فشلت أمريكا فلنتحد لقهرها

حجم الخط
0

كمال مجيد

فشل بوش في العراق فأخذ يشعر بالخجل حين يتكلم عن الديمقراطية في بلد مصاب بالمجازر الجماعية. وهناك الآن اجماع بين المؤسسات الاستخباراتية الامريكية البالغ عدده 16 مؤسسة، فكلها تتفق علي أن وجود الجيش الامريكي يفاقم الاصطدامات اليومية في العراق، كما صرح بذلك السناتور هاورد دين، رئيس الكتلة الديمقراطية علي تلفزيون سكاي نيوز في 14/11/2006، والذي يطالب بالانسحاب من العراق خلال اربعة الي ستة اشهر. بينما يشير تقرير الجيش الامريكي في العراق، في 16/11/2006 الي فقدان سيطرة حكومة المالكي علي الأمور اليومية ولجوء الشعب الي المليشيات المختلفة لتصريف حاجياته السكنية والصحية، كما أذاع تلفزيون BBC News 24. تدرك الدولة العظمي هذا الفشل الذريع لأن جيشها فقد 2863 من افراده مع جرح 21 الفاً آخرين. فأين الديمقراطية والحرية عدا حرية القتل الجماعي؟ وماذا حل بالانتخابات الدوغاسبيرية التي جرت في ظل الاحكام العرفية وحالة الطوارئ؟ هل جلبت الماء والكهرباء؟ هل قضت علي البطالة أم أجبرت المواطنين علي الهجرة الجماعية؟ لقد اعترف القطب الاوحد بفشله نتيجة الدور البطولي للمقاومة العراقية الباسلة التي نجحت في طرد الحاكم بريمر مثلما نجحت في حصر الحكومة العراقية العميلة في المنطقة الخضراء دون أن يملك وزراؤها حتي الجسارة الادبية لاعتزال السياسة. فالكل شاهد عدم قيام البرلمان الجديد بانتخاب نوري المالكي رئيساً للوزراء بل لأن الامريكان رفضوا اعطاء هذا المنصب الي رئيس حزبه ابراهيم الجعفري لكونه فشل في تحقيق اغراضهم. ومع هذا يرفض السيستاني النطق بكلمة واحدة ضد المحتلين الانغلو ـ امريكان أو حتي ارشاد اتباعه الي عدم التعاون معهم. ومن الجهة الاخري ادي احتلال العراق وافغانستان الي ازدياد اعداء المحتلين لا في العالم بل داخل امريكا وبريطانيا أيضاً. فحسب تصريح لرئيسة المخابرات البريطانية (MI5) هناك الآن في بريطانيا وحدها 1600 بريطاني منشغل بالاعمال الارهابية.

ان فظاعة الفشل تتضح حين تتشبث أمريكا بايران لاعادة الاستقرارالي العراق وهي التي لقبتها بـ محور الشر. ان تشبث امريكا وبريطانيا بايران (راجع تصريح توني بليرفي غيلد هول في 13/11/2006 حين هدد ايران بالانعزال اذا رفضت تنفيذ رغبات المحتلين)، يؤكد علي انعزالهما وخيبة أملهما. فهذه المحاولة توضح أن أمريكا لا تفكر اطلاقاً بالخروج من العراق، لأن ذلك يعني نهاية الحلم الامريكي في السيطرة علي العالم واستغلاله لجلب الأرباح البليونية لشركاتها العملاقة. كلا، انها تفكر بتبديل خططها التكتيكية لتقليل خسائرها. فيشير معلق تلفزيون سكاي نيوز في 13/11/2006 الي أن خروج امريكا من العراق بعد فشلها في الصومال ولبنان سيشجع أعداءها علي ملاحقتها واجبارها علي الانتكاسة. بينما يحذر بروس اندرسون في جريدة الاندبندانت لنفس اليوم بالقول: سوف لا يتقلص كره المتعصبين للغرب بل سيتضخم ازدراؤهم له. وكيف لا بعد أن شجعهم بوش علي ذلك. فجواباً علي سؤال حول موعد خروج الجيش الامريكي من العراق، صرح بانه سيستمر في الحرب ما دامت زوجته وكلبه يؤيدانه في ذلك. وهذا دليل علي مدي احتقاره لرأي الشعب الامريكي الذي تطالب غالبيته بالانسحاب. فحاشيته مستمرة في التقلص وقد تنتهي فعلاً بزوجته او بكلبه، فهو الذي فقد حتي ساعده الايمن رامسفيلد بينما غسل ريتشارد بيرل (الملقب بأمير الظلام) يده من نجاح الاحتلال حين صرح بالقول: اذا كنا نعرف ما تعلمناه لما أقدمنا علي المشروع أساساً.

يدرك بوش و(بلير) السعر الباهظ لاقناع ايران التي قد تبدأ المقايضة بالمطالبة بشراء قنبلة ذرية منه او بتهجير الاسرائيليين من فلسطين لتنتهي بالقبول بنصف العراق! ولو تركنا المزاح جانباً وحققنا المشكلة بعمق لأدركنا بأن أمريكا البراغماتية ستتذرع بكل الأساليب بل تتشبث حتي بالعدو لينتشلها من ورطتها بحجة ان الغاية تبرر الوسيلة. فهي تفكر بتعميق الخلاف الطائفي عن طريق دفع ايران لتحطيم المقاومة العراقية بذريعة محاربة التكفيريين ومن ثم حين تتثبت قدماها علي ارض العراق سوف لا تتردد حتي عن استخدام العراقيين لضرب ايران، بالضبط مثلما تستخدم الآن جيوش طاجيكستان وهوندوراس وثلاثين دولة اخري لقتل العراقيين. بل انها تصرف البلايين لتدريب الجيش العراقي والشرطة العراقية لقتل العراقيين في الفلوجة والرمادي ومدينة الصدر والعمارة وهي تؤكد كل يوم علي أن اعادة الاستقرار الي البلد هي من مسؤولية الحكومة العراقية. فامريكا التي دربت فرق الموت العراقية في هنغاريا، قبل الاحتلال، وجهزتها بالسلاح ودفعتها الي الموت بقيادة السفير نيغروبونتي لقتل الشعب وتفريقه الي السنة والشيعة والاكراد سوف لا تتردد في تنفيذ اخس الجرائم وان سلسلة حروبها في كوريا وفييتنام ولاوس وكمبوديا وافغانستان والصومال بل في يوغسلافيا وغواتيمالا وشيلي ونيكاراغوا وبناما وغرانادا وهايتي تشهد علي ارهابها لكل البشر.

من الناحية الاخري لمح المسؤولون الامريكان بضرورة الاتصال بالمقاومة بحجة اشراكها في العملية السياسية، في حين يناشدها جلال الطالباني ونوري المالكي لتشترك في هذه العملية الفاشلة، كل هذا بالرغم من تصريح المالكي في زيارته الي الكويت بـ عدم وجود مقاومة عراقية بل هناك فقط ارهابيون. فلأمريكا خطتان: الاولي هي استخدام جيران العراق للقضاء علي المقاومة وذلك بمساعدة اعوانها كاياد علاوي وقادة الحزبين الكرديين. والثانية هي المصالحة مع المقاومة شرط ابقاء قواعدها، في المنطقة الكردية علي الاقل كما اقترح جلال الطالباني في واشنطن مباشرة بعد خروجه من مقابلة بوش في ايلول/ سبتمبر من هذه السنة، ومن ثم استخدام ضعاف النفوس للهجوم علي ايران بعد قصف منشآتها الاستراتيجية لمنعها من تطوير امكانياتها النووية لكي تستمر أمريكا نحو البلدان الاخري تنفيذاً لنظرية العولمة. هذه التصرفات المتناقضة تؤكد علي أن امريكا تركز علي أكثر من خطة واحدة وهي تتخذ كل السبل لتتجنب الجلاء عن العراق. علماً بأن طرد امريكا لا يعني نهاية عدوانها فهي قادرة علي قصفه من الجو كما فعلت لمدة 13 سنة بعد حرب الكويت. فمن الضروري ملاحقتها حتي تسقط الرأسمالية داخل امريكا نفسها.

ففي هذه المرحلة الحرجة وتحت هذه الظروف المعقدة ما هو طريق العراقيين الي الامام؟ ان الجواب بحاجة الي الاعتماد علي عدد من البديهيات:1 ـ ان مجموع الامكانيات القتالية لايران وسورية ومختلف فروع حزب البعث، داخل العراق وخارجه، وحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين وما تسميه امريكا بالارهابيين اوالتكفيريين او المليشيات لا يساوي واحد من مليون من امكانيات امريكا التي تصرف 425 مليار دولار كل سنة لشراء الاسلحة المتطورة لقهر الشعوب بحجة محاربة الارهاب. فالخطر الرئيسي هو امريكا المشغولة كل يوم بقتل العراقيين. وهي التي نجحت في خلق التفرقة العنصرية والطائفية بين الشعب ومن ثم الادعاء بأنها تعمل علي القضاء علي الارهابيين، في حين اكدت كافة التحقيقات علي عدم وجود الحركات الارهابية في العراق قبل الاحتلال.2 ـ ان مجموع الامكانيات الاقتصادية للاطراف المذكورة في الفقرة السابقة لا يساوي واحد من مليار من الاقتصاد الامريكي. فانتاجها الاجمالي المحلي يبلغ 9837 مليار دولار في السنة (كما ورد في: Pocket World in Figures,The Economist Books, 2003الصفحة 222) فهذه الاطراف لا تشكل خطراً اقتصادياً ملموساً ولا تنافس امريكا بتجويعنا. فلنتذكر هذه الحقائق، خاصة وأن أمريكا تصرح كل يوم بأنها في حالة حرب في العراق وان تشدقها بـأطماع ايران عبارة عن حرب سيكولوجية ضرورية لاقناع البسطاء بعدالة قضيتها. 3 ـ هناك امكانية طرد امريكا من المنطقة ولكن ليست هناك امكانية طرد ايران منها وعلي المقاومة ان تدرك هذه البديهية، كما لا يمكن طرد الشيعة من بلدهم العراق وهم ايضاً ينالون من قسوة الاحتلال مثل بقية الشعب. ثم هناك علاقات عائلية واقتصادية طبيعية بين الشيعة وايران وبينهم وبين السنة ولا يمكن تخريب النسيج الاجتماعي السائد منذ نشوء الحضارات الاولي. بالمقابل لا وجود لاحتمال طرد السنة وهم ايضاً جزء من النسيج المفبرك ويملكون الحق في الاعتماد علي أبناء جلدتهم في سورية والاردن والسعودية وتركيا لانقاذهم من شر الاحتلال الذي لعب الدور الرئيسي في خلق التفرقة الطائفية عن طريق ترديد العبارات المختلقة مثل الاكثرية الشيعية و المثلث السني كجزء آخر من الحرب النفسية. ثم ان العدوان علي مدينة الصدر والفلوجة وتلعفر كان ايضاً لتعميق التفرقة الطائفية فيها.4 ـ المفروغ منه هو أن المستعمرين قسموا الشعوب العربية والكردية بين دول اختلقوها لتسهيل عملية الاستغلال. ولكن عاش العرب والاكراد جنباً لجنب منذ الموجات السامية. وفي العراق هناك أكثر من مليون كردي في كل شارع وزقاق في بغداد وحدها، كما هناك جماهير من الأكراد في تكريت والفلوجة. وفي شرق العراق هناك قصبات ومدن يسكنها العرب والاكراد كما هناك مناطق كردية محاطة بالعرب بينما يقطن الاكراد والعرب والتركمان بصورة مشتركة مدن كركوك والموصل وتلعفر وسنجار وخانقين وبدرة ومندلي. فالموزاييك الاجتماعي كان وما يزال من انتاج التأريخ الذي لا يمكن اعادته الي الوراء. فتقسيم العراق علي اساس عرقي فكرة عنصرية اختلقها عملاء الاحتلال في الحزبين الكرديين الذين عملوا كمرتزقة لشاه ايران وتركيا واسرائيل وبريطانيا وامريكا منذ أن رفع الحزب الديمقراطي الكردي السلاح ضد حكومة عبد الكريم قاسم. (للتفاصيل راجع: النفط والاكراد لكمال مجيد، منشورات دار الحكمة، 1997). اذن يمكن اتخاذ الطرق الضرورية التالية لانقاذ العراق من الاحتلال والقتل:1 ـ ان الاتفاق بين ايران وأمريكا يؤذي المقاومة! فعليها أن تتعلم من العدو وتعمل المستحيل للتقارب من ايران. فالثرثرة حول العدو الفارسي تضرها. لنسأل أطرافها: متي قمتم بالاتصال بايران بغية كسب تأييدها؟ بل متي كتبتم جملة واحدة ترجون تعاونها؟ فالاجدر بكم ادراك خطورة الوضع والكف عن انتقاد ايران بل اتهامها بمساعدة امريكا علي الاحتلال. من الضروري القبول بأن ايران ليست بحاجة الي المقاومة العراقية التي هي بحاجة قصوي اليها لغرض خلق عمق خلفي لحركاتها والذي تحتاجه أثناء مدها او انتكاستها! من الضروري الادراك بأن المتعاونين مع امريكا في المنطقة الخضراء، من امثال الحكيم والمالكي، لا يمثلون ايران بل قد يتملق بعضهم لايران بغية التشبث بها. فالذين باعوا شعبهم لامريكا لا وفاء لهم لأحد. وحين لا يملك المالكي حتي قدرة اقالة وزرائه دون زعزعة المحاصصة القلقة لا يستطيع خدمة ايران قيد شعرة. انه لا يستطيع حتي الخروج الي شوارع بغداد دون تلاوة آية الكرسي ودون الحماية الامريكية. فلماذا تهتم ايران بضعيف مثله؟2 ـ علي الحركات القومية العربية التقارب لتوحيد الجهود مع المقاومة الشيعية مثل جيش المهدي الذي يحارب المحتلين في مدينة الصدر والعمارة والبصرة. فمن الضروري الكف عن اتهام هؤلاء بالصفوية او بالعمالة لايران. فاحدي مهمات المقاومة هي توحيد كل من يمكن توحيده بغية عزل العدو عن الشعب كلياً.3 ـ علي الشعب العراقي في الجنوب أن يعمل المستحيل للاتحاد مع السنة والقوميين علي اساس مقاومة الاحتلال. من الضروري التخلص من شر الطائفية والعمل علي اقناع ايران علي نبذ من نصبوا انفسهم كعلماء الطائفة، من امثال السيستاني والقبانجي، الذين تعاونوا مع المحتلين بحجة الانتخابات الاستعمارية التي قد تسلم زعامة كل العراق لطائفة واحدة دون غيرها وبذريعة انها تشكل الاكثرية في البلاد. فهؤلاء يتحملون مسؤولية تفريق الشعب وتسليمه الي المستعمرين ومن ثم قتله بالجملة.4 ـ من الضروري التمييز بين الحزبين الكرديين وبين عامة الشعب الكردي الذي فقد الكثير منذ سيطرتهما علي مقاليد الحكم في المنطقة. يدرك هذا الشعب كيف جره الحزبان الي حرب طاحنة بينهما منذ سنة 1964 وحتي ايلول (سبتمبر) 1998، وخاصة منذ 1/5/1994 حين شق الحزبان المنطقة الي اقليمين متحاربين بعد أن سرقا كل شيء، بما في ذلك سيارات الشرطة بل المولدات الكهربائية. (راجع كريس هيغرز من اربيل في جريدة انترناشونال هيرالد تربيون في 13/9/1992) هكذا انحرم الشعب المسكين من الماء والكهرباء والبنزين وهو الذي يشترك الآن في المظاهرات ضد الحزبين اللذين يستخدمان السلاح لقتله في عقرة وكركوك وحلبجة وكلار. فعلي المقاومة ادراك مصيبة الشعب الكردي والكف عن دمجه بالحزبين العميلين واتهامه بالرغبة في الانفصال. ان ترديد فكرة كون العراق جزء من الامة العربية لا تحل ولا تربط، اذ انها لا تنقل العراق من مكانه الي بقعة جديدة بين السعودية واليمن او بين تونس والجزائر. بل سيبقي العراق في محله، ملتصقاً بايران وتركيا، يسكنه العرب والاكراد والتركمان والكلدو آشوريون والصابئة واليزيديون والشبك والارمن. هذه هي الحقيقة وعلي الجميع الاقرار بها وترك التركيز علي العنعنات القومية المفرقة للشعب. وهذا ينطبق علي العرب والاكراد بل علي كل العراقيين. علي اخواننا العرب والاكراد والاتراك خارج العراق ادراك هذه الحقيقة ايضاً والعمل علي مساعدة عموم شعبنا المنكوب بالمحتلين. اذن علي المقاومة أن تمد غصن الزيتون لكل القوميات والطوائف لأن وحدة العراق لا تتم الا بمشاركتها في صلــــب الكفاح. ان مسؤولية المبادرة لتوثيق العلاقات النضـــــالية بين الشعبين الشقيقين تقع علي عاتق المقاومة ان كانت حقاً تفكر بالانتصار.

فإلي وحدة الصفوف والي الكفاح بلا هوادة ضد العدو الأوحد: الاستعمار الانغلو ـ امريكي المحتل لبلدنا.

ہ كاتب من العراق يقيم في بريطانيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية