‘غزل الحكي’ لحبيبة زوكي الكتابة بوصفها إنجادا للذاكرة المثقوبة

حجم الخط
0

إبراهيم الحجري

الرباط ـ كثيرا ما يجنح الكتاب إلى طرق أبواب أجناس أخرى يجدون فيها قناة التعبير عما لم يستطع الجنس الأصلي الذي يبدعون فيه التعبير عنه. فبات من البدهي أن نرى الشاعر يكتب القصة، والروائي يكتب الشعر، والقاص ينتقل إلى الزجل، وهكذا. فالمبدعون رحالون بين الأجناس، ولا يمكن بأي حال أن يحشر المبدع نفسه في خانة واحدة، لأن ذلك يقتل فيه أشياء كثيرة يجد نفسه قامعا لها بفعل الإخلاص لنوع كتابي واحد. وهكذا وجدت حبيبة زوكي نفسها بين أحضان الرواية، وإن كان الجنس الذي برزت فيه وأبدعت فيه هو الشعر خاصة الزجل. وتكاد تكون هذه الظاهرة مغربية بامتياز، فكثير من الشعراء رحلوا مؤخرا إلى عالم القصة، لأنهم وجدوا فيه الخلاص من شرنقة القصيدة التي تجعلك انفعاليا أكثر من اللازم، وشديد الارتباط بعالم الذات. فيما يتيح الحكي الذهاب والإياب بين الذات والواقع والحلم، الماضي والحاضر، التنقل بين اللغات والعوالم والخطابات. وكثيرا ما أبدع هؤلاء الرحالون في غير موطنهم الأصلي، حتى لو كانت كتاباتهم في الجنس المرتحل إليه نادرة وقليلة.

لكن الهجرة إلى عالم أجناسي جديد غالبا ما تكون مشوبة بمخاطر، لأن المبدع يسقط من حيث لا لا يشعر في قضية الإسقاط، إذ يحيد عن مسالك النوع المرتحل إليه ومعاييره، ليخيط له فستانا جديدا على مقاس وعيه بالجنس الذي اشتغل فيه وجرب فيه كثيرا. وأحيانا يكون هذا النزوع مشوبا بوعي بالتحولات ومفكر فيها. لذلك فـ’غزل الحكي’ ليست رواية بالمفهوم المتعارف عليه نقديا حتى وإن كانت الكاتبة قد جنست نصها وفق هذا النوع، وحتى وإن كان العنوان يشي بالتوجه نحو الحكي، لكن العبور إلى متاهات النص يضعنا بين طيات نص مخاتل، هروب، يتقمص خطابات كثيرة دون أن يكونها. إنه مثل الزئبق ما يظهر له ملمح حتى يتخفى وراء ظل آخر ووسم مغاير. فهو تارة شعر، وتارة خاطرة، وكثيرا من الأحيان بوح وهذيان. ونادرا ما يحكي. صحيح أن النص يتوفر على حبكات متعددة، وعلى شخوص يقودها العامل الذات الذي يروي بضمير المتكلم، لكن تطور الحدث، ودقة الوصف، وديناميكية الحوار أشياء تغيب في النص لتغيب معها ملامح الرواية بالتقاليد المتعارف عليها. لتضعنا بين مسالك نوعية جديدة من النصوص تتأبى على التصنيف وتتشبث بشكل مخاتل بتلابيب جنس أدبي معين. لم تكن زوكي تراهن في هذا المنجز على الشكل الخطابي، ولم يكن يهمها أن تنجز عملا روائيا بالتقاليد النقدية للجنس الأدبي، ولم يكن يهمها أن تسرد. بل كانت هناك في الأفق غيمة يجب أن تزول: هناك قضايا تؤرق الذاكرة وتحير الذات يجب أن تتخلص منها. ولم يسعف الشعر في أن تقولها عبر قناته. لذلك اختارت أن تبوح نثرا، ولنسمه ما نشاء. القضية الأجناسية هنا غاية ثانوية، فيما المضمون شيء أساسي. لقد عانت الذات المحكية في النص من عطالة قاتلة بعد إهدار عمر طويل في التحصيل والحلم بالشواهد والدرجات العلمية، لتجد نفسها رفقة جيل بأكمله خارج التاريخ. العطالة موت قبل الأوان، خاصة حينما يأتي في الزمن الأروع: مرحلة الشباب. لذلك فهذه التجربة في نظر الكاتبة تستحق أن تدون في عمل إبداعي يبوح بتلك الأحاسيس والانفعالات التي كانت تستبد بها وبزملائها في الصراع مع اللوبيات المهيمنة من أجل الظفر بحق العمل الكريم ‘في الصباح الباكر، رأيتهم يسرقون أحلامنا، اغتصبوها ووضعوها في القفص وراء القضبان..’ ص 19. وحينما تكون عينا الروائي على قضيته البؤرية، ويكون تركيزه على عالمه الخاص، تتم التضحية بالجانب الشكلي والفني لفائدة الموضوعة التي تبوح بها الذات. لقد لمست من خلال هذا البوح أن العامل الذات في المحكي يسعى غلى التطهر مما علق بالذات من أمراض إبان عيش التجربة المرة والقاسية في حلبات الموت والصراع والسجن. حلبات الموت المر الذي يفرغ المرء من معنوياته، ويجعله خشبة منخورة، وجسدا لا روح فيه ‘ضاق صدري بداخلي وانصهرت عروقي وغدا الجسد مني مثل المرجل. إنه يغلي ونيرانه تلتهب ولا من منصف لهذا الجسد’ ص 22. وقد قاومت شخصيات الرواية الهواجس التي كانت تتربص بها، عبر اختيارات البطلة الراوية التي ظلت بالرغم من المشاكل والمتاهات التي تحدثها العطالة القسرية، متشبثة بالوطن، وبالقيم الرصينة، وبالمواقف الثابتة التي تشبعت بها سواء عبر التربية أو التعليم. ولم تحتفظ بذلك لنفسها، بل راحت تؤطر زملاءها ضد هذا الوضع، لتجعلهم أقوياء لا يهزمون ولا يلينون أمام الرياح العاتية التي تعصف بهم يوميا ‘لقد قتلوا فينا الحيوية والشباب… لقد أعدموا فينا كل بذور الابتكار… ماذا بقي منا غير هذه الأشلاء؟ إننا أشباه شباب… بقايا إنسان’ ص 40. لقد كانت البطلة عنصر توازن في حياة الشخوص، خاصة عشيقها الذي كاد أن يتهاوى لولا تأثيرها الإيجابي في قراراته. لتستطيع في الأخير أن تخلق وإياه عالما صغيرا من حياة ملؤها الحلم والرضا والقناعة والنضال يقول العشيق في هذا الصدد: ‘كيف كانت ستغدو حياتي لولا تواجد كوثر بجانبي؛ إنها النور الذي ينير طريقي طيلة كل هذه المسافة الزمنية وهي ما تزال تتشبث بقواها وتزودني بالأمل والنور. إنها تعاني في صمت تداعب جراحها وتكابر’ ص 23. وإذا كانت القضية الرئيسة في الرواية هي العطالة وتأثيرها السلبي على النفسية، فإن الروائية، من حين لحين، تقحم بعض القضايا الهامشية التي تدور في فلك القضية الأم مثل: الفقر، ضعف البرامج التربوية، إهدار المال العام، الإيمان بأنصاف الحلول، التضحية بالقيم والمبادئ، الأنانية والمصلحة الشخصية، انهيار الوضع الاعتباري للمثقف، سوء الساحة السياسية والثقافية، ظروف الخادمات… وقد كرس هذا الانشغال بالواقع وبأسئلته الملحاحة الرؤية النقدية للرواية. لقد سعت بكل مكوناتها أن تعري وضعا، وتنشر أدرانه على حبل الغسيل. وفي هذا الانتقاد تمسك بالحلم واقتراح للبدائل الممكنة.

لقد حضر الوجه الآخر للكاتبة في الرواية، حيث تستدعي الطفولة التي تضحي في النص نقطة ضوء مهمة تكسر رتابة البوح المشتعل ‘وسط هذا الجو الطفولي تسافر كوثر غير ما مرة إلى طفولتها بكل مراحلها، حينما كانت الأناشيد تستهويها، وحينما سكنت باللغة الأجنبية.. لماذا تسكننا الطفولة؟’ ص 80. مثلما استدعت الكاتبة تجربتها الشعرية والزجلية، ووظفت مذكراتها القديمة التي شكلت مادة خام للحكي: ‘ما أنا إلا قاري- عندي دبلوم عالي- نظل كالس في القهاوي- أوجيبي خاوي’ ص 79. لقد كانت ‘غزل الحكي’ تمرينا سرديا ثريا بانفلاتاته من قيود المعايير الروائية، وخروجه عن النموذج، وتضحيته بالجانب الفني. مثلما كانت فرصة لتخليص الذاكرة من حروق الماضي، وترتيق الثقوب التي اعترتها عبر مسار صعب من التشكل الذاتي والهوياتي للذات، وهي دون شك، ستكون فاتحة لأعمال أخرى أكثر نضجا على المستوى الإستيتيقي، وأكثر تمثلا لأسئلة اليومي والراهن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية