‘أسمال لا تتذكر دم الفريسة’ للسعودي محمد الحرز: القصيدة ومساءلة تاريخ الوجود الإنساني

إن للشعر سواء كان قصيدة عمودية، تفعيلية، نثرية، وظيفة جمالية ومعرفية تؤسس معرفة بالكون تعتمد على المنظومة الفكرية عند الشاعر، مؤلف القصيدة، في آلية مقاربته للنص، ومما لاشك فيه إن الشعر منذ بداياته التاريخية الأولى وهو يعانق أنا الإنسان / الشاعر والجماعة، والعديد من القضايا الإنسانية الاجتماعية والدينية والوجودية.
بغض النظر عن التسميات الكثيرة للقصيدة الحالية، المتراوحة بين النثر والتفعيلة، والعمودي، التي قد تحتاج منا إلى حسم واضح لها، فإن الشاعر والناقد محمد الحرز قدم قصيدة النثر بجمالية معرفية تعانق أسئلة الوجود الكبرى وتتدرج في النزول إلى تصوير علاقات الحياة اليومية بكاميرا شاعر مرهف الإحساس ومتفاعل مع الآخر بشكل يدعوه لان يندمج مع الآخر، يعرض لصور حميمية لالتقاء الذات مع الآخر، يبدأ بمساءلة الوجود وينتهي باكتشاف سر الوجود في الانصهار مع الآخر والانسجام مع المرأة على سبيل المثال لا الحصر، ورؤيته لها كقيمة جمالية عالية، يتبدى هذا بشعرِها، مما يشير إلى إننا أمام شاعر منصهر بتراثه والقيم الجمالية الشكلية للمرأة العربية ألا وهي الشعر، كقراءة أولى، ولو قرأنا علامة شعر المرأة بقراءة أعمق لوجدناها تدل على إن الشعر هو علامة على المحظور في المجتمع لأنه من الممنوعات الظهور في البيئة التي ينطلق منها الشاعر السعودية في الحياة اليومية العملية يجعله يستمتع أكثر بجمال هذا الشعر غير الظاهر في الخارج، فكأنه علامة من علامات القمع في المجتمع يحاول أن يحرره الشاعر بالاستمتاع برؤيته كعلامة دالة على الاستمتاع بأحد أشكال الحرية.
محمد الحرز الشاعر والناقد يقدم القصيدة الفكرة الجمالية الحديثة بحس نقدي عال يؤسس لرؤيته للشعر بتوافق نظري وتطبيقي، فمن يقرأ مقالاته وأبحاثه في الشعر سيجد إنه ما يقوله من أفكار في الشعر على المستوى النظري، يقدمه عمليا في قصيدته، فإذا كان التنظير هو القول الكلامي، فإن القصيدة عند محمد الحرز التطبيق الفعلي لما يفكر به الشاعر من مفاهيم حول القصيدة. على سبيل المثال، بقراءة كتاب محمد الحرز القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة، يميز بين مفهوم الغموض السلبي الملتبس بمفهوم بالقصيدة العربية الحديثة، بقوله:
‘ما يسمى بالغموض الذي يتلبس جوانب من الشعر الحديث في ممارسته الحالية عندنا في الساحة،هو غموض يخفي وراءه لغة ذهنية مجردة وتركيبات أسلوبية معقدة وأفكارا مجانية تقذف داخل القصيدة بطريقة عشوائية’.
كلام الشاعر يتوافق مع ما نقرأ من العديد من النصوص الشعرية المعاصرة التي نحاول حل المتاهة الكبرى المقدمة فيها من دون أن نصل إلى فكرة واضحة غير اللغة الشعرية البراقة. وهو ما يحيل بشكل كبير إلى إشكالية منطق في كتابة القصيدة العربية.
وهذا ما أرى الشاعر تجاوزه في تجربته الشعرية من خلال مجموعتين شعريتين له.
فدواوينه الشعرية، التي بين يدي: ‘سياج أقصر من الرغبات’ الصادر عام 2013، و’أسمال لا تتذكر دم الفريسة’ عام 2009، تخوض في هذا الهم الإنساني، مع مراعاة عمق الفكرة المعرفية، وضوح مقاصد النص، تزاوج اللغة الشعرية المكثفة باللغة اليومية العادية. فالديوانان ينطلقان من ثيمتين هاميتين كالتركيز على فكرتي الذنب والخطيئة في ‘أسمال لا تتذكر دم الفريسة’، ورغبات آمال في ‘سياج أقصر من الرغبات’، كما نفهم من العناوين، ومن الواضح إن العنونة تلعب دورا هاما في الدلالة الرمزية التكثيفية في المجموعتين الشعريتين، شكلت مفاتيح هامة في قراءة القصيدة لديه، وأسست لفهم الدلالة الكلية للنص سواء على مستوى القصيدة الواحدة، أو على مستوى الرؤية العامة للمجموعات الشعرية. إذ إن العناوين الأساسية تدل بشكل عام على رؤية الشاعر العامة للديوان، ف ‘أسمال لا تتذكر دم الفريسة’ يعرض لثنائية الحضور والغياب، والتجلي والخفاء، فما هو قوي هو الشر الدور المفترض من ذئب يترك أسمال الفريسة الغائبة، هذه الأسمال شواهد على وجود فريسة بدت بالدم، فالدم خير شاهد على وقوع الجريمة، وأثر لوجود الفريسة، ولكن هذه الفريسة تغيب وتترك أسمالها، وأثرها في الوجود، مع عدم ذكر الفاعل والمفعول به، تبقى الأسمال حاضرة في النص، ليؤكد النص ان الظلم المتحقق من خلال ظالم والواقع على مظلوم موجود بشكل مطلق، فليس هناك مزية من تخصيصه مادام هو قاعدة تنطبق على الحياة الإنسانية منذ البداية حتى الآن. فعدم معرفة وتحديد الأفراد من خلال صيغة التنكير تعرض لأفكار مجردة بنيوية:
‘لا دليل على الثياب ولا على أزرتها، والرائحة التي علقت لا تشير’. (ص:59(
لذلك نرى المجموعة تعرض لتاريخ الإنسان منذ بدء الحياة، حتى اليوم، يتقاطع مع تاريخ الخطيئة وجهل أسباب الوجود، يعلن جهله لسبب أو دليل الوجود، منذ بداية الديوان يستفز الشاعر قارئه بأن من يتحدث عنهم ويعرض لحكايتهم ‘جاؤوا إلى الحياة بلا سبب أو دليل’، ولكنهم تحولوا إلى حراس للحياة تربيهم العلامات وتوجههم إلى الطريق، في هذا النص ينطلق السارد الشاعر في ذكر بدايات الحياة الولادة، وتشكل وعي الإنسان البدائي الذي لم يخلف بعده ذكرى أو صورة معلقة على جدار، بسبب بدائية الحياة وقتها والإنشغال في عملية الوجود: العمارة ‘زرعوا أفكارهم في جذور الأرض وقالوا للسماء أمطري!!’ (ص:1)
حفروا البدايات وغابوا وصنيعهم هو أثرهم، ولكن الرسالة غابت عن القارئ الحديث لأن حبرها سكب على الأرض وبان حديد الأرض، واختفت الرسالة.. حديد الأرض قد يكون هنا إشارة للسلاح أصله من حديد، وعمارة الأرض، الذي تواجد وأخفى خلفه مغزاه، ورؤيته وهدف الوجود، فأين الدليل وأين سبب الوجود، كما يتساءل الشاعر! طبعا، النص يحيل لقضية السببية وهي هنا إشكالية كبرى يختلف فيها فهمنا لها وفق أي خلفية معرفية ودينية ننطلق منها، فمن منظور ديني نجد فيها مخالفة لفهمنا لسببية وجود هذا الإنسان في الكون للعبادة والعمارة. ولكن لو أخذت من منظور بعض التوجهات الفنية والأدبية الغربية الوجودية التي ترصد الإحساس بعبثية الحياة لاستطعنا فهمها وتقبل رؤيتها العامة. إذن عنوان القصيدة السابقة، ببنيته التقريرية الخبرية كما اتضح بالنص هو عنوان دال ومهم في قراءة المتن وله وظيفة بنيوية في فهم النص، واستفزازية للقارئ عندما يعلم ان في النهاية عدم سببية وجوده في الحياة، ومحزن لأن من مضوا وبنوا الحياة من دون ان يتركوا أثرا ودليلا كصورة، سوى أسمائهم وصنيعهم، تساؤل الشاعر هنا حول بداية الوجود، ومن مضوا قبلنا من دون معرفتهم يحيل إلى إشكالية الخلود، ومن يخلد وما الذي يخلد، وكأنه يكتب قصيدته رثاء للماضين والعابرين في هذه الحياة.
تمر المجموعة البشرية بتعب الولادة، وطوفان الغريق الذي يتقاطع مع طوفان نوح، واعادة بنية الخطيئة المتكررة الخطايا لا ليجمعوها في خرق بالية، إنما لينثروها على قبور موتاهم كبذور الحنطة والشعير’، تناسلوا قرب الفجيعة ولهم من الأنساب أربعة عشر قمرا’..(ص16) فالخطيئة عبر تشبيهه البليغ هنا مزروعة في هذه الحياة ومتوارثة، أن تلتصق الخطيئة بالأرض منذ أن هبط آدم إليها فهي ذات جذور تنتمي إلى الأرض وليس إلى عالم آخر، سماوي مثلا، ولنلاحظ ما اختاره الشاعر من بذور للحنطة والشعير، مما يعني زرع لشيء أساسي من الموارد الهامة التي يعيش عليها الإنسان، وهو الخبز..فالخطيئة متلازمة ضرورية للكائن البشري كما الخبز.

في قصيدة ‘خطأ كبيرô تلك هي الحياة!!
فكرة الولادة والوجود تعيد نفسها مرة أخرى في هذا النص، : وليست ظلال أجسادنا في الحياة سوى العلامة الكبرى على تلك الولادة’. 27
يتقاطع الشاعر ومأساة أخرى في الفكر الإنساني لأن البشر لم يغنوا الجسد /العلامة بمظاهر الخصب والجمال: الأشجار الزهر والورد والشمس والثلوج، لنلاحظ هنا دلالة تحول مظاهر الطبيعة بين فصلي الربيع والشتاء، ولكنهم على النقيض أسقوها من الموائد الدفينة في الشعور الباطني حامل الكثير من الأمراض النفسية وعقد تقتات على الصراع مع الآخر والتقاتل معه، ولنلمح سلسلة طويلة من النظريات التي تحلل النفس الإنسانية ودوافعها العدوانية وأبرزها ما قام به العالم النرويجي فرويد في تحليله للوعي واللاوعي ورغبات الآنا المقمموعة التي تظهر على شكل عقد نفسية مستقبلا. ويبدو الشاعر متشائما حتى من النماذج المثالية المفترضة في هذه الحياة حيث لم تشذ عن هذه القاعدة العريضة من الشر لأن ما قاموا به هو فقط أن ‘حولوا جاذبية الأرض إلى مجرد غيمة لا تمطر’. (ص،27)
في أحد المشاهد المفصلية في القصيدة مسيرة الوجع الإنساني الكامن في الخفة والتخفف من الفكر ونقيضها اليقين والدفاع عن هذا اليقين حتى لو كان وهما كبيرا اسمه الأنا ومركزيتها المتموقعة بالمكان ‘بيته الأول / وفخه الأول’ أليس المكان خطيئة الإنسان يخوض الحروب من أجل الدفاع عنه البيت، المركزية، نقطة البداية، لذا يقول الشاعر هنا، ويقر بفلسفة عميقة جدا تكاد تنطبق على حكاية الحياة البشرية أجمع:
‘لم يخامرني شعور بالشك أننا في متاهة اللعبة التي وضعنا شروطنا منذ الولادة، ومازلنا نراهن العابرين عليها دون أن نعيد النظر في شروطها ناهيك عن اللعبة برمتها’ (ص، 29). هذه الفلسفة ليست فلسفة الشاعر وحده بل هي فلسفة مجموعة ممن سبقوه كإميل سيوران إذ يتناص النص معه :
‘قبل أن تكون خطأ في المضمون، كانت الحياة خطأ في الذوق، لم يفلح الشعر ولا حتى الموت في تصحيحه’. (ص،29)
لا نستطيع أن نمر أمام قول الحرز السابق إلا أن نقر بتوراث العادات والتقاليد وبروتوكولات الشر المغلوطة والثابتة منذ القدم، ولم يستطع أي من العابرين (الحالمين النبلاء/ المفكرين) من تصحيحها وإعادة مراجعة هذا التاريخ من القمع والتغييب، أو حتى أن يكونوا لاعبين أساسيين بها.. من هنا أيضا نفهم انتفاء سببية الحياة بوجهة نظر الشاعر، لأنه يقوم بلعب دور إنساني متوارث منذ القدم خلقه نظام إنساني أزلي بدأ منذ ولادة الإنسان الذي هو مبني إلى المجهول.
من العرض السابق، يتضح إن الشاعر محمد الحرز في مجموعته الشعرية ‘أسمال لا تتذكر دم الفريسة’، قدم أسئلة وجودية بنيوية كبرى تبحث في قضايا وجودية كبرى، كسبب الوجود الإنساني، وصيرورة هذا الوجود ومآله، ومناطقه المظلمة في توارثه لآليات القمع والاستبداد منذ القدم، من دون تغير في بنية التفكير الإنساني الحقيقي، ومن دون ذاكرة حقيقية لتاريخ الضحية:
‘هل يمكن أن يكون قاموسنا اللغوي الشعري يحتمل مجموعة الكلمات التي تتواطأ ضد واقعنا المنزاح عن نفسه، وعن مخيلته، هل يمكن ذلك؟!’. (ص.ص:31-32)
ولكن الوهم وارتكاب الخطأ ينزاحان عند الشاعر عندما يدخل في مملكته الشعرية، وفي يقينه وإرثه الوحيد القصيدة: ‘ولكن ما أدركه الآن لا يتعدى كونه الشعور الأكثر طمأنينة لي في هذه المتاهة، وللقصيدة باعتبارها الوثيقة الرسمية التي ندعي أننا ننتمي إليها’. (ص، 32)
*ناقدة وكاتبة كويتية
محمد الحرز، ‘أسمال لا تتذكر دم الفريسة’، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى 2009م.
محمد الحرز، ‘سياج أقصر من الرغبات’، طوى للنشر والإعلام، الطبعة الأولى 2013م.
محمد الحرز، ‘القصيدة وتحولات مفهوم الكتابة، النادي الأدبي بالجوف، الطبعة الأولى 2011م.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية