إنهم يصرون على أن يبقى العالم في ظلام الصراعات والمشاحنات العرقية والدينية، وكأنها اشارات سياسية الى أن الحرب القادمة ستكون دينية بامتياز، على شاكلة الحروب الصليبية المعروفة في تاريخ البشرية؛ وليس صدفة أن يصرح بها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن ذات مرة غداة تصريحاته التي أثارت الكثير من الجدل حول أحداث برج التجارة العالمي، وإلا فما معنى الإصرار المستفز الذي أعلنت عنه كنيسة أمريكية عندما دعت إلى حرق المصاحف في 11 ايلول/سبتمبر القادم، بل وأن تجعل من هذا اليوم احتفالا سنويا بحرق القرآن. والقضية لم تتوقف عند هذه الحدود؛ بل تابعت الكنيسة حديثها مؤخرا، عقب التهديدات التي توصلت بها الجماعة المقبلة على هذا الفعل الإجرامي من أن ‘جناح اليمين المتطرف’ وهي منظمة مسيحية مسلحة، ستقوم على حماية مقرها أثناء مراسم الحرق في الذكرى التاسعة لهجمات ايلول/سبتمبر على الولايات المتحدة. وحتى تمضي المؤامرة إلى حدودها القصوى قال القس تيري جونز، الذي يقود الدعوة إلى حرق المصحف، إنه قبل بعرض الجناح اليميني المتطرف الذي سيقوم ما بين 500 إلى ألفين من عناصر مليشياته المدنية المسلحة، كما وصفها، بحماية المقر في 11 ايلول/سبتمبر.
سيقومون بحرق (القرآن الكريم) تحت الحماية المسلحة وأمام أعين الملايين من المسلمين والملايين من المتدينين، والملايين من الضمائر الحية؛ وكأنهم بذلك يعلنون تحديهم للعالم أجمع ويقولون لهم ‘ها نحن نعلنها حربا على تسامح الأديان’ و’حوار الأديان’ و’حوار الحضارات’ و’حوار الثقافات’، ونرمي بحماقاتكم ومجهوداتكم إلى النار.. إن ما سيقوم به القس تيري جونز وأصحابه من شأنه أن يفجر التوترات بين كل المسيحيين والمسلمين حول العالم من جهة، ومن جهة أخرى وهذا هو الأخطر على المستوى القريب من شأنه أن يدفع أفرادا أو جماعات أو منظمات متطرفة إلى ارتكاب أعمال عنف في جملة من مناطق العالم ضد رموز الكنيسة وأفرادها، مثلا في الشرق الأوسط الذي يعرف نسبة مهمة من عيش المسيحيين إلى جانب المسلمين، فضلا عن ارتكاب هذه الأعمال في قلب أمريكا نفسها.. ولا أعرف كيف ولماذا ستسمح دولة في حجم أمريكا التي وضعت نفسها ودولاراتها للتصدي لكل الأعمال الإرهابية لارتكاب هذا العمل الإجرامي في حق المسلمين والعالمين؛ أليس الإقبال على حرق القرآن الكريم، الكتاب المقدس لكل مسلم ومسلمة، عملا إرهابيا! هل انتهت العدالة الأمريكية خاصة والغربية عامة حتى لا يرجع هذا القس عن عمله؟ ثم ما هو التفسير الذي يمكن أن نقدمه لهذا النمو اليميني المتطرف حتى لا نجمل القول في أهل الغرب عامة، لأن منهم من وقف إلى جانب قضايا المسلمين العادلة، مثلا وقوفهم إلى جانب أهلنا في غزة والعراق وأفغانستان. وكيف يمكن لقس مسيحي أن يحرق كتابا مقدسا فيه اسم الرب؟!
بماذا سيشعر الشباب المسلم حيال إحراق كتابهم المقدس، وإن كانوا أحيانا يثقون في بعض الأصوات الأمريكية، ويحاولون جاهدين مد جسور الحوار والتعاون بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي وغيره. من المؤكد سيشكل بالنسبة لهم هذا التهديد أكبر كذبة قالها هذا ‘الحوار’. في المقابل ماذا لو أحرق الإنجيل أو التوراة في ذكرى احتلال العراق وأفغانستان والقدس مثلا، أو كانت هناك نية فقط في إحراقها.. أعتقد أن كل المنظمات والهيئات والمؤسسات العالمية والوطنية، الدينية واللادينية منها، ستستنكر وتشجب وترعد وتزبد لذلك. لو نجحت الكنيسة المتطرفة في عملها، ستعيد إلى الأفق هاجس الحروب الصليبية من جديد، وستفتح شهية الحركات المتطرفة في العالم على العمل والكيد بسلام الإنسانية. لأن ما ستفعله حاليا تلك الكنيسة رغم المعارضة الشديدة من أخواتها أشبه بالذي يريد أن يصب الزيت على النار مع الأسف.
يبدو أن البشرية اليوم تمضي إلى الهاوية، وإلى نتائج ستدفع ثمنها غاليا؛ ليس بسبب التغيرات المناخية التي كانت وراء الحرائق والفيضانات وكوارث طبيعية أخرى هنا وهناك.. ولازال في الكوارث بقية وفق التقارير التي تعدها كبريات المعاهد الدولية في هذا المجال؛ ولكن بسبب الجاهلية التي أصبح عليها عقل الإنسان المعاصر، عندما تصبح هذه الجاهلية في فكر رجل يحتل منصبا حساسا كقس في كنيسة توجد على أرض كأمريكا. فاعلم أن روح التسامح بين الناس بدأت في الأفول.. وأنه لا تسامح ولا ديمقراطية ولا مساواة ولا حقوق أخرى هناك غير إرادة القوة، تلك الفكرة التي كان قد عبر عنها نيتشه قبل حوالي 200 عام، عندما قال ‘ليس هناك خير ولا شر، فقط إرادة القوة’!. لقد سبق وتساءلنا في مقال لنا هنا في جريدة ‘أخبار اليوم’ تحت عنوان ‘سؤال التسامح’ وقلنا: هل نحن حقا متعصبون ولا نريد التسامح؟
، تساؤل يجب أن يطرح في كل مجتمع، سواء كان ينتمي إلى الشمال أو الجنوب، الشرق أو الغرب. وعلى المسلمين بالخصوص أن ينظروا إلى أنفسهم نظرة متأملة تساؤلية: لماذا لا يريد الغرب أن يتسامح معنا؟ وهل جرت العادة أن الضعيف يجب أن يقدم ولاء التسامح للقوي؟ لماذا كلما تحدثنا عن التسامح وحوار الثقافات، ظهر ما يفسد إراداتنا من رسومات مسيئة وتفجيرات إرهابية وصراعات عرقية هنا وهناك.
وها نحن اليوم، نشهد محاولة أخرى مستفزة من طرف جماعة متطرفة. تجعلنا نكون شاهدين على فساد القيم وإفلاسها، الشيء الذي يعني أن الحياة الإنسانية لا يمكن أن تنعم بظلال السلام وطعم التقدم. أليس حرق القرآن الكريم بعظمة شأنه في قلوب الملايين من المسلمين سيدفعهم إلى التفكير في بداية النهاية: نهاية الديمقراطية الغربية، نهاية الأخلاق والقيم والحضارة!
هل حان وقت أفول نجم أمريكا؟ خصوصا أن التاريخ يشهد على أن ما من دولة أفلت إلا وكان سبب أفولها قيمها الآفلة؛ حيث تستبدل العدالة بالظلم، والخير بالشر، والديمقراطية بالاستبداد، والمساواة بالاحتقار. لن نخرج عن منطق السلام والتسامح، لكن مثل هؤلاء الذين يدعون إلى حرق الكتب المقدسة، أصحاب اليمين المتطرف، هم المتلاعبون الحقيقيون بالسلام وكل من والاهــم وكان يعمل على شاكلتهم في الشرق كما في الغرب.
بدر الحمري