اعترف روبرت غيتس وزير الدفاع الامريكي الجديد بأن بلاده لا تحقق نصرا في العراق، ولكنه لم يقل انها ستبدأ في سحب قواتها لتقليص الخسائر الي اقصي حد ممكن، مثلما طالب تقرير لجنة العراق التي ترأسها جيمس بيكر وكان هو احد اعضائها.
هذا الاعتراف مهم، وان كان قد جاء متأخرا، وتنبع اهميته من كونه يأتي متزامنا مع زيارة السيد عبد العزيز الحكيم زعيم الائتلاف الحاكم في بغداد الذي التقي الرئيس الامريكي جورج بوش واعضاء ادارته للبحث عن مخارج من المأزق الدموي العراقي النازف.
السيد الحكيم لن يلقي بعجلة انقاذ الي حلفائه الامريكيين ليس لانه لا يريد، بل لانه لا يستطيع. فالمطالب الامريكية له بحل الميليشيات والتصدي للتيار الصدري تبدو تعجيزية، علاوة علي كونها خارج قدراته السياسية والطائفية والعسكرية.
حل الميليشيات يعني البدء بميليشيا قوات بدر التابعة للسيد الحكيم، والتصدي للتيار الصدري وجيش المهدي، ذراعه العسكرية، يعني حربا اهلية في اوساط الطائفة الشيعية نفسها. وهذا يعتبر من الخطوط الحمر صعبة الاختراق.
وحتي لو افترضنا ان السيد الحكيم سيكون جسر الوساطة بين الولايات المتحدة وايران، وفتح قنوات الحوار بين الطرفين تطبيقا لتوصيات لجنة بيكر، فان هذا الحوار لو تم فعلا غير مضمون النتائج.
ايران موجودة بقوة في العراق من خلال الائتلاف الحاكم الذي مولت ميليشياته ودربتها، ولو كانت قادرة فعلا علي استخدام نفوذها من اجل التهدئة لفعلت ذلك منذ زمن بعيد، ولكنها غير قادرة، علاوة علي كونها لا تريد ايضا.
المأزق الامريكي متشعب الجذور في تربة العراق ويبدو مستعصيا علي الحل، فالائتلاف الحاكم لا يستطيع الحكم، والحوار مع المقاومة العراقية يظل مستبعدا من قبل ادارة بوش، والعملية السياسية الامريكية انحرفت عن مسارها، وبدأت تترنح كمقدمة للسقوط الكبير المنتظر في اي لحظة.
ومما يزيد من صعوبة هذا المأزق حجم الخسائر البشرية المتصاعد في صفوف القوات الامريكية، وامتلاك فصائل المقاومة لاسلحة متطورة مكنتها من اسقاط العديد من الطائرات والمروحيات الامريكية. ففي الايام الاربعة الاخيرة اسقطت اربع طائرات وقتل اكثر من خمسة عشر جنديا امريكيا، كما تصاعدت اعمال القتل الطائفي بصورة غير مسبوقة.
الادارة الامريكية بدأت تمهد لخطوة الخروج من العراق التي تجنبتها طويلا من قبيل المكابرة، والاعتراف بعدم تحقيق النصر الذي ورد علي لسان غيتس هو اقرب نقطة للتسليم بالهزيمة، ورفع الرايات البيضاء.
القوات الامريكية ستنسحب من العراق مع بداية العام المقبل، وتترك هذا البلد لمصيره المحتوم. فقد دخلته موحدا قويا متعايشا آمنا رغم الحصار الظالم، وستتركه ممزقا بعد ان تحول الي مقبرة جماعية تضم رفات 665 الف عراقي قتلوا منذ بداية السنوات الاربع الاخيرة من عمر الاحتلال.