مصر: قتل الصحافيين و’الضرب في المليان’

حجم الخط
4

قتل طالب مصري اخر امس بالرصاص الحي، بينما اصيب صحافيان بجروح خطيرة اثناء مظاهرات واشتباكات مع الشرطة امام جامعة القاهرة.
وحسب الانباء المتوفرة حتى كتابة هذه السطور، فان احد الصحافيين على الاقل يصارع الموت بعد ان اصيب بطلق ناري، وحسب الموقع الذي يعمل معه الزميل عمرو السيد فان ‘سيارة الإسعاف تباطأت في نقل الزميل المصاب، رغم خطورة حالته، ووصلت بعد الحادث بنصف ساعة، ولم تكن مجهزة بفريق تمريض’.
وطالب الموقع اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية، بتوفير التأمين والحماية للصحافيين والمصورين بمواقع الاشتباكات، مطالبا نقابة الصحافيين بالتدخل.
وينضم هؤلاء الضحايا الى عدد متزايد من القتلى سقطوا بالرصاص الحي مؤخرا، بدءا من الصحافية ميادة اشرف التي اكدت زميلتها التي كانت معها في المظاهرة ان الرصاص جاء من جهة الشرطة، وانتهاء بقتيل قسم امبابة قبل يومين الذي ‘كان ينتظر صديقه قرب قسم الشرطة’، ولم يكن مسلحا حسب اقرار الشرطة نفسها، الا ان الضابط اطلق عليه الرصاص لمجرد ‘الاشتباه’ في انه من عناصر الاخوان المطلوبين.
الواضح اننا امام حملتين متوازيتين، تهدف الاولى الى تطبيق سياسة ‘الضرب في المليان’ باستخدام الرصاص الحي لتحجيم المظاهرات مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، والثانية تسعى الى ارهاب الصحافيين لمنعهم من تغطية هذا التصعيد الامني الخطير.
وتحاول هذه الاستراتيجية الامنية استغلال حقيقة ان مصر تقترب من نهاية المرحلة الانتقالية، ما يجعل هذا التوقيت مثاليا لـ ‘تصفية الحسابات’ و’التمهيد الامني’ لمرحلة جديدة يتوقع منها ان ترفع شعارات ‘التوافق الوطني’، لكن بعد ان تكون ‘الاجهزة’ قامت بـ ‘مهمتها’.
كما تحاول الشرطة من خلال هذا التصعيد ان تستعيد ‘هيبتها’ بعد ان تعرضت لعدة ضربات موجعة كان اخرها استهداف قيادات امنية عند جامعة القاهرة قبل نحو اسبوعين.
اما الواقع فهو انه تحت عنوان ‘مواجهة الاخوان والارهاب’ تحاول الشرطة استعادة ‘عصرها الذهبي’ تحت حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، عندما كان لديها رخصة مفتوحة بالقتل والتعذيب، ما ساعد على اطالة امد النظام لبعض الوقت، الا انه كان من بين اسباب سقوطه الرئيسية في النهاية.
ويبدو انها تراهن على استثمار الاستياء الشعبي من الفوضى والفلتان الامني الذي اعقب ثورة يناير لتمرير هذه الاستراتيجية.
وتظهر هذه الصورة جلية في القاهرة كل اسبوع بعد صلاة الجمعة عندما يجري اغلاق عدد من الطرق الرئيسية بالعاصمة، تحسبا للمظاهرات المعادية للنظام، في استعراض للقوة تشارك فيه طائرات للشرطة والجيش، بينما تؤكد وسائل الاعلام ان عدد المتظاهرين من الاخوان محدود للغاية (..).
ولا يتطوع احد من النظام بتفسير هذا التناقض الواضح بين الواقع والخطاب الاعلامي، كما لا يعتذر احد لاغلب المواطنين الذين يضطرون للبقاء محبوسين في منازلهم يوم الجمعة ‘اخلاء لساحة المواجهة’ بين النظام ومعارضيه.
لكن هذه الاستراتيجية ترتكب خطأ فادحا في الحسابات، فقد تغير المصريون بشكل اصبح يستحيل معه ان يسمحوا بعودة عقارب الزمن الى الوراء.
كما انها تتجاهل انه لا يمكن واقعيا حصر بلد بحجم مصر في خانة ‘المعالجة الامنية’ الا اذا كان النظام يريد ان ينتحر سياسيا.
وتاريخيا كان استهداف الصحافة وحرية الرأي في مصر مؤشرا على قرب رحيل الانظمة، بدءا من صحيفة ‘الشعب’ المعارضة التي اغلقها الرئيس الراحل انور السادات قبيل اغتياله، الى اضطهاد مبارك للصحافيين واغلاقه بعض القنوات قبل الثورة، ما جعل العام 2010 الاسوأ في تاريخ حرية الرأي في مصر، حسب تقارير المنظمات الحقوقية.
اما سياسة ‘الضرب في المليان’ التي ابتكرها وزير الداخلية الاسبق زكي بدر في نهاية الثمانينات فقد فشلت في القضاء على الارهاب، بل كانت مقدمة لعقد التسعينات الدموي الذي شهد مواجهات عنيفة بين الشرطة والجماعات الاسلامية اوقعت آلاف القتلى والجرحى.
ولا يعني هذا ان التاريخ سيعيد نفسه، لكن يعني ان هذا المشهد وصل الى نهاية الطريق المسدود، واصبح حتميا وجود رؤية سياسية جديدة تفتح بابا للامل، بدلا من الاصرار على التغول في مستنقع الدم واليأس.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية