المصريون في الخارج

حجم الخط
6

أقصد بهذه التسمية أولئك المصريون الذين هاجروا من بلدهم الأصلي مصر لسبب من الأسباب العلمية أو التعليمية أو الإقتصادية، إما لبحث عن العمل أو الاستثمار، أو للضرورة السياسية أو الصحية أو حتى النفسية.
إستقر الآباء المهاجرون منذ عدة عقود في بلاد الغرب جميعا بحيث لا يكاد يخلو منهم بلد أوروبي أو أمريكي شمالي أو جنوبي أو كندا أو استراليا أو اليابان وغيرها. تعلم المصريون المهاجرون في هذه البلاد وعلَموا فيها، تأثروا وأثروا. منهم من نجح في مجال من المجالات او اكثر، نجاحا كبيرا لأن البيئة ساعدته. ويكفي في هذا ما قاله الباحث الدكتور فاروق الباز من أنه بعد أن حصل على الدكتوراه في الجيولوجيا الاقتصادية كان يعمل في مهنة البياض، تبييض أو دهان المباني ليعيش حتى وجد البيئة المناسبة في الغرب ليبرز في علمه، ويشترك في تعليم وتثقيف حتى رواد الفضاء. وهي ذات البيئة التي شكلت شخصية الدكتور السير مجدي يعقوب وجزءاً كبيراً من فكره وسلوكه الإنساني. هذا على سبيل المثال لا الحصر.
لا تكاد تجد مجالا لا يعمل فيه . كثير منهم ترك أثراً بارزاً بإستقامته ومهنيته والقليل أساء لنفسه ووطنه والقيم حتى الغربية منها، فهاموا في هذه البيئة المنضبطة بضوابط معظمها مقبول حتى إسلاميا، ومن الناحية الشرعية مثل العدل وإحترام حقوق الانسان والمساواة، والحريات التي طغى بعضها حتى على العقل.
من الأسف الشديد، أن عاش بعضهم من الاجيال الأولى والوسيطة في تشرذم، ولم تنجح كثيرا محاولات البعض للوحدة أو التنسيق فيما بينهم، للقـــيام بحــق الوفاء ورد بعض الجميل للوطن الأم مصر. قد يتحمل النــظام السياسي المصري بعض ذلك الفشل، ولكن الجزء الأكبر من ذلك الفشـــل يقع على عاتق وباء التفرقة والشك والتعصب الذي حمــله الأجداد والآباء معهم من ماضيهم البعيد، وقد نجا منه أو قد يتغلب عليه جيل الأحفاد في المستقبل، حتى ينتهي ذلك المرض تماما.
عاش ينظرون نظرة الشك إلى المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها، وإبتعدوا خصوصا عن مجالات الحكم والسياسة والإدارة فيها مدة طويلة. هذا الشك كان له ما يبرره ولا يزال بسبب الإستشراق والاستعمار سابقا، والهيمنة حاليا حتى على ثروات العالم العربي. ولكننا اليوم نجد منهم من يعمل في الإدارة الأمريكية، بل في البيت الأبيض مثل السيدة داليا مجاهد، مستشارة الرئيس أوباما للشؤون الإسلامية، ومنهم الدكتور طارق رمضان، الذي يعمل مستشاراً ضمن الهيئة الاستشارية للشؤون الإسلامية للإدارة البريطانية كذلك، وهذا ايضا على سبيل المثال لا الحصر. وهناك من مارس السياسة بشكل عملي وإنضم الى الأحزاب في أمريكا وبريطانيا أو فرنسا وغيرها من البلاد الأوروبية.
أكتب هذا المقال لما قرأته عن تصريحات للسيدة داليا مجاهد، مؤخرا تشير فيها الى توقعات بفشل السيسي إذا تولى حكم مصر، كما فشل مرسي في توحيد المجتمع، وأشارت إلى أن فشل السيسي في إدارة الحكم في مصر، سيكون بسبب حالة الاستقطاب الحادة التي يعاني منها المجتمع، إلى جانب المشكلات الاخرى العديدة، وفي مقدمتها تدهور الإقتصاد وحالة الكراهية التي يعيشها المصريون. وجاء في تصريحات داليا مجاهد أيضا، أن الإعلام وراء بث الكراهية والفرقة بين المواطنين وهذا بعيد الى حد بعيد.
تساءلت هل هذا هو الدور الذي يجب أن يقوم به نحو مصر؟ مجرد النقد والتوقع السلبي؟ أم أنهم يعكسون رؤية بل ومخططات البلاد التي يعيشون فيها للمستقبل؟ أما التوقعات بفشل السيسي مستقبلا إذا تولى حكم مصر، كما فشل مرسي في توحيد المجتمع، فهو أمر قابل للنقاش، ولربما ينجح السيسي في تحاشي أسباب فشل مرسي، وخصوصا أنه ليس رئيسا لحزب، ولا ينتمي الى جماعة معينة، ولا أظنه يقتصر في الإدارة على خبرات الأهل والعشيرة، وهذه ميزة كبيرة للسيسي، ولعله لا ينصت الى من يدعونه لتشكيل حزب جديد في مصر، فمصر مليئة بالأحزاب، وكلها ضعيفة بدرجات متفاوتة ولو كان من بينهم حزب واحد قوي لما تدخلت القوات المسلحة في السياسة بهذا الشكل، ومن الأولى بالسيسي أن يكون رئيسا لكل مصر، ولا يقبل أن يكون رئيساً لحزب ولا يقبل أن يُشكل حزبا جديداً. وحتى لا يكرر تجربة مبارك والحزب الوطني الفاشل الفاسد أو غيره من الأحزاب.
لم نسمع من السيدة داليا مجاهد رأياً بشأن الإستراتيجيات أو السياسة الامريكية تجاه أفغانستان ولا العراق ولا سوريا وخصوصا الإصرار الأمريكي على تدمير القدرات والإمكانات العسكرية السورية، وبشكل أخص التدمير والتخلص من الأسلحة الكيماوية السورية، وليس ذلك لصالح المعارضة السورية بل أنه وبكل تأكيد لصالح الكيان الصهيوني ولصالح إسرائيل.
وإذا كانت السيدة داليا مجاهد تعمل مستشاراً مع أوباما للشؤون الاسلامية، فلماذا تتدخل في السياسة المصرية أو غيرها؟ أم أن هناك خلطا مقبولا بين الدين والسياسة إذا كان ذلك في صالح السياسة الأمريكية؟
على أية حال، ياليت المصريون أو العرب جميعا يعملون لصالح بلادهم الأصلية ولقضاياهم العادلة، كما يعمل اليهود بفعالية كبيرة في تلك البلاد من أجل الكيان الصهيوني، رغم أن عمل اليهود تدعيم للظلم والإحتلال في فلسطين. ويستطيع أيضا، المصريون المهاجرون في الغرب أن يوازنوا بين عملهم لصالح البلدان التي يعيشون فيها وبين مصالح الوطن الام، ومن ذلك تنبيه أو رد تلك البلدان القوية الظالمة أو المهيمنة عن الظلم والهيمنة والجشع الذي يميز سياساتهم نحو بقية البلدان وخصوصا العربية، ويستطيع هؤلاء المصريون أن يؤكدوا القيم الغربية الجميلة مع تدعيمها بالقيم الدينية الوسطية التي تعلموها من الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي.
يستطيع المصريون كما قال لي بعضهم أن يسهموا في تنمية مصر كُل في مجال تخصصه، ومنهم من هو على إستعداد للإسهام في عمليــة التنمـــية على حسابه الخاص وقضاء إجازته في مصر في خدمة مهنته أو مجال تخصصه، وعلى مصر ان ترتب ذلك جيداً، وتستطيع السفارات المصـــرية في الخارج أن تقوم أيضا بدور قوي في التنـــظيم والتنسيق والإشتراك في إدارة جهود المصريين في التنمــية بحكم موقعها، دون ان تتمادى في سياساتها القديمة قبل الثورتين ضمن إطار الربيع العربي.
يمكن على سبيل المثال لا الحصر، الإستفادة في المستشفيات المصرية خلال إجازات الاطباء المصريين في الغرب أو أساتذة الجامعات أو الباحثين المتميزين في السياسة التعليمية أو الخطط التعليمية في المدارس والجامعات ومراكز الابحاث، وهذا وفق ما جاء في الدستور المصري الجديد بضرورة الاهتمام بالرعاية الصحية والتعليمية، وغيرها من مجالات التنمية. الدور الذي يمكن أن يلعبه دور مهم وخصوصا أن الدستور الجديد قد أعطاهم بعض الحقوق التي لم تكن لهم في الدساتير السابقة ومنها التمثيل في البرلمان الجديد وهذا أمر يفصله القانون. والله الموفق.

‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية