ضوء الماضي

يحاور كاتب سوري معروف راديو ‘مونتكارلو’ يتكلم عن حبيبته الأولى،القديمة، التي خلبت لبه أيام الشباب، فكان يراها أجمل امرأة في مدينة حلب.
يهيم بها لسنوات ويتذكر كيف كان ينام الليل أو لا ينامه وهو يتخايل أنها حوله تملأ مكانه وزمانه. وكما هي قصص الحب، تمر السنوات لتقيض ما بينهما من حب وهيام، فتنتهي القصة كما انتهت آلاف مثيلاتها. قصص الغرام في عالم الشرق يتداخل فيها السحر واليوتوبيا كي يرتفع فيها قدر الحبيبة، ستكون في ذلك الوقت ملاكا من غيم لا يمس، لكن إلى متى؟! هذه القصة تعود إلى أيام الخمسينيات أو ستينيات القرن الفائت أذكر أن الكاتب قال وقتها، إنه بعد مرور ربما عشرين عاما كـُـتب له أن يراها مرة أخرى، يرى محبوبته الأولى – في شارع التلل المشهور في مدينة حلب فتصيبه الخيبة فقال كلمته التي استوقفتني وجعلتني أتأمل حقيقة الحب وحقيقة الإنسان. قال: حين رأيتها فوجئت كم هي عادية بل كم هي دميمة وقلت في نفسي هل هذه من أنقفت شبابي في حبها…كم كنت حمارا!
عندما سمعت هذا الكلام خطر في ذهني مصير الحب الشائع الذي يرتبط بالجسد والجمال الظاهر وما ينتج عنه من علاقة عابرة غير عميقة، هذا النوع من العلاقة وهي بالتأكيد ليست حبا بل هي هدف لإشباع حاجة الجسد بالدرجة الأولى، وهي في النهاية مشروع لن يكتب له النمو ولا الاستمرار. لم أتأسف كثيرا على ما قاله ذلك الكاتب، فكتبه التي كانت منتشرة في كل مكان كانت برأيي المتواضع آنذاك تروي ما قاله، فمن ينظر إلى الحب كما ينظر إليه ذلك الأديب فلن يكون فنانا ولا أديبا، من باب أنه لا يعرف كيف يتغلغل داخل الجسد إلى الروح والمعالم السيكولوجية الفسيحة التي من جانب آخر على المحب أن يبني فيها عوالمه ويحرث أراضيها وبواديها وستكون بالتأكيد أراضي مجنونة بالخصب ولا تبور.
في أحد الأيام الماضية كان هناك ضوء في الليل، وكان علي أن أزور قبر أحد الأصدقاء الصحافيين الذي توفاه الله بينما كنت بعيدا في رحلة إلى الخارج. دخلت المكان أبحث عنه، وكنت أتخبط في الظلمة التي تنيرها أضواء باهرة، ولأن الظلمة كانت في عيني، وكانت تتلبسني في كل مكان أحل فيه، لم يكتب لي أن أرى المكان ..لكنني وجدت بالقرب من المكان الذي أقف فيه، في مكان ما من المقبرة، قبرا عليه اسم امرأة كنت قد أحببتها فيما مضى، ومر الزمان وجاءت قسوة الحياة كي تنسيني، ولو لفترة غير قصيرة، تلك المرأة وذلك الحب، إلا أن القبر مع اسمها كان قد صرعني في الحال. أتخيلها وكانت قد تجاوزت الخامسة والأربعين وبدأ جسدها يترهل ويفقد نضارته لكن اسمها أيقظ في داخلي ردة الزمن.
كان القمر الذي لا أدري من أين قفز وحضر في الزاوية ينير المقبرة إنارة مائلة بخضرة سائلة، وبرودة نسائم يقشعر لها الجسد، كانت نائمة أسفل قدميّ، وتخيلت مكانها الحقيقي ورحت أقارنه مع مكانها الوهمي، هنا سوف استلقي فوق الإسمنت الذي حُفرت على شاهدته اسمها. كم فظيعة الخلوة مع الهجر، والبعد والفقد، حتى إن مرتْ الآن من أمامي فجسدها الشيخ أن يُنظر إليه نظرة الزمن الماضي الخالد لأنني من أشد المؤمنين بأن هدف الخلق وهدف الحياة الأسمى ليس التطور أبدا وليس إيجاد الأجوبة على اسئلة الحياة المتعددة غير المنتهية بل هو الوصول إلى الحب.
كان اللاوعي قد فتح آفاقه، واستيقظ المارد الغافي ونفض عنه جشع الحياة، يوقف الدوامة التي تسجن المرء في بوادي العزلة والضياع ليتأمل ما جرى. فحضرت أمامي، لم تحضر، إنما حضر الوجد الذي يدرك الآن معنى النهاية والظلمة، ويدرك معنى الحياة التي جعلناها تضيع وتتسرب من بين أيدينا، وهكذا شعرت أنني قد انتهيت، وربما مت في هذا المكان، وأنني لا أبحث عن مثوى صديقي بل عن مثوى الحب.
بالطبع لم أرها في ذلك اليوم بل رأيت قبرها، اسمها على القبر… مقارنة بما قاله الكاتب السوري حين رأى حبيبته بعد عشرين عاما في شارع التلل، هل ينظر إليها ويراها أم يرى خذلان الحب فيظن أن الخذلان دميم ولا يدري كيف ساقته الأقدار إلى الوقوع في الحب. وهكذا رفعت رأسي نحوها كي أرى السماء التي انفتحت إلى سلالم أصعد إليها وأدق بابها. أتخيل كل الوقت أنني أفعل ذلك لكن الوقع الفيزيائي لا يسمح بفتح المعابر فتبقى مغلقة تحت سلاسل العذاب.
أذكر شارع التلل في حلب، قبل العذاب السوري، قبل حوادث حماة وحلب، حين كانت نسائم المدنية تعطر تلك المدينة وتغمرها بالحب، قبل ولادة الأشباح التي حولت العصر إلى سواد وإظلام. تتبضع النسوة فيه، وتمر الصبايا.. وجوههن تتشابه كأنها وجه واحد، صبية واحدة وقد أمست ألف صبية تذرع شارع التلل وتدخل المحلات بابتسامة فيها خفر وحياء. ثم ينقطع الضوء ويحل الظلام ولا أرى معنى من الاستمرار في تلك المقبرة القديمة ابحث فيها عن صاحبي بل أبحث عنها وظهرت فجأة أمامي وتحولت من خيال إلى جسد راقد في أعماقي فرفعت الهاتف، أول مرة أفعلها ورننت ورننت وكان الصمت يحمل البعد والصدى ويحدث الأموات فيقول لهم ساعدوا الراقدة على النهوض إنه يهاتف المجهول ويبحث عن الحب وهو دافع الحياة وخلودها المنسي.
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية