ومضات: عالم حالم وعالم ظالم!

حجم الخط
1

استضافت قبل أيام مدينة أكسفورد البريطانية عاصمة العلوم والعلماء منتدى للمساهمين في مجال الريادة الاجتماعية أو ربما على وجه الدقة خيرة اللاعبين الرئيسيين في هذا المجال، تحت مسمى منتدى سكول العالمي نسبة إلى مضيفه رجل الأعمال الكندي جيف سكول.
المنتدى الذي حضره ألف من المشاركين الفاعلين حمل عنوان ‘الطموح’ ليقدم قصص نجاح حازت على جائزة سكول السنوية.
وتراوحت هذه القصص ما بين إغاثة الفقراء في إفريقيا وتوفير الماء الصالح لهم والرعاية الصحية والاجتماعية وبين قصص أخرى للنجاح في الهند وأفغانستان خاصة من تحدوا الظروف السياسية وأصروا على العلم والتعلم.
لكن أجمل ما قدمه المنتدى هو ما تعدى حدود الكون في تجربتين نوعيتين. بطل الأولى فيها رجل الأعمال البريطاني الصاعد دائماً ريتشارد برانسون، والذي تحدث في موضوعات عدة كان أهمها حديثه عن بدء الرحلات الفضائية وإقبال 800 شخص للتسجيل في هذه الرحلات لزيارة القمر.
برانسون بات واثقاً مطمأناً مفعماً بالحماسة قال لي بعدها بأنه سيأخذ أبناءه معه ليشعر الناس بأمان هذه الرحلة وليقبلوا على التسجيل لاقتحام حدود المجهول. الطريف في حواري مع برانسون كان عندما سألني عن إذا ما كان أياً من العرب سيهتم بزيارة القمر؟ ضحكت في داخلي وأنا أفكر بأبناء جلدتي ممن يحتاجون أن يحلوا مصائبهم في كوكبهم قبل أن يبحروا في فلك الكواكب الأخرى. أغراني حديثه شخصياً فسجلت للرحلة لأبدأ رحلة أخرى أطلقها من قريب للبحث عن تمويلها البالغ 250 ألف دولار. أهم ما في الأمر بأنني لم أنه حديثي مع الرجل حتى تأكدت من أنها ستكون رحلة باتجاهين، وأن رحلة العودة مضمونة!
بطل التجربة الثانية كان الباحث الأمريكي ويل مارشال، الذي أبهــــر الناس متحدثاً عن حلمه وفضوله فـــي تخطــــي حــدود الأرض عبر الأقمار الاصطناعية، لكنه شكى من تكلفة تلك الأقمار وكبر حجمها. مارشال طمأن الحضور بأنه لم ييأس واختفى خلف المنصة لثوانٍ محدودة عاد بعدها بجهاز يصل في حجمه إلى حجم كتابٍ كبير، ليعلن أمام الحضور أمام ذهولٍ وإثارة كبيرين بأنه نجح في صناعة قمره الاصطناعي، وأن ما يحمله هو النسخة الحقيقية لهذا القمر الذي أطلق منه 28 قمراً ويعتزم إطلاق مئة قمرٍ آخر العام القادم.
مارشال عرض صوراً صادرة عن أقماره فكانت الصدمة الكبرى عندما اتضح أن دقة الصور تبدي ما يصل إلى حجم طاولة صغيرة. الأمر المحزن كان ما عرضه من صور لحريقٍ في بوليفيا، إذ انتابني شعورٍ متجددٍ بأنه لو شاء تصوير عواصم الربيع العربي والعراق فكم سيكون عدد الحرائق يا ترى؟
عالمٌ حالمٌ قدمه هؤلاء أمام عالمٍ ظالمٍ يعيشه العرب في معظم عواصمهم، ناهيكم عن فلسطين الغارقة في مواطن الظلم والبؤس والنكبة المتجددة كل يوم.
أطرف القصص كانت عندما قابلت زعيماً لإحدى القبائل الأمازونية، الذي كان معتمراً لكل ألوان وأنواع الريش التي عرفها الإنسان. سألته عندها إذا ما كان يعرف فلسطين، فأجاب بالإيجاب، لكنه قال بأنه لا يفهم لماذا يقتتل البشر على أرضٍ لا تزيد مساحتها عن جدولٍ من جداول نهر الآمازون؟ عندها مات الحديث موتاً طبيعياً وفضلّت التفكير برحلة القمر!!

‘ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية