حراس اللغة.. عندما تتحول اللغة الى تابوه مقدس

حجم الخط
0

عيد اسطفانوس في المبدأ العلمي المتفق عليه في علم الوراثة عما ينشأ من نتاج في حال زواج الاقارب المتتالي، هو نفس النتاج في حال ما يتحدث الناس الى انفسهم لقرون طويلة، فالنتاج الحتمي في الحالة الاولى هو نسل عليل مشوه يفقد مع الزمن خصائص القوة المطبوعة على شريط جيناته، وفي الثانية يحدث نفس التأثير، إذ تتوقف منظومة التبادل والتوافق، بعد أن يتوقف إنتاج أو ابتكار ألفاظ أو معان أو تراكيب جديدة تتواءم مع العصر ومعطياته، ولا يسمع الناس سوى ما يتوهمون أنه محاورة، وفي الحقيقة هي لا تعدو كونها رجع أصواتهم القادمة من الماضي، وتبدأ المؤشرات الاولى لمظاهر انحطاط اللغة في منتجها الرئيس، وهو الكلمة أو اللفظ (الشائع منه أو المدون)، وهو ناتج الفكر والثقافة السائدة، فاذا كان المجتمع محافظا (وهو تعبير مراوغ أحيانا عن مجتمعات جامدة مغلقة) فلا تسمع سوى قوالب مكررة ومعادة، فيستطيع الانسان بقليل من الجهد أن يستكمل أي خطبة عصماء يبدأها أي من هؤلاء الذين يدعون أنهم حراس هذه اللغة، وفي الحقيقة أنهم أقاموا حولها سياجا من الظنون والمخاوف، سياجا عزلها عن الدنيا وعزل أصحابها، ولولا بعض من اختراقات جريئة محفوفة بالمخاطر هنا وهناك بدءا من شعراء المهجر ومدرسة أبوللو والارهاصات الاولى في تجديد اللغة، مرورا بمعارك شعر الحداثة وقصيدة النثر، وحتى حروب تشريح النصوص وضحاياها الكثيرون، لولا كل ذلك لكانت هذه اللغة قد دفــــنت من زمن وتحولت الى لغة ليتورجيات، وحتى لا يشهر البعض في وجوهنا السيف المعد سلفا لمن يحاول الاقتراب من هذه التابوهات، فاننا نقول اننا هنا لا نتحدث عن محتوى كتب مقدسة عند أصحابها، ولكننا نتحدث عن لغة وظيفتها الرئيسة هي التواصل بين بشر، بشر يعيشون في مجتمع ويمارسون أنشطة حياتية تتطور مع الزمن كل دقيقة وليس كل عام، وعلى سبيل المثال فان تسميات كثيرة لمنتجات وأفكار وأنشطة ابتدعها العقل البشري لازلنا حيارى مختلفين في تدبير مقابلها اللغوي، وفي النهاية نضع لها تعبيرات هي أقرب للانطباعات أكثر منها تسميات، مما يضطر البعض إلى فتح الاقواس لحشر الكلمات الاجنبية داخلها منعا للالتباس، وبينما ننعت أي لفظ جديد بأنه (الغريب الدخيل) يتباهى الانكليز بعدد الالفاظ والكلمات الجديدة التي تضاف لقواميسهم كل عام ويعتبرونه علامة الحياه للغتهم، فلا حياه لبشر من دون أن يتوالد الناس ولا حياة لثقافة من دون أن تتوالد اللغة، أما اللغات العقيمة فزوالها مسألة وقت. وعندما قال طه حسين ان اللغة لا تملك البشر ولكن البشر هم من يملكون اللغة، كان الرجل يرى (ببصيرته) جيش المتنمرين الذين مالبثوا أن أوقعوا به في أول فرصة واتهموه بأبشع التهم، واللغة حتى تزدهر يلزم لها ظهير داعم، وبالطبع يأتي عدد السنة المتحدثين بها في مقام متقدم، لكن ذلك لم يعد يكفي مع مرور الزمن، فلم يعد كافيا عدد المتحدثين بلغة ما حتى نضمن ازدهارها، لكن يضاف إسهام هؤلاء وتأثيرهم في مجمل النشاط الانساني، الفكري والاقتصادي والتقني والاجتماعي والسياسي، والاسهام هنا اخذا وعطاء، ترجمة من اللغة واليها، تبادل منافع حياتية مع كل المجتمعات، بالاضافة الى منظومة بحث علمي حر تدار باحتراف ومندمجة مع مثيلاتها في أرجاء الدنيا، هذا هو ظهير اللغة الداعم لازدهارها ونموها وانتشارها وتفاعلها مع المحيط البشري، خلاصة القول ان ظهير اللغة هم البشر المنتجون المبتكرون متفتحو العقول المتصالحون مع أنفسهم ومع الآخرين.

ولم يلتفت أحد إلى لغة يتحدث بها أكثر من مليار من البشر، إلا بعد أن غزت منتجاتهم الدنيا وأصبحوا قوة اقتصادية هائلة مرشحة لقيادة العالم، ومن ثم اهتمت الدنيا بلغتهم وأنشأت أقسام اللغة الصينية في معظم جامعات العالم، وهم لم يصبحوا كذلك إلا بعد أن انفتحوا هم أولا على العالم وعلموا أولادهم كل اللغات الحية، لكن ليس بمبدأ (إعرف عدوك) الذي نعلم به اللغات في مجتمعاتنا متوجسين، ولكن بمبدأ إعرف وتعلم وانتج فتستطيع أن تقود العالم، وذهب شبابهم طلبا للعلم والبحث، وغزوا جامعات العالم المتقدم ونهلوا بلا حساسيات ولا خوف كل ما يستطيعون استيعابه والاستفاده منه في بناء بلادهم، واليوم يشكل الصينيون والهنود نسبة معتبرة جدا في المراكز البحثية المتقدمة في جامعات امريكا وأوروبا، ومعظمهم يستجلبون بمنح من هذه الجامعات للرغبة في مثل هذه الانماط من الباحثين المثابرين.

والكلمات العربية المنتشرة في لغات كثيرة معظمها كان ثمرة حقبة الازدهار الكبرى، وهي حقبة انفتاح العرب على العالم في أزهى عصور حضارتهم، ولم تنتشر هذه المفردات بغزوات أو حروب، بل كانت هي الانسب والاصلح ولم يجد الاخرون غضاضة في استعمالها والاعتراف بأصولها اللغوية. ومن فرط يأسهم من الواقع المحيط بهم، وبعد أن سادت أنماط مستحدثة في التعامل في المعلومات والاتصالات والذوبان المتسارع لفارق الزمان والمكان بين البشر، ابتدعت الاجيال الناشـــــئة تعبيرات تخصهم وحدهم وأصبحوا ينقرون على لوحة المفاتيح ويتخاطبون بمفـــردات غريبة، واكتفى (حماة اللغة وحراسها) بالاستهجان ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في الظاهرة، فربما أمكن تشذيبها واستيعابها، لكن العقول التي تحجرت حولت اللغة الى تابوه مقدس ممنوع الاقتراب من حروفه لا بالإضافة ولا بالحذف ولا بالتعديل، ساعدت على ذلك بيئة الركود الفكري والثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، البيئة التي تحض على الانعزال والتقوقع والخوف والتوجس بين المجتمعات وبين الافراد داخل المجتمعات، البيئة التي يتوقف فيها النمو الطبيعي للاشياء الحية وعلى رأسها اللغة، ويبدأ الناس في استنساخ أفكارهم وألفاظهم وهم لا يدرون أنها بضاعة مستهلكة كقطع العلكة التي سبق مضغها، ولعظمتها وفضائها الرحب وشاعريتها المبهرة أنصفها كثيرون حتى من غير ابناء جلدتها وكانت لهم فيها مباحث قيمة لازالت معينا لكثيرين من طالبي البحث والتحقيق في قضية تجديدها، وهؤلاء لم يسلموا من تهم الصقت بهم وبأهدافهم على مر العصور، الصقها بهم مدعو الدفاع عنها، وهم في الحقيقة يدفعونها دفعا لتصبح فقط لغة ليتورجيات.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية