أزمة بناء الدولة في بلدان الربيع العربي

حجم الخط
0

اظهرت الانتفاضات العربية ليس ما كنا نعتقده من تسلط الحكومات والانظمة القمعية فحسب، بل وتفاهة المؤسسات وهياكل الدولة التي كانت هياكل من ورق، والدليل ما نحن فيه من ضعف المؤسسات العمومية الخدمية والادارية والامنية تجاه انتشار العنف والفوضى، بل وحتى الاحتراب الاهلي والعشائري وجرائم العصابات التي لا ترتبط بنشاط سياسي وهو الامر السائد حاليا في جميع بلدان الربيع.
ففي ليبيا انهيار كامل للدولة القذافية، التي لم تكن سوى اجهزة امنية وقمعية في خدمة شخص وعائلة مع مراكز القوى الذين يخدمون القذافي، مقابل سيطرتهم على المجتمع، ولم يكن اي احد مصدقا لسرعة انهيار هذه الدولة التي وصمت نفسها بالاشتراكية، فاذا بنا نجد مجتمعا قبليا عشائريا، لا مظاهر مدنية فيه ولا تقاليد دولة اعتادوا عليها.
وسبق ذلك في العراق رغم مظـــــاهر تـطــــور في التعليم العام والجامعي وظهور مراكز حضرية كبيرة، الا ان الدولة ذابت واختفت بساعات وايام قليلة عقب الاحتلال الامريكي، وظهرت العشيرة والنزعات المذهبية كمرجعيات ناظمة للافراد والجماعات ومحددة لهوياتهم، وقد عمد الامريكان على احياء النزعات والهويات الاولية من اجل تعويم المجتمع العراقي في مشكلات مسحوبة تاريخيا، وتم تغذية هذا الامر من خلال تعميم الفوضى الامنية.
وفي تونس التي كنا نراها دولة مدنية وفق الحضور الثقافي الفرانكفوني، وتزايد فاعلية المتعلمين ذوي الثقافة العصرية وبروز حضور المرأة، كل هذا انزوى الى الخلف مقابل ظهور السلفيين والاخوان والجماعات التكفيرية، وبدأت عمليات الثأر من الرصيد المدني والسياسي والثقافي المتشكل خلال فترة الحبيب بورقيبة وخلفه.
وفي مصر التي بدأ التحديث فيها منذ مئتي عام واكثر (1805) مع محمد علي باشا، واسبقيتها في التجربة البرلمانية وحضور ثقافة مدنية من خلال النخبة الاكثر حضورا فيها وفي العالم العربي، خاصة رواد النهضة من امثال الامام محمد عبده، والطهطاوي وقاسم امين وعلي عبد الرازق واحمد امين واحمد لطفي السيد وشبلي شميل وانطون فرح وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وغيرهم. كل هؤلاء اضافة الى حضور الاغنية بعمالقتها الكبار، ام كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وشادية، وحضور المسرح والدراما التلفزيونية، ومع كل ذلك تعرضت الدولة للاهتزاز وغياب الكثير من مؤسساتها الامنية والخدمية، وظهرت الحكومة قليلة الحيلة، فاقدة لقدرتها في صناعة مؤسسات الدولة وضعف القرار السياسي فيما تبقى منها، ولم يتم اعادة الاعتبار الى الدولة وهيبتها بل ظهرت الاحزاب بصورة بائسة فكرا وقيادة، وظهر في مصر انفلات امني غير مسبوق واقتتال على خلفية ثارات قبلية وعشائرية.
والامر ذاته في بلادنا اليمن، التي كنا نتذمر من ضعف الدولة وغياب مؤسساتها، اظهرت الانتفاضة الشعبية غيابا كاملا للدولة ومؤسساتها وظهرت مراكز القوى من خلال قوتها المالية وحشد من الجنود الذين تفرقوا وفق تلك المراكز، وهنا غاب الجيش كمؤسسة وطنية لها مهارات قتالية، تعمل وفق دستور الدولة لحماية الوطن (الارض والشعب). وتزايدت الدعوات نحو الجهويات العصبوية، وزاد الطين بلة الاتجاه من خلال مؤتمر الحوار الممول امريكيا باقتراحات تعلن التوجه نحو فيدرالية تنقسم فيها البلاد الى ستة اقاليم، في حين الدولة المركزية غائبة ومؤسسات الدولة القانونية والدستورية معطلة.
وكل مظاهر هذه الفوضى تماثلت في بلدان الربيع، فهي في العراق وليبيا وسوريا وتونس واليمن وصولا الى مصر، التي تعاني مثل اليمن من قطع الكهرباء والفوضى الامنية والاحتراب القبلي مثلما حدث في اسوان – صعيد مصر-.
وللعلم الدولة القطرية، في هذه الجمهوريات كانت تعاني من ازمات بنيوية حادة، شملت بنيتها السياسية والدستورية والامنية وفقدان الثقة بين الحكومات والمواطنين وهي دولة مأزومة منذ بداية تشكلها قبل اكثر من نصف قرن. فهي لم تنجز وعود مرحلة التحرر بالاستقلال والتنمية والعدالة والديمقراطية، لان هذه المطالب والشعارات تم رفعها مرة اخرى في الانتفاضات الشعبية الجارية حاليا.
نحن اذا ازاء مطالب مؤجلة، بل وازاء دولة مؤجلة ايضا، فلم يتم اكتمال نمو الدولة في مؤسساتها المدنية وهياكلها التنظيمية، ولم يكن لها مشروع ثقافي يؤسس في وعي الافراد والجماعات مفردات الحداثة السياسية المعبرة عن هوية الدولة ونظامها وفلسفتها، ولا يزال هذا المشروع غائبا حتى اليوم.
وفوق هذا لم تكن هذه الدول ذات حضور في عموم جغرافيتها، بل كانت ولا تزال مهملة لجزء كبير من سيادتها، فهناك مناطق ريفية وبدوية وسكان جزر خارج اهتمامها، مثلما هو اهمال مصر للصعيد وسيناء، واهمال الدولة اليمنية لمناطق الشمال القبلية وظهرت في تونس منطقة سيدي بو زيان، التي خرج منها البوعزيزي وهي تعاني من الفقر والبطالة في غالبية شبابها.
وفي اليمن تاريخنا الحديث والمعاصر أظهر الكثير من الاهمال لمناطق طالما انها لا تمنح ضرائب ولا خراج للحاكم، فهناك محافظة الضالع سلمها الامام يحي وتنازل عنها للانجليز وحالها يقول لماذا الاهتمام بها، فلا مال يأخذه سلطان منها ولا عقل يطلبه شيطان، كما تقول المقولة الشعبية هذه. ثم جرى التنازل عن منطقة عسير قبل حرب34 وجيزان ونجران بعد الحرب. ومع الجمهورية تم اهمال مناطق الشمال من اي خدمات تنموية واغراقها في الاحتراب الاهلي.
نحن اذا ازاء دول وحكومات من ورق، متنمرة على المواطنين من خلال ادوات القمع حينا او شراء ولائهم بالمال حينا اخر، لكنها كمؤسسات وضوابط قانونية ومشروع ثقافي حضري وكخطط تنموية غائبة، واليوم يتأكد كل هذا الامر ونراه عيانا في بلداننا الربيعية او بالاصح الخريفية البائسة. فالدولة القطرية (الجمهوريات والملكيات) لم يظهر منها الا ادواتها الايديولوجية بمفهوم التوسير (الجانب الامني والعقابي وفق تسلط وديكتاتورية نظام وحزب او اسرة حاكمة) والجانب الايديولوجي المشرعن لهذه الاسرة او الحزب او النظام، وتضخيم القائد والرئيس والزعيم باعتبارة الضرورة، التي مع غيابها يفقد المجتمع توازنه. وهو تصور ميثولوجي تمت صناعه من قبل الاجهزة الاعلامية والمخابراتية عن القائد والرئيس والملك وجميعهم دون المستوى العادي بل واقل من ذلك.
وهكذا استمرت الازمات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فلا تنمية ولاعدالة ولا حضور للقانون والدستور، ولم يتم الالتفات نحو تزايد معدلات السكان المرتفعة ومعدلات التعليم المرتفعة ايضا، وهنا ظهر الشباب باعداد كبيرة وهم تواقون الى العمل والى الحرية والديمقراطية فاصطدموا بانظمة بوليسية وبحالة انسداد في المؤسسات القائمة، فكان الانفجار العظيم مع ثورات الربيع او الانتفاضات الشعبية، التي تم تسميتها بالربيع العربي، ورغم ما احدثته من اهتزازات كبيرة في الدولة والمجتمع، الا ان الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يعكس وجود تغيير حقيقي ولا تزال الدولة مهترئة وضعيفة ولم يتــم اعادة الاعتبار اليها بتقوية مؤسساتها المدنية والامنية وبحضور مشروعها السياسي والثقافي، لان الحامل الاجتماعي والطـــبقي لمشروع الدولة لم يكتمل نموه ايضا. فنحن ازاء احزاب بائسة وقوى طبقية غير متجانسة حتى في تعبيراتها السياسية، ونحن ازاء تدخل اجنبي فاضح في اعادة رسم المشهد السياسي العربي برمته. ومع الانتفاضات الربيعية لم يعد مقبولا اعادة نفس الدولة بكيانها ومؤسساتها المهترئة، بل لا بد وان يكون العمل السياسي نحو اعادة بناء دولة مدنية وديمقراطية، لها فاعلية من خلال مؤسساتها القانونية والامنية وفق مشروعية دستورية، هذه الدولة وطنية بطبيعتها ومضمونها وفلسفتها ومن ثم فلا مجال معها للجهويات العصبوية، ولامجال معها للعودة نحو نظم بوليسية تنفر من الثقافة وتتعقب صانعيها، بل نريد دولة تتسع معها فضاءات الحرية، وتتسع معها مجالات المعرفة والثقافة والابداع دون قيود، ايا كانت مبرراتها. دولة تنتمي للقرن الحادي والعشرين بفلسفته الحضارية وبنزعتها الوطنية المتداخلة مع الاخر في الثقافة والحضارة والمصلحة، دون الاقصاء او الالغاء او التبعية، وهي دولة تعلي من قيمة الفرد المواطن- ومن اعماله لعقله وحرياته، دولة تحترم حقوق الانسان وتعددية الاديان والمذاهب والثقافات.

‘ كاتب يمني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية