نوافذ تتنفس

حجم الخط
0

لا فرق بين غرفة البيت والسجن إلا بالنوافذ، وعلى ماذا تطل، وكيف يمكن أن ننهض بوجوهنا لنطل منها على عالم مختلف خالٍ من الجدران؟
للبيت والسجن جدران متشابهة، للغرفة أربعة جدران، سواء كانت في البيت أم في السجن، إلا أن ارتفاع نوافذ السجن يخرجها عن كونها نوافذ للحياة. كلما ارتفعت النافذة كلما زاد الشعور بالعبودية، وهي بين هذه المسافة التي لا تتجاوز المترين من الارتفاع والانخفاض تتوالد فيها حيوات تغير جلدها مع نفاذ خيوط الشمس.
النوافذ روح وأنفاس تتصاعد كلما وُئِد الضوء قرب شرايين المساء. ما أن تفتح النافذة حتى تشعر بزفيرها يُخرج الهواء العابث برئتينا من ظلام الغرفة الدافئ وحشرجة العيون التي ترنو صوب فضاء جديد. القمر ندبة في السماء الصامتة، والنافذة ثدياها اللذان يرضعان الأفق بأنّات الحائر في ليل الوحدة. بينما تتصاعد الوحشة في ليل الغريب، يفتح النافذة فيرسل قصائده في الهواء لتطير بعيداً بعيداً حيث اللا جدوى.
تولد النوافذ من رحم السجن، ويولد السجن برحيل النافذة. ويولد البيت وعيناه تنظران للأصابع التي يتلمس فيها الحدائق والشرفات. في البيت، حيث الأبواب مشرعة، لا يدور الهواء، ولا يسمح بتيار الرياح بالطيران دون نوافذ مشرعة؛ لهذا، يتحول البيت إلى سجن ما أن تعشش على مقابض نوافذه بيوت واهنة جداً، تنهدم جدرانها بلمسة صغيرة أو بزفير يطلقه الوحيد النائم خلف ليل النافذة.
أعشق النوافذ التي تتشكل من ضلفتين، ضلفة الذهاب وضلفة الإياب. فالنوافذ ذات الضلفة الواحدة لا عودة في روحها، تخرج مرة واحدة ولا تعود. وأكره النوافذ التي تلّون زجاجها، فتعطي للطبيعة ألواناً لا طعم لها… للزجاج طعم الماء، ورقَّة النهر، يهب الحياة بألوانها الطبيعية دون مطيبات ولا مواد حافظة، وهو بهذا يرسم روحاً نقية للحياة. هذا هو الفرق بين النوافذ والأبواب، فعندما نغلق النوافذ تبقى الحياة مشعة بخضرتها، وبطيورها السابحة في سياج النوافذ، فيما تكتم الأبواب أنفاس الطبيعة، فلا مرأى ولا مسمع.
أشير إلى النافذة، فتورق عتباتها بأصيص من الورود، وفي رفات الليل ينطلق الضوء متلصصاً على الحجرة النائمة فيوقظها كطفلة سابحة في عوالم من الدفء. أشير إلى النافذة وأعني البيت، الجدار لا يتنفس بدون النافذة، والغرفة تسمى سجناً إذا هربت النوافذ منها، والبيت يسمى ملجأ إذا طارت نوافذه.

‘ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية