سيرة ذاتية

حجم الخط
0

هاشم غرايبةمنذ التفاحة الأولى يحدث ذلك.. وكنت أحدس بما سيحدث!

عمري الآن تسعة وخمسون عاماً. هذا سن حرج، لا أعرف بأي معنى أقول إنه سن حرج.. شعرت بهذا الحرج في سن التاسعة، والتاسعة عشرة، والتاسعة والعشرين، والتاسعة والثلاثين.. في سن التاسعة والأربعين تمنيت لو يتوقف الزمن!

رقم تسعة يزداد حرجه، وتزداد حلاوته المُرّة في فمي كل دورة. ماذا عن حرج وحلاوة.. أو مرارة سن التاسعة والتسعين؟* * *كنت في التاسعة من عمري.. كانت لي كرة من مزق الملابس الملونة، ولها فراشاتها الزاهيات.. وحصّبتُ.

أمر جدي – له الرحمة ولـ ( حوارة) الغيث – كل الأحفاد الصغار أن يناموا معي في نفس المكان: كل الأطفال لا بدّ محصب، فليحصبوا معاً.. حصّبت البنت.. وطارت فراشاتها الزاهيات!

أحرقتْ جدتي شعيراً مملحاً وبخّرتنا!’مُرْ ودقيق؛ مر في عين العدو، ودقيق في عين الصديق ومرّار الطريق.. يا رب يا جبار. احم عيون الصغار. بجاه النبي المختار’كنا نجوب معاً طرقات حوارة المتربة بلا ملل!.. نلعب كثيراً. نتشاجر كثيراً. نتصالح كثيراً.. وبيننا دائماً سوء تفاهم حميم!

الأفعال والانفعالات المواكبة للمرض الجماعي لم تعن لي وقتها شيئاً محدداً.. مجرد سوء حال سيزول!

كنت أبحث عن كرتي الضائعة.. وفجأة، قالوا إنها ماتت!

جاء جدي غسلها، ولفها بالأبيض، حملها في حضنه ومشى صامتاً بخطى راسخة نحو المقبرة، فيما نحن الأطفال المحصبين نتعثر بالحصى، ونتابع المسير حوله ممسكين بفضلة ثوبه.. هناك، كانت الحفرة صغيرة، ترابها طري رطب، جلسنا نعبث به ونشكّله على هوانا.. مدد جدّي اللفة وراح يصلي. نثرت التراب عليها لتفتح عينيها اللامعتين وتلعب معنا، فضحكت.. لكن عينيها ظلتا مغمضتين.***في سن التاسعة عشرة وجدتها إلى جانبي. صبية لها عينان بصفاء السماء، كانت تتكلم اللهجة العراقية بلكنة جنوبية، وكنت أتكلم لهجة حورانية أصيلة، وتحاورنا بكلمات مرتبكة أوقعتنا في سوء فهم حميم.

خرجنا من الامتحان الأخير معاً، ومشينا تحت الشمس اللاهبة.. كان ثمة راديو يغني: ‘ ياللي جرّة سما بعينك، خاف افزّزها من أقلّك. أنا احبك’.. شربنا ماء من ( سقاية الحاجة عيوشة)، واستدرنا إلى باب المعظم، ومشينا في شارع الرشيد، ووصلنا مربعة حافظ القاضي فدخلنا مطعماً مكتظاً بالزبائن؛ حشرنا جسدينا على طاولة متواضعة بين غرباء فظين.. ثم تابعنا المشي فرحين.

عبرنا إلى شارع أبي نواس، ثرثرنا عن كل شيء، وكنا نستعين باللهجة المصرية لتصحيح سوء الفهم.. ووصلنا المسبح، ثم عدنا في الباص إلى مجمع الميدان.. ولما حانت لحظة البوح بما اختزنه صحبة عمر كامل من التآمر على رغباتنا الوردية، افترقنا بصمت.* * *خافضة البصر أو رافعة، لا بد أن تلتقي العين بالعين مرة.. أربع عيون وكل ما سواها ظلال..’ العينان ذاتهما، والسر ذات السر لم يتبدل’! ابتسمت لي ابتسامة عذبة حنونة وكأنها تقول: ‘ فرصة طيبة’، ابتسمت لها ابتسامة عريضة: ( أهلا).. في التاسعة والعشرين. كانت ‘ الفرصة الطيبة’! في مستشفى ماركا القريب من سجن المحطة في عمان. كانت لها مشكلتها، وكان لي مرضي. تبادلنا تلك النظرة التي تزعم أننا نعرف بعضنا بعضاً منذ الأزل، تحدثنا بلغة مرتبكة خوفاً من وقوع المعاني في آذان من حولنا، وقعنا في سوء الفهم اللذيذ.

خرجنا من الحافلة إلى عنبر المساجين في المستشفى.. تهرّ الذكريات والأطياف والروائح.. أرى عالم الحرية الرحب في عينيها. ويأتينا صوت فيروز من حافلة عابرة:’وعيون بتقول اسكني فيّه، وطيري يا دني / ويا ليل ليّل ع الدني يا نجوم ع الأرض انزلي’. يفكون القيد، أمشي للعنبر المخصص لنا في المستشفى، عند يمين المدخل مكتب يجلس خلفه شاويش تكدست أمامه عشرات الأضابير، وعلى يمينه خزانة قديمة مليئة بأوراق غير مرتبة، يسار العنبر أقيمت مغسلة قذرة، وعلى الحائط علّقت كلبشات معدنية لامعة. هل للفظاظة مكان هنا؟!.. التقطنا فرصة انشغالهم بأوراقنا، فتكلمنا كأننا نعرف بعضنا بعضاً منذ الأزل، ودار فينا العنبر الكئيب كدولاب الهوى.. وعند اللحظة التي لا بد منها. نادى الشاويش اسمي:’ عمرك.. التهمة.. مرضك؟’… وافترقنا!* * *في التاسعة والثلاثين التقيتها في موسكو، أعرف قليلاً من الروسية، وتعرف قليلاً من العربية، فوقعنا في سوء فهم ممتع أكثر من الفهم ذاته.. انقضت ثلاثة أسابيع من المشي تحت الثلج وفوق الثلج، ذهبنا إلى ‘ السوم’، و’ القوم’، ومحطة ‘ سوكل’، وشارع ‘ أربات’.. وواجهنا فظاظة البرد بالحديث عمّـا لا نعرفه جيداً، وكنّا فرحَين بالكشف عن هول ما لا نعرف.. ركبنا إلى كل محطات المترو في موسكو، وقرأنا بابلو نيرودا.. وغنينا معه: ‘ عيناك لشدة عمقهما أخاف أن أنحني لأشرب’.. في اليوم الأخير، جاءت لتبوح بما ينبغي أن تبوح به منذ الأزل، فلم تجدني!* * *التاسعة والأربعون، التقينا في الجزائر، لهجتها جزائرية على فرنسية، ولهجتي أردنية على إنكليزية..’ عيناك عيناها، كذا كانتا، والوجه، ذات الوجه، لم يتبدل..’مشينا في الجزائر العاصمة تحت المطر العصبي، عبرنا حي القصبة رغم التخويف الفظ من الإرهابيين، ومشينا على شاطئ البحر رغم التحذيرات الفجة من اللصوص والنشالين.. ووقعنا في سوء الفهم اللذيذ، وكانت لدينا المزاعم ذاتها، واللغة المرتبكة نفسها.. وموعد مع البوح كنت أدرك أنه لن يأتي، فقد صارت الحكاية أكثر وضوحاً، والتوقعات أكثر صرامة ودقة.* * *إنها سن التاسعة والخمسين، ابيضّت ظنوني، وصرت أكثر إدراكاً لقوانين المشي على الطريق.. التقيتها في عمان!..’ وَتَعَطَّلَت لُغَةُ الكَلامِ وَخاطَبَت عَينَيَّ في لُغَةِ الهَوى عَيناكِ’ترافقنا على طريق عمان إربد شمالاً.. اتجهنا إلى جرش، وعجلون، ثم اربد.. سرنا في طرق زراعية غير نافذة، وعبرنا قرى متشابهة الفظاظة.. على مشارف ( حوارة) تعطلت السيارة!

وقفنا على قارعة الطريق صامتين.. وما زلنا! كاتب من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية