السمة الأبرز والتي تتفق عليها معظم العروض المسرحية حاليا، هي الخوض في المعترك السياسي بشكل أو بآخر سواء على سبيل الرمزية، أو الطرح الأساسي، وبعيدا عن مدى توفيقهم من عدمه في هذه النقطة، إلا أنها تثير شيئا من السخط والإحساس بإعادة التدوير الذي لا يقود إلى الكثير من الإبداع، ويدعو إلى ركود المخيلة، إلى جانب الصبغة التي يعمم بها شعور المتفرج تجاه مواضيع المسرح وأجوائه، من دون أي مساحة غموض أو تخمين . وبغير حيز مطلوب من الانتماء، تفرضه مخيلة المتلقي على ذاته حينما يتعرض لنص مسرحي يغاير السائد، يقترب منه مسافات مضاعفة، ويتشارك معه لحظات من ماضيه بعيدا عن مؤرقات اللحظة الحالية وظروفها .
وبعد انتهاء عرض ‘ماك ولي’ للمخرجة مروة رضوان، والذي تمت إقامته على مركز الإبداع الفني بدار الأوبرا، يعود عرض ‘الالعظماء كتير’ والذي تم إعادة تقديمه على مسرح ساقية الصاوي ليطرح حالة مشابهة من المتعة المشروطة بكتابة رصينة وتنفيذ محنك، ذكي، مُحلّق. يعطي مثالا بسيطا على معنى التعامل الجاد مع الكتابة المسرحية، ومفهوم إدارة الممثل، وضبط إيقاع العرض بأكمله، على الرغم من أنه يتناول طرحا هزليا عبثيا يحاكي فيه فيلم ‘شمس الزناتي’ والمقتبس بدوره عن فيلم ‘العطماء السبعة’ . وهي ذاتها الحالة غير المشروطة بضرورة تضمين الرسائل الحياتية أو السياسية التي تقصم ظهر النص، وتحيله إلى خادم وفي، يترفع عن الإجتهاد في سبيل متعة الجمهور وانتزاع ضحكاته، وكأنه العيب بعينه، ويفني ذاته في إجادة صياغة الأفخاخ الدرامية التي تحمل الموعظة الحياتية أو ترمي إلى الواقع السياسي. وعلى الرغم من أن صلاح الدالي مخرج عرض ‘الالعظماء كتير’ وكاتبه وقع قبيل نهاية عرضه في عثرة مشابهة، إلا أنه _حتى وإن إعترضنا على المبدأ ـ قدمها محافظا فيها على رونق عرضه ورشاقته، وروحه الموزونة في مرحها .
شمس الزناتي الاتي
على الرغم من غرابة منطلق المحاكاة التي صاغها صلاح الدالي على الفيلم الشهير، إلا أنه تجاوزها بالتنفيذ المحكم لكل مشهد على مستوى كل شيء، فمع بداية المسرحية تظهر فرقة غنائية بائسة، يتشاجر فيها صاحبها مع واحدة من أفرادها، ومن ثم يتحداها، إن لم تكن فرقة مثيلة سيقوم بقتلها، إنها فكرة مستعصية على الفهم في حد ذاتها، ولكن جودة المشهد تنفي عنه النفور أو الإستغراق في مدى منطقية المضمون، من بعدها تنطلق الفتاة مستجيرة بالشيخ عتمان، مخبرة إياه بالتهديد الذي تعرضت له، ليدلها على صلاح ‘صلاح الدالي’ الذي سيفلح في تمكينهما من تكوين فرقة غنائية بديلة تتحدى فرقتها التي نبذتها.
ومن ثم يُصبح شمس الزناتي الآتي، والمفارقة القوية التي دعت إلى الضحك، أن ليس ثمة أي صديق من أصدقاء صلاح القدامى ولا هو نفسه يفقه شيئا في المزيكا، ويظل الصراع بين عدم منطقية الفكرة مع الحرفية الدقيقة في تنفيذها ليس على القدر ذاته من التوازي، بحيث غلب الشطر الثاني من المعادلة، ونجح في اختطاف المشاهد بجدارة بعيدا عن تحيره بشأن اختيار هذا القالب على وجه الخصوص، والذي يعطي فكرة مبدئية عن مدى صعوبة صُنع إفيه جيد، ومشقة تصعيد الدراما الهزلية من خلاله، وهو ما تجنبته فرقة التخت فعليا ببراعة.
ملحمة إعداد الشخصية والموقف
أقوى ما يميز عرض العظماء كتير هو الرعاية المفرطة بكل شخصية، على مستوى هذا التناول الهزلي، وفي نضج ووعي بمدى تماسه مع الشخصية التي تحاكيها من الفيلم، فرُسمت الشخصيات محتفظة بسمة أساسية من سمات أصولها الفيلمية، بينما انطلقت في خلق حضورها الخاص على خشبة المسرح، سواء على مستوى صناعة الإفيه، أو الاحتفاظ بتفاصيل واضحة طوال مسار الحدث.
وحتى مع ابتكار وإضافة شخصيات أخرى ظهرت في العرض بينما لم تكن موجودة بالفيلم، لم تسقط هذه الميزة، بل تطورت في خلق علاقات صحية ومنعشة فيما بين هذه الشخصيات وبين شخصية رئيسية من الفيلم، بحيث تواكب ظهورها معها بالتباعية نظرا للعلاقة التي تربطهما، أب وإبنته، أخ وأخوه، وهكذا. هذا بخلاف العلاقات الأساسية بين الشخصيات وبعضها بشكل عام، والتي ساهمت في دعم المواقف الكوميدية القوية التي ظهرت مع بدايات تجمع الأصدقاء، والتي تم السرد فيها حول الظروف الحالية التي تحياها كل شخصية، قبل انضمامها لصلاح في الفرقة. وهي اسكتشات تستحق الإشادة، امتزجت فيها مهارة خلق موقف مع خفة الظل التي يتمتع بها الممثل إضافة إلى ذكاء التعامل مع الإفيه.
مبدأ الإسقاط سياسي
يُحسب لصلاح الدالي فكرة تشبثه بالمحاكاة الهزلية إلى النهاية، فهو لم يلجأ ولو في جزء طفيف إلى حياكة مشاهد جدية ميلودرامية، وهي جرأة تدعو إلى الإعجاب، بها نبرة تحد، لا يحتاج من خلالها أن يبرز قوة أداء ممثليه، أو يستعرض قدراتهم، بينما ظل مؤمنا بقوة هذه المعالجة التي طغت بسحرها وحضورها على المتفرجين من المشاهد الأولى وحتى النهاية.
ولكن ما يُحسب عليه، هو اللجوء في النهاية إلى الإسقاط السياسي بشكل مباشر، وعلى الرغم من أنه حرص على الإحتفاظ بخفة روح المشهد وظله، إلا أن المعنى المكثف الذي أراد توصيله لم يتماش في مضمونه مع منهاج المسرحية الأصلي، والذي قام على مبدأ صناعة الضحكة الخالصة، باعتبار أن ذلك في حد ذاته ليس عيبا، بل بالعكس فالهزل الرصين المحبوك أسمى من ألف جد هزيل.
وبالتالي جاءت المشاهد قبيل نهاية المسرحية، عالية الصوت تشير إلى الإسقاط في سذاجة، أخذت من مبدأيتها التي كانت، وزعزعت بعضا من إيقاعية العرض على أي حال.
فرقة التخت
من العناصر التي دعت إلى لفت الأنظار، ذلك التناغم الذي طغى على طاقم العمل، وهم أفراد فرقة التخت، والذي يحض على التكهن بأنهم فرقة متماسكة، ادركت فكرة العمل الجماعي وهضمت معناها، فهم الأبدى دون غيرهم في تسريب إحساس قوي بمدى التواؤم الذي يجمعهم، والذي يعود بدوره على شكل العرض ومضمونه، والكيفية التي يتورط فيها الجمهور مع حكايتهم . فكلما اجتمعوا جماعة أو ثناثيات على خشبة المسرح، تراءى للمتفرج هذا التضامن السري الخفي فيما بينهم على صنع الحالة التي تشف عن مجهود تقاسموه فيما بينهم، لا يخلو من ميزة يختصون بها لأنفسهم في هذا التلاقي الميسور لكل منهم مع الآخر، وهو ما انعكس على موضوع العرض الذي يتحدث في الأساس عن المهمة التي ستجمع الرفاق القدامى مجددا.
آخر كلمتين:
_ عرض ‘الالعظماء كتير’ اشترك في كتابته صلاح الدالي، محمد ثروت، وأيمن عبد الفتاح.
_ أداءات الممثلين كلها كانت من النفاذية التي تجعل الجمهور يتعرف عليهم عن ظهر قلب، ويظل متعلقا بهم في ذهنه إلى أقرب لقاء آخر معهم في عرض قادم.
ـ إضاءة ‘أبو بكر الشريف’ جاءت قوية راسمة في حدة وبهائية خشبة المسرح بما يلائم حالة الصخب الكوميدي التي خلقتها الفرقة فوقه، أما عن تنفيذ الموسيقى والتي لجأت لاستخدام مزيكا فيلم ‘شمس الزناتي’ كان على الدرجة ذاتها من التفوق التي تشترك في تدعيم الإفيه.