الروائي محمود الغيطاني: كتّاب السيناريو في مصر ‘بصمجية وجهلة’ والسينما المصرية في هبوط دائم والزيف هو البطل الحقيقي

حجم الخط
0

حاوره في القاهرة ـ إبراهيم محمد حمزة : الروائي محمود الغيطاني صوت مزعج للآخرين ، خاصة لمن استراح للسائد والعادي ، هو يمارس حريته بقدر مذهل من الانطلاق ، بلا أي رقيب سوى ذاته ، أصدر مجموعة قصصية وروايتين، وكتبا هامة في السينما، وفاز بجائزة ‘ساويرس’ عن روايته ‘كادرات بصرية’، لكن الحوار معه يحمل نزق المشي في حقل ألغام ، وفيما يلي نص الحوار .
‘ ‘إلى ذاتي القابعة في أعماق ذاتي اعترافا بتوحدها’هذا الإهداء في مجموعتك ‘لحظات صالحة للقتل’ ألهذا الحد ترفض العالم؟
‘ لم يكن الأمر مجرد رفض للعالم فقط، بل كان احتفاء بذاتي التي هي جديرة بالاحتفاء، وقتها ساءلت نفسي: من هو الجدير بالاهتمام، أو الاحتفاء في هذا الكون، هل هو العالم أم ذاتي المبدعة التي هي أهم من هذا العالم بأسره؟ لم يكن أمامي من خيار سوى هذه الذات التي أعرف قدرها جيدا وأحترمها، إنها الذات المبدعة الخلاقة التي لابد من احترامها؛ كي تحترمك، وهل تعتقد أن هذا العالم يستحق مجرد ضياع وقتك كي تفكر فيه؟ بالتأكيد لا، كما أني مقتنع تماما أنك ما دمت مبدعا، فلابد أن تتجاهل هذا العالم الوقح والغبي صاحب التقاليد البرجوازية الكاذبة؛ لأنه بالفعل عالم زائف لا يمكنه الاتساق مع نفسه، أو مجرد التواؤم معها، المبدع الحقيقي يا صديقي هو المبدع المتسق مع ذاته أكثر من اتساقه مع من هم حوله، ثم تكون الحقيقة الكبرى التي مفادها: فليذهب العالم كله إلى الجحيم إذا ما كان متعارضا مع هذا التصالح بينك وبين الذات، أتعرف لماذا يفضل بعض الكتاب التغيب الدائم بشراهتهم في تناول الكحوليات أو المخدرات؟ لأنهم يودون دائما أن يكونوا على مسافة كافية من هذا العالم تسمح لهم بتأمله ثم البصق على زيف ما يتم تصديره للآخرين.

فضيحة ثقافية

‘ فازت روايتك الأخيرة ‘كادرات بصرية’ بجائزة ساويرس، إلى أي مدى تؤمن بلجان تحكيم الجوائز؟
‘ ربما كانت جائزة ‘ساويرس’ هي الجائزة الأكثر مصداقية في مصر، أراها أكثر نزاهة من جوائز سيطرت عليها الشللية والوساطات والفساد المستشري، لم يعد هناك أي إيمان أو مصداقية لأي لجنة من لجان التحكيم في الجوائز المصرية منذ فترة طويلة، الجوائز جميعها تمثل الفساد الحقيقي والمستشري في الوسط الثقافي بالكامل، حتى أن الأمر وصل إلى جوائز الجامعة الأمريكية لاسيما جائزة نجيب محفوظ؛ ربما لذلك أخشى أن ينتقل هذا الفساد بالضرورة إلى جائزة ساويرس وهي أكثر الجوائز نزاهة حتى الآن، وهل أدل على هذا الفساد المستشري من إصرار ‘خيري شلبي’ منذ عدة سنوات على منح جائزة الدولة التشجيعية لرواية سبق أن فازت من قبل، بمخالفته لشروط ولوائح جائزة الدولة، بل وأخذه الغي بأن رفض نصائح باقي اللجنة باستبعاد الرواية معتمدا في ذلك أنه كان رئيس اللجنة وصوته بصوتين؛ مما أدى في النهاية إلى فضيحة فساد ثقافي وشللية أولا، ثم تضييع القيمة المادية على مؤلف الرواية في نهاية الأمر، هل تعتقد أننا وسط هذا الفساد المستشري من الممكن أن نثق في هذه اللجان؟ هل تعتقد أنه طالما كان بعض الصحفيين- الذين أفسدوا الوسط الثقافي بمصالحهم وزيفهم وتصديرهم ما هو غير حقيقي- في لجان التحكيم على الأدب سيكون هناك نزاهة في أي جائزة؟ لا أعتقد، الوسط الثقافي المصري ينخر فيه السوس بسبب شلليته التي لن تنتهي.
‘ إلى أي مدى طبعت اهتماماتك بالسينما أدبك؟ خاصة بعد تقنياتك المتميزة في ‘كادرات بصرية’؟
‘ أتحرك دائما في عالمين فنيين، عالم النقد السينمائي باعتباري ناقدا وعالم الرواية باعتباري روائيا، ولعلي مجذوب إلى العالمين بشكل لا أستطيع فيه التفريق بينهما؛ لذلك تلاحظ أن ما أكتبه في الرواية دائما هو مصبوغ صبغة حقيقية بالسينما، حتى لقد وصل الأمر إلى مقالاتي الأدبية، أو مقالي في الرأي التي تجدها مكتوبة أيضا بشكل سينمائي، لكني لا أنكر أنه بالرغم من عشقي الفطري للسينما، إلا أني بالفعل أتعمد مزج كل ما أكتبه بالتقنيات السينمائية، أشعر أحيانا بأني لا أتنفس سوى سينما، لكني حريص أيضا على أن أكون الكاتب المختلف والمفارق في أسلوبيته دائما، بمعنى أن تكون كتابتي ذات بصمة خاصة تخصني وحدي ولا تتشابه أبدا مع غيري .حينما بدأت في كتابة كادرات بصرية كنت مُصرا على الكتابة بشكل أكثر تجديدا من الآخرين وأكثر اختلافا، كانت الرغبة لدي في أن أكون مفارقا تتملكني بالفعل، وأعتقد أني في الحقيقة نجحت في هذا بشكل مرضي، وتكفيني شهادة النقاد والقراء كذلك.
‘ ذاتك واضحة تماما في روايتك الأخيرة، عبر بطلك الناقد السينمائي، ألم تلحظ ميل اللغة للتقريرية ؟ هل هي مقصودة؟
‘ بالنسبة لوضوح ذاتي فهي ليست واضحة في روايتي الأخيرة فقط، لا أنكر أن ذاتي تتجلى دائما في كل ما أكتبه منذ بدأت، كانت واضحة في كائن العزلة باعتبار أن الراوي ناقدا سينمائيا كذلك، ثم كانت أكثر تجليا في ‘كادرات’، وستراها بازغة بشكل لن تصدقه في روايتي الجديدة التي انتهيت منها حتى أنك قد تظنها سيرة بالرغم من أنها ليست كذلك، وهل هناك غير الذات التي يمكن الاحتفاء بها؟ لا أنكر أني أخلط دائما في كتابتي بين الذاتي والمتخيل، بين الحقيقي المعاش وبين ما يفرضه علي الإبداع، ولا أنكر كذلك أن كل من سيقرأ ما أكتبه سيتعرف عليّ في الحقيقة، سيعرف طبائعي وحالاتي المزاجية والسيكولوجية، ليس معنى هذا أني اكتب رواية السيرة الذاتية، ولكن لكل كاتب أسلوبيته في الكتابة، أحاول دائما وبحرص شديد على قطع الشعرة الدقيقة الفاصلة بين الحقيقي والخيالي، أعرف أني أضع القارئ في التباس ضخم، ولكن تلك طريقتي في الكتابة. أما عما أسميته باللغة التقريرية ومدى قصديتها، فـ ‘ كادرات بصرية’ كانت تتحدث في المقام الأول عن مأساة سجن أبو غريب في العراق، كما كان بها كما من التوثيق لا يمكن الاستهانة به؛ لذلك كان لابد من اللجوء إلى اللغة التقريرية في بعض أجزاء الرواية؛ لأن الضرورة الفنية حتمت عليّ ذلك، وفي أجزاء أخرى ابتعدت الرواية تماما عن هذه التقريرية، كان هناك مراوحة لابد منها.
‘ تواجدك واضح على الإنترنت من فترة طويلة. هل هذا الوسيط عقبة أم دافع؟ وإلى أي حد يسهم في لغتك ورؤيتك؟
‘ إذا كنت تقصد بتواجدي على الانترنت هو وجود كتابات لي على الشبكة العنكبوتية منذ فترة طويلة، فهذا حقيقي بالفعل، بل ربما بدأت الكتابة على الانترنت في مجال الأدب قبل النشر في الدوريات أو بين دفتي كتاب؛ ولعل الدافع إلى هذا هو صعوبة النشر في البدايات، وصعوبة الدخول إلى هذا العالم الفاسد حتى نخاعه- عالم المثقفين والكتاب-؛ ولذلك أتاح لي الانترنت في البداية نافذة أستطيع أن أتنفس من خلالها، ولا أعتقد أن هذا الوسيط بمثل هذا الشكل هو معطل للإبداع، أما إذا ما كنت تقصد بتواجدي هنا هو التواجد على الفيس بوك، فهذا أمر آخر تماما، أنا شخصيا لا أراه معطلا لي، ربما كان كذلك بالنسبة للآخرين، بل أرى أن شبكة التواصل الاجتماعي هي بمثابة متنفس، فيه أكون إنسانا طبيعيا أمارس إنسانيتي الحقيقية، ربما أشتم، ربما أمارس عهري وعربدتي التي لا أخفيها عن أحد، ربما أكون مؤمنا، هنا أمتلك كل حريتي وألعابي الشبيهة لحالة الكتابة تماما، ولكل عالم لغته التي تخصه، فكما أن لهذا الصفحة لغتها العادية اليومية، فللكتابة لغتها المحملة الرصينة الأسلوبية الجميلة.

الجهل الثقافي

‘ ‘كائن العزلة ‘ استقبلت جيدا نقديا، ورفضت عضويتك في اتحاد الكتاب بعدها .. كيف تفسر هذا التناقض؟
‘ كائن العزلة كانت حالة روائية خاصة ومهمة جدا، استقبلها جميع النقاد بالترحاب والاندهاش، وظلت على مدار عام بالكامل حديث النقاد والصحف احتفاء بها، وأنا شخصيا كنت واثقا أنها ستحدث هذا الأثر بعد نشرها، على الرغم من أنها أولى تجاربي الروائية، لكن وجه الاختلاف هنا أني كتبت عن عالم مختلف تماما وأرض لم يألفها الجميع، كتبت العالم كما أراه أنا وكما يحلو لي فلسفته؛ لذلك هي لم تزل تعيش في أذهان الكثيرين، ولم يزل كلما ذُكر اسمي يكون مقرونا بكائن العزلة، ولكن رفض عضويتي في اتحاد الكتاب بعدها كان جهلا من السيدة الوحيدة التي حاولت تقييم أعمالي- وهذا يخالف قواعد الفحص التي تؤكد انه لابد أن تكون اللجنة ثلاثية أو خماسية- إلا أنهم بكل إهمال- وهذا هو المألوف في اتحاد الكتاب- أعطوا أعمالي لشخص واحد ليتم الحكم من خلالها برفض عضويتي لأنها- كسيدة ليس لها علاقة بالكتابة الأدبية- رأت أني مجرد كاتب بورنوغرافيا وأني اكتب كتابة تجارية تهدف إلى الربح، بمعنى أنها رأتني مجرد كاتب جنسي يكتب للمراهقين، وهذا بالطبع راجع إلى قصور حقيقي في ثقافتها، وعدم قدرتها على الإطلاع على أنواع الكتابة في العالم وفهمه، ولكن انتهت الأزمة في النهاية بعد عدة أشهر من المعارك على صفحات الجرائد في المنطقة العربية بكاملها على حصولي على العضوية.
‘ كتابك عن ‘السينما النظيفة’ يبدو قاسيا نسميتها بـ ‘السينما التي ماتت’ هل يمكن للنص الأدبي أن ينقذ السينما؟
‘ لم أكن قاسيا على السينما، بل كانت بكائية على الحال الذي وصلت إليه، حال السينما المصرية في هبوط دائم منذ فترة، يحاول السبكي وغيره من المنتجين إفسادها إفسادا حقيقيا بذوقهم وثقافتهم المتدنية؛ لذلك رأيت أن هناك نوع من السينما مات بالفعل، وهو السينما الجادة التي مثلها رضوان الكاشف، وداود عبد السيد، وخيري بشارة وغيرهم، هذه الأفلام بدأ الجمهور يعرض عن مشاهدتها أو حتى محاولة فهمها نتيجة تدني الذوق لدى هذا الجمهور، ولعل إفساد ذوق الجمهور يعود في الأساس إلى الإلحاح الدائم عليه بكل ما هو غث وفاسد؛ فأفسدناه بالفعل، وفي الحقيقة من الممكن أن ينقذ النص الأدبي عالم ‘المسخرة’ الذي تسبح فيه السينما المصرية منذ فترة، ولكن هذا يستدعي بالضرورة وجود كتاب سيناريو على قدر من الثقافة والحرفية والقدرة على التعامل مع النصوص الأدبية، وهذا للأسف غير متوافر في حقيقة الأمر؛ لأن جل كتاب السيناريو في السينما المصرية إن لم يكن جميعهم، ليسوا إلا ‘بصمجية’ وجهلة لا علاقة لهم بالثقافة والفن الحقيقي، بل هم مجرد ‘ترزية’ يفصلون ما يرونه يناسب الذوق الفاسد؛ كي يُدر عليهم المزيد من الملايين، ولعل في أفلام سامح سر الختم، وأحمد عبد الله، وبلال فضل، وغيرهم ما يدل على هذا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية