القاهرة تنفق مليارات الدولارات كل سنة في بناء قوتها العسكرية.. تدعم حماس وتغرق الضفة والقطاع بالسلاح
ان سلوك مصر في سيناء وفي محور صلاح الدين، الذي يُمكّن من تسلح المنظمات الارهابية تسلحا واسعا، يقتضي فحصا جديدا عن سياسة شبح مصر في ثلاثة مجالات: العملية السلمية، وحماس والارهاب وتعاظمها العسكري.
في الاشهر الماضية، اقتنع كثيرون بأن القصد الحقيقي لمصر هو ترك الاسرائيليين والفلسطينيين ينزفون معا. ابتدأت تظهر شكوك في هذا الاتجاه عند مقرري السياسات في واشنطن في سنة 2000، بعد فشل قمة كامب ديفيد ونشوب الانتفاضة.
في ذلك المؤتمر، كما تذكرون، أعد رئيس الحكومة، ايهود باراك، مفاجأة استراتيجية: اقتراحه تقسيم القدس، وفي ضمنها البلدة القديمة، في قصد الي إذهال ياسر عرفات ودفعه الي التوقيع علي اتفاق سلام. ظن باراك ان عرفات سيصعب عليه الثبات لاغراء انجاز تاريخي ـ عاصمة فلسطينية في شرقي القدس ـ وسيوقع علي انهاء النزاع.
لكن آنذاك ابتدأ يُسمع صوت المعارضة، لا من قبل جبهة الرفض علي التخصيص. بادر رئيس مصر، حسني مبارك، الي التحذير في التلفاز من أنه ليس من صلاحية عرفات ان يقرر في شأن القدس، لأن البلدة القديمة تعود لجميع العرب والمسلمين وسيكون تقسيمها بمنزلة خيانة. سبب تدخل مبارك في اللحظات الحاسمة للمؤتمر علي نحو نادر جعل وزيرة الخارجية الامريكية في تلك الايام، مادلين اولبرايت، تشكو علنا من إسهامه في جهود السلام.
يجب ان نضيف الي إفشال كامب ديفيد سلوك مصر الغريب المتصل بالعملية السلمية بين اسرائيل والاردن. اعتاد المصريون لسنين الشكوي من عزلتهم في العالم العربي بسبب اتفاق السلام مع اسرائيل. كان هذا ايضا التفسير الذي أعطي لقضية مقاطعة مبارك لزيارات رسمية لاسرائيل ولقضية السلام البارد، الذي سيسخن، كما وُعِد، اذا ما انضمت الي الدائرة دول اخري. ماذا كانت صلة مصر اذا بالعملية السياسية مع الاردن؟ يتبين أنه لفرط الحماسة للخروج من العزلة، استعملت مصر ضغوطا شديدة علي الملك الراحل حسين علي التخصيص من اجل أن يكف عن التوقيع علي الاتفاق المأمول مع اسرائيل، بل ان مصر لم تمتنع عن ارسال مفوضية مناسبة لمراسم التوقيع في العربة، فضل مبارك الذي دُعي إليها البقاء في القاهرة.
تم الكشف عن نفس نمط السلوك ايضا في العلاقة بجهود اسحق رابين للتوصل الي علاقات دبلوماسية تامة مع قطر والمغرب. نجح المصريون بما خيب أمل رابين في تعويق توقيع الاتفاقات مع هذه الدول في الدقيقة التسعين تماما. يمكن بالطبع أن نبحث وأن نجد تفسيرات دقيقة لتصرف مصر في كل حالة وحالة، ولكن عندما ننظر في الجملة، الصورة التي تظهر هي صورة استراتيجية مصرية تخالف سياستها المعلنة عن تقديم السلام الاقليمي.
ما هي علاقة مصر الحقيقية بالسلطة الفلسطينية والمنظمات الارهابية في المناطق؟ ان أكثر السلاح والذخيرة اللذين يصلان حماس في غزة، وسائر المنظمات الارهابية ايضا، يُنقلان عن طريق الارض السيادية لمصر. من المواضعات انه اذا امتنعت دولة ما عن فعل كل ما تملك من اجل منع تهريب السلاح الي المنظمات الارهابية، فان الامر يعني تأييدا صامتا للارهاب.
في السنة الماضية ازداد معدل التهريبات من مصر الي ان وصل علي حسب الشاباك الي أكثر من عشرين ألف بندقية في السنة، وملايين الرصاصات، ومئات صواريخ آر.
بي.
جي المضادة للدبابات، وعشرات الأطنان من المواد المتفجرة الموافقة للمعايير وكذلك ـ معدات تستطيع أن تكفي لتسليح عدد من وحدات فرق المشاة في السنة. من اجل الموازنة، فان الدولة الثانية التي يوجد لها اتفاق سلام مع اسرائيل، وهي الاردن، أكثر حزما في نشاطها المضاد للتهريب، والنتائج موافقة لذلك.
بخلاف الانطباع المحصول عليه، ما يُحتاج اليه من مصر لكي تكف التهريبات ليس صراعا علي الأنفاق في محور صلاح الدين. الشيء الأهم، والأسهل للتنفيذ، هو اقامة نقاط تفتيش علي الشوارع والطرق الترابية المعدودة التي تفضي الي منطقة رفح، وتعويق قوافل السلاح والذخيرة في أقرب وقت. ان القادرين علي الكشف عن مشط ذخيرة قديم نُسي في مركب متنزهين اسرائيليين في معبر طابا ـ يستطيعون ان يكشفوا عن مئات البنادق أو عشرات الصواريخ التي تُنقل في السيارات في الاتجاه المعاكس. وشيء آخر يجب علي المصريين فعله هو اعتقال رؤساء المهربين في العريش وفي القاهرة وزجهم في السجن، وكذلك تحطيم شبكات المهربين، كما فعل الاردنيون بالضبط.
ويوجد بالطبع ايضا المجال الدبلوماسي. عندما يُدعي خالد مشعل ورفاقه مرة بعد مرة الي لقاءات مع وزراء مصريين في القاهرة، فان الحديث عن نوع من التعزيز الدبلوماسي الحيوي لحماس لا في وجه اسرائيل فقط بل في وجه فتح وأبو مازن ايضا. كانت الحال كذلك ايضا قبل نحو سنتين، عندما حاول المصريون احراز الـ هدنة. كان اقتراحهم أنه في مقابل وقف اطلاق النار المؤقت سيُعطي التزام تاريخي لعدم اخضاع حماس بالقوة أو تجريدها من سلاحها.
ان الدفاع المصري الخفي عن حماس في وجه السلطة الفلسطينية وفتح بدأ في فترة عرفات. في نيسان (ابريل) 1996، قبيل الانتخابات بين بيريس ونتنياهو، ضغط رئيس الولايات المتحدة بيل كلينتون علي عرفات ليكافح الارهاب. كانت هذه المرة الوحيدة التي أمر فيها عرفات الجنرال نصر يوسف باستعمال القوة في وجه نشطاء حماس في غزة، وهو ما أفضي الي اعتقالات كثيرة، وعدد من القتلي، واغلاق مساجد. حرص المصريون علي ان يقولوا في هذه القضية شيئين: الاول، وُجه الي مسامع كلينتون وكان ان عرفات يجب عليه العمل لوقف العمليات. والثاني، وُجه الي مسامع عرفات وأبو مازن وهو أن علي الفلسطينيين ان يمتنعوا عن حرب أهلية. الرسالة في هذا القول واضحة: لا تعالجوا حماس كما عالجنا الاخوان المسلمين في مصر.
في واقع الأمر، الحديث ليس عن ظاهرة موجهة الي اسرائيل فقط. لا يتجاوز سلوك مصر معايير اقليمية معمولا بها: فهكذا تشجع سورية منذ سنين ارهاب حزب الله ومنظمات اخري مضادة للبنان، والارهاب الكردي لجبهة بي.
كي.
كي المضادة لتركيا والارهاب الداخلي في الاردن والعراق، وكذلك شجعت عراق صدام حسين الارهاب السني في سورية، والارهاب الفلسطيني في الاردن، والارهاب الشيوعي والكردي في ايران.
يبدو ان الزعم المقابل الذي يتمسك به محللون كثيرون في الجماعة الاستخبارية وفي الاعلام وهو ان مصر ممتنعة قبلياً عن دعم حماس لانها تخاف الارهاب الاسلامي عندها في الداخل ليس له ما يقوم عليه. يُبين التاريخ انه يمكن قمع الاخوان المسلمين في مصر وتشجيع اخوتهم في الآن نفسه في فلسطين، كما كان يمكن لعراق صدام حسين ان تطارد الأكراد بوحشية داخلها وفي الوقت نفسه ان تسلح الأكراد في ايران، والعكس. تميل دول الشرق الاوسط الي الاعتقاد (وبحق) ان استعمال الارهاب أو الدس علي جاراتها لا يوجد لهما تأثير مباشر فيما يحدث داخلها.
لماذا تتصرف مصر اذا كما تتصرف؟ يبدو أن سياستها المتصلة بحماس تريد احراز عدد من النتائج. أولها وأوضحها استنزاف اسرائيل لسنين، واضعافها. ان تسلح الفلسطينيين الكثيف في السنة الأخيرة يهدف الي التمكين من اقامة جهاز في غزة علي نحو يشبه حزب الله في لبنان، وهو شيء يفترض أن يُثقل علي اسرائيل في حالة اشتعال اقليمي.
ونتيجة مأمولة اخري هي تفتيت نزع السلاح في شرقي سيناء. يعتقد المصريون أن زيادة التهريبات وسوء الوضع في أعقاب ذلك سيثبتان أهمية اعادة السيطرة العسكرية المصرية في شرقي سيناء، ومن هنا تأتي المطالبة بتغيير اتفاقات السلام في هذا الاتجاه ـ كما حدث بالفعل علي نطاق أضيق في اتفاق فيلادلفيا.
هناك موضوع آخر يجب البحث فيه هو تعاظم مصر عسكريا. لا يهدد مصر أي تهديد وجودي، ولا حتي نزاع حدودي متأجج مع جاراتها. علي أية حال، امتلكت مصر من جملة ما امتلكت بفضل المساعدة العسكرية الامريكية، تفوقا عسكريا تقليديا مثيرا للانطباع علي كل دولة عربية أو افريقية اخري.
التفسير السائد في الدوائر الاستخبارية، كما في الاعلام، لاستمرار تعاظم مصر هو أن مصر ما تزال تشعر بتهديد اسرائيل. هذا تفسير غامض. يعلم كل ذي عقل، أن اسرائيل اذا تخلت عن شبه جزيرة سيناء كلها وفي ضمن ذلك حقول النفط الغنية فيها من اجل السلام والاستقرار، فانها لا تنوي العودة الي المحاربة لاحتلال الارض من غير سبب ما. رغم ذلك، تواصل دولة فقيرة مثل مصر إنفاق مليارات الدولارات كل سنة في بناء قوتها العسكرية. اليوم، بعد 25 سنة من تعاظم مثير للانطباع، بلغت الي توازن كمي مع اسرائيل في عدد من المجالات، وفي مجالات اخري خلفتها تعدو في آثارها. عدد الطائرات الحربية العصرية لسلاح الجو المصري، وأكثرها طائرات اف 16 امريكية، يشبه عددها في سلاح الجو الاسرائيلي، أما في عدد الدبابات الغربية، والمدافع، وبطاريات الصواريخ المضادة للطائرات، والسفن الحربية، فانها تتفوق بنسبة كبيرة علي ما يملك الجيش الاسرائيلي.
منذ السلام الي اليوم استطاعت مصر ان تحصل من الولايات المتحدة علي نحو 40 مليار دولار كمساعدة عسكرية. وفي الحقيقة ان المساعدة لاسرائيل كانت أعلي قليلا، بيد ان اسرائيل بخلاف جارتها الجنوبية لم تستطع توجيه جميع مواردها لزيادة قوتها في وجه مصر. لقد اضطرت في ذلك الوقت الي انفاق موارد كبيرة في وجه سورية والعراق، وفي مواجهة الفلسطينيين وحزب الله في شمالي البلاد، وفي مواجهة الارهاب الفلسطيني في قلب الدولة. يتعلق تطور مقلق آخر بالتمرينات العسكرية. ابتداء من 1996، بعد نحو ثلاث سنين من دفع اتفاق اوسلو الي الأمام، تُجري أكثر التمرينات العسكرية في مصر كتمثيل علي حرب مع اسرائيل. لاول مرة في ذلك الوقت أُضيف الي عنوان التمرين السنوي التلخيصي للجيش المصري، المسمي تمرين بدر، وهو عنوان ثانوي عُرّف أنه تمرين حربي في مواجهة دولة صغيرة في شمال شرق مصر (منذ ذلك الحين ما زلت أُفكر هل يوجد لمصر شيء في مواجهة لبنان). وفي النهاية، لا يمكن ألا نذكر ايضا قضية التربية المضادة لاسرائيل، والتحريض الشديد في وسائل الاعلام. بعد نحو ثلاثين سنة من زيارة السادات ما يزال تلاميذ مصر ينشأون علي معرفة أن اسرائيل مصدر الشر في المنطقة كلها. في أكثر الخرائط في الكتب التدريسية ليس ما يشار اليه شرقي مصر هو اسرائيل بل فلسطين. في الاعلام المصري ايضا تهب رياح سلب اسرائيل حقها في الوجود كدولة يهودية. ويوجد بالطبع التحريض المعادي للسامية ايضا.
قبل نحو سنتين، مع انقضاء مؤتمر شرم الشيخ، عقد رئيسا الولايات المتحدة ومصر مؤتمرا صحافيا ومن ورائهما شاطيء بحر سيناء. تحدث بوش أن واجب الدول العربية ان تعمل لوقف التحريض علي اسرائيل، والغرب والشعب اليهودي. في البث المباشر في التلفاز ظهر مبارك يهز رأسه علامة الموافقة، بيد ان مواطني مصر رأوا شيئا آخر، لانه في الوقت نفسه بث التلفاز الرسمي حلقة اخري من برنامج تلفازي يقوم علي بروتوكولات حكماء صهيون، وصف اليهود كقوي ظلامية شيطانية تحاول تدمير العالم.
قبل 25 سنة تخلينا عن سيناء من اجل السلام مع مصر. اذا كانت مصر تحرص علي مدي السنين علي توسيع دائرة السلام مع الدول العربية المعتدلة، واذا كانت تغض الطرف عن تهريبات السلاح الي المنظمات الارهابية في غزة، واذا كانت تمنح حماس تأييدا دبلوماسيا وعسكريا خفيا، واذا كانت تُربي الجيل الشاب علي كراهية اسرائيل، واذا كانت تنفق علي زيادة القوة العسكرية إنفاقا عظيما وكلها موجهة الي امكانية مواجهة اسرائيل ـ فليس هذا هو السلام الذي أملنا به.
يوفال شتاينيتسكاتب في الصحيفة(هآرتس) 4/12/2006