ووجدت في الأحزاب القومية الكردية خير حليف لها وللاحتلال الأجنبي، فيما تصرفت الأحزاب السياسية في المعسكر المقابل علي أسس وشعارات وطنية، ترفض المحاصصة الطائفية والاحتلال الذي جاء بها معا.. ولا بد من القول: حتي الآن! فالمتغيرات علي الأرض تكاد تطيح بالكثير من الثوابت القديمة أو تلك المستجدة بفعل عمق وسرعة التغيرات التي طرأت وستطرأ علي موازين القوي السياسية المحلية وعلي المشروع الأمريكي والاستراتيجية الأمريكية ككل، تلك الاستراتيجية التي خلاصتها التبرع بالمسدس بعد تدوير بكرته حسب قواعد الروليت الروسي للطرف الراغب بالضغط علي الزناد ومراقبة المشهد عن بعد.كركوك مقصلة الجميع: كان من مفاجآت الانتخابات التشريعية الأخيرة، وبموجب النتائج الجزئية المعلنة، والخاضعة للتدقيق والمراجعة الآن، أن وزن المكون السكاني الكردي في المدينة وبعد احتساب أصوات من صوتوا لصالح قائمة التحالف الكردستاني أقل كثيرا مما كانت الأحزاب الكردية تزعمه. فرغم حجم التلاعب والتزوير ورغم السماح لأكثر من مائة ألف مواطن كردي يعيشون في محافظات أخري، نقلوا بالحافلات للتصويت في كركوك، رغم كل ذلك حصلت القائمة الكردية وبشق الأنفس علي أكثر من النصف بقليل بمعني أن تحالفا نشيطا وفعالا بين الأحزاب العربية والتركمانية والآشورية قد تجعل من الصعب تمرير مشروع الحاق كركوك الغنية بالنفط بالاقليم الكردي وقد يدخل المدينة في شبكة مصائر خطرة من الاحتراب والتقسيم وغير ذلك مما لا تحمد عقباه.لقد طغي موضوع كركوك علي ما سواه في المشهد السياسي العراقي الذي أعقب الانتخابات، ويبدو انه سيستمر في السيطرة علي خلفية المشهد لفترة قادمة. غير أن الأكيد، هو أن جميع القوي السياسية العراقية ستحاول تخديم واستثمار موضوع كركوك في هذا الاتجاه أو ذاك، باتجاه كسب هذا الطرف أو التضحية بذاك، ولكن المؤكد أكثر هو أن كركوك ستتحول الي مقصلة لكل قوة أو شخصية سياسية تفرط بثوابت التاريخ والجغرافيا لغرض سياسي سريع الزوال. فكركوك التي تلخص الكثير من مشكلات وملامح العراق المعاصر، الي درجة يمكن اعتبارها عراقا مصغرا من حيث التركيبة السكانية والآفاق السياسية والاجتماعية، ستكون مقياسا دقيقا لفشل أو نجاح النخبة السياسية القادمة أو الناتجة عن ظروف الاحتلال الأجنبي وانهيار حكم شمولي طويل والمهيمنة حاليا علي الواقع السياسي في ادارة بلد ذي استقلال شكلي تعصف به ذكريات الماضي البغيض ووقائع وتناقضات الحاضر القاسية. ہ كاتب من العراق يقيم في جنيف8