‘القيصرالرهيب’ في مواجهة ‘الغرب المهزوم’

حجم الخط
21

في برنامج مطول الخميس، وصفه التلفزيون الروسي بأنه ‘لقاء مباشر مع المواطنين’، ظهر فلاديمير بوتين متقمصا روح ‘قيصر رهيب’، بينما كان يتحدث عن ان مدنا اوكرانية، مثل خاركيف ولوغانسك ودونيتسك وخيرسون وميكولاييف او اوديسا كانت في الماضي تابعة لامبراطورية روسيا القيصرية.
وهو ما دعا سيدة روسية من الجمهور الذي تم اختياره بعناية الى توجيه سؤال له ‘ان كان ينوي استعادة ولاية الاسكا الامريكية كما استعاد شبه جزيرة القرم؟’، وهو ما اعتبره بوتين سؤالا يستحق اجابة جدية (..)، فذكرها بأن روسيا القيصرية باعتها للولايات المتحدة بحفنة من ملايين الدولارات في صفقة جيدة لامريكا، قبل ان يوجه كلامه لها قائلا (البعض اصبح يطلق على الاسكا اسم ‘القرم الجليدية’، ورغم ذلك لماذا تريدين منا استعادة الاسكا على اي حال؟’.
واذا كان من رسالة يبعث بها هذا اللقاء الكاشف، فهي ان الذين يتحدثون عن امكانية التوصل الى صيغة من التفاهم لتطبيع الاوضاع في اوكرانيا، سيتعين عليهم قريبا ان يفيقوا من اوهامهم.
وحسب نص تصريحات بوتين فان الميزانية الروسية لم تتكلف الا جزءا بسيطا من ‘احتياطي الطوارئ’ البالغ نحو مائتي مليار روبل (نحو ستة مليارات دولار)، لتلبية احتياجات القرم الاقتصادية، وهو واثق ان القرم على المدى البعيد سيمثل مصدر دخل اضافي للاقتصاد الروسي، خاصة بعد تنفيذ مشروع ربطه بريا بـ ‘الوطن الام’ اما عبر نفق او جسر.
وبصياغة اخرى لكلام بوتين: فان روسيا قادرة على تحمل الاعباء الاقتصادية لضم اوكرانيا بالكامل، وليس القرم فقط.
ويبدو ان الغرب الذي يسعى الى اتخاذ اوكرانيا ساحة للمواجهة مع ‘طموحات’ بوتين الامبراطورية، يدخل معركة خاسرة، حيث انه لا يستطيع ان ينزعها عن محيطها ‘الاوراسي’ الطبيعي، ناهيك عن ان يخاطر بصراع عسكري مع روسيا في حديقتها الخلفية.
وبالرغم من قرار الناتو بتعزيز قدراته العسكرية في شرق اوروبا، فان هذا يبقى ضمن الخطوط الحمراء للعبة التي رسمها بوتين ايضا، عندما شدد على ان نشر اي صواريخ قرب اوكرانيا سيمثل ‘تغييرا جيوسياسيا يستوجب ردا حازما من روسيا’.
وفي لهجة لا تنقصها ‘عجرفة القياصرة’ قال ان اوروبا تعتمد على الغاز الروسي لتلبية نحو خمسة وثلاثين في المئة من احتياجاتها من الطاقة، وان هذه النسبة ترتفع الى نحو سبعين في المئة في حال بعض البلاد الاوروبية. واكد انه سيكون ‘من الصعب عليهم الاستغناء عن الغاز الروسي’.
اما الاتفاق الذي وقعته الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي مع روسيا الخميس بشأن اوكرانيا، فمن الواضح انه يهدف الى ايجاد مخرج للغرب من مأزقه، وليس حلا لازمة اوكرانيا، اذ انه يتيح لروسيا الافلات من عقوبات جديدة لكنه لا يبعد مخاطر تصعيد النزاع.
ورغم ان الاتفاق ينص خصوصا على نزع سلاح المجموعات المسلحة المؤيدة لروسيا، واخلاء المباني المحتلة في المدن الاوكرانية الا ان الوضع على الارض بدا دون تغيير يذكر الجمعة.
بل ان الرئيس الامريكي باراك اوباما نفسه قال انه لا يملك اي تكيد على ان هذا الاتفاق سيتيح تخفيف التوتر على الارض. واشار الى انه في حال الفشل سيتم توقيع عقوبات امريكية واوروبية جديدة على موسكو.
وهو تهديد لم يتردد بوتين في الرد عليه بتهديد ضمني لكن شديد الوضوح بارسال قوات روسية الى اوكرانيا.
الواقع ان الغرب المهزوم سلفا في هذه المواجهة يحتاج الى قدر من شجاعة الاعتراف بالواقع، والخيال السياسي لتطوير خطابه ومواقفه لتتناسب مع زمن ما بعد ‘الاحادية الامريكية والفتوحات العسكرية’ التي اثمرت كوارث حقيقية من افغانستان الى العراق الى ليبيا، في ظل معطيات استراتيجية جديدة اعادت رسم خريطة موازين القوى.
اما بوتين فان خطابه ‘الامبراطوري’ ربما ينجح في دغدغة مشاعر القوميين الروس، او تصدير ازماته الى الخارج بحرف انظار الشعب الروسي عن تفاقم الازمات الاقتصادية والمعيشية، لكنه لن يستطيع ان يعيد عجلة الزمن الى الوراء.
اما العالم العربي المتصدر لمقاعد المتفرجين امام هذه التحولات الاستراتيجية الدولية الكبرى، فيفتقد ماكينة دبلوماسية كفوءة قادرة على ترجمتها الى مكاسب سياسية للقضايا العربية.
وبالنظر الى ملامح الخريطة الاستراتيجية متعددة مراكز القوى، تبرز مكانة تكتلات سياسية واقتصادية متعاظمة من الصين للهند وجنوب شرق اسيا وروسيا في مواجهة اليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الاوروبي، بينما يبدو العالم العربي للاسف كبقعة من الدماء، او كثقب اسود من التخلف والديكتاتورية والحروب الطائفية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية