عكس تقرير مجموعة العمل بشأن العراق الذي اشرف علي اعداده جيمس بيكر وزير الخارجية الامريكي الاسبق حالة التأزم التي تعيشها ادارة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش والمحافظون الجدد الذين سيطروا علي دائرة صنع القرار فيها، ووجهوها لخدمة المصالح الاسرائيلية.
النقطة الاهم في هذا التقرير تمثلت في المطالبة بالانسحاب الامريكي العسكري من العراق، سواء الي قواعد محصنة داخله او في الدول المجاورة، واشراك دول الجوار، وخاصة سورية وايران، في الجهود الرامية الي اعادة الهدوء والاستقرار الي هذا البلد الذي مزقته الحرب الاهلية الطائفية.
الرئيس بوش غير ملزم قانونيا بالتوصيات التي تضمنها التقرير، فالمجموعة التي اصدرته تشكلت بقرار من الكونغرس. وقد استبق صدور التقرير بالاعلان عن استمرار وجود القوات الامريكية في العراق حتي تنجز مهمتها كاملة، الامر الذي يعني عدم تنفيذ التوصية بسحب القوات الامريكية في غضون عام من الان.
وكان لافتا ان روبرت غيتس وزير الدفاع الامريكي الجديد، والذي كان عضوا في مجموعة جيمس بيكر هذه، لم يتردد في الادلاء بتصريحات تتعارض مع موقف رئيسه بخصوص الانسحاب، عندما قال ان القوات الامريكية لا تحقق نصرا في العراق، ملمحا الي تأييده التوصية التي تطالب بسحب هذه القوات. فعدم تحقيق انتصار يعني الاقرار بالهزيمة، والا ما فائدة ان تبقي هذه القوات، والخسائر الضخمة التي تترتب علي وجودها، ماديا وبشريا، اذا كانت لا تحقق النصر، وبالتالي الاهداف، التي ذهبت الي العراق من اجل تحقيقها.
التقرير في رأينا انطوي علي تقديرات خاطئة للوضع في العراق وكيفية وقف الحرب الاهلية الطائفية التي تحصد ارواح المئات من ابنائه يوميا. ويمكن ايجازها في النقاط التالية:
اولا: تجاهل التقرير الطرف الاساسي المؤثر حاليا في العراق، وهو المقاومة بمختلف فصائلها، ولم يطالب صراحة بضرورة اجراء حوار معها، فالمقاومة هي التي افشلت المشروع الاحتلالي الامريكي في العراق، وهي التي جعلت نفقات هذه الاحتلال باهظة ماديا وبشريا. فعمليات الجناح العسكري للجيش الجمهوري الايرلندي لم تتوقف الا بعد تخلي الحكومة البريطانية عن عنادها، وانخراطها في مفاوضات مع ممثلي الجيش السياسيين، وهي المفاوضات التي قادت الي السلام الحالي في ايرلندا الشمالية.
ثانيا: طالب التقرير باشراك سورية وايران في المحاولات الرامية الي اعادة الهدوء الي العراق، ولكنه استثني في الوقت نفسه، دول الجوار العربية والاسلامية الاخري، وهذا خلل خطير يكشف عن قصر نظر من قبل واضعيه. مضافا الي ذلك ان الذين يتصدرون الحكم الحالي في العراق هم من حلفاء ايران، وقد فشلوا فشلا ذريعا في فرض الامن والاستقرار وتشكيل حكومة تمثل كل العراقيين، وليس الطائفة التي ينتمون اليها فقط.
ثالثا: ركز التقرير علي ضرورة ايجاد حل للصراع العربي ـ الاسرائيلي، وانتقد الادارة الامريكية التي اهملت هذا الملف في السنوات الماضية، ولكنه لم يقدم حلولا مقبولة تأخذ في الاعتبار مصالح الطرف العربي والفلسطيني خاصة. ولم يتطرق الي الممارسات الارهابية الاسرائيلية وصمت الادارة الامريكية عليها، الامر الذي جعل توصيته في هذا الخصوص تبدو مغرقة فــــي التعميم.
وفي جميع الاحوال يظل هذا التقرير مفيدا من حيث كونه اول اعتراف امريكي واضح بفشل الاحتلال الامريكي في العراق، وخطورة استمراره في ظل التدهور المستمر وتصاعد عمليات القتل في اوساط العراقيين وقوات الاحتلال علي حد سواء.