محار الخليج

حجم الخط
0

حسين سليمان

تريد الطائرة أن تهبط في مطار البحرين، استدير الي فتاة بجانبي رافقتني الرحلة من لندن فتردد: انا لا أعرف، فقط احضر الدكتوراة بعلم الاجتماع في لندن ـ ثم من كلام الي كلام، هل تعرفين صديق اسمه… هو شاعر.. مثلا؟ فتهز رأسها: لا. ثم تتابع: يعني أنا.. آه.. صديق لك من البحرين؟ ثم تصر المقاعد نحو دولة قطر سقوط وحرارة. يجب خلع الجاكيت علي الأقل. الوقت منتصف تشرين الثاني.

في صالة الوصول يقول رجل موغل في السن: هل الأغراض التي معك مرخصة؟ فألتفت إلي من هو بجانبي ـ ربما الكلام له وليس لي، لكن لا أحد بجانبي، وانتبه أنني في صالة المطار عند الجمارك. أنت موظف الجمارك أنت تكلمني أيها السيد؟ نعم الكلام لك إنتْ. فأجيبه: كما تري لا احمل اي أغراض. حتي في الخيال مثلا ـ ماذا إن كنت تراني من الداخل، وتري أشيائي وأحلامي وآمالي؟ وأجيبه لا، لا أحمل أي أغراض. لكن هذه اللا غير مقنعة لأنها خرجت من دون حزم. يجب التعلم علي الحزم هنا في بلاد أصلها بادية وصحراء أصحابها ينادون بأصوات من صخر. ماذا يمكنك أن تري في داخلي؟ يجب الانتباه في هذي البلاد فهي بلاد فتح وتبصير. لا يعلم سوي الله ماتخبئه نفسي وما تخبئه الأرض تحت الأقدام فهي من يابسة وأنا من يابسة وعلي بعد قليل منا البحر الذي يسمونه البحر الفارسي. وقفت سيدة شامية تعرض أغراضها أمام الرجل العجوز ففردها أمامه وقال يختارها: هذي تدخل وهذي شكلها غريب ما تدخل وتريد ورقة من الميناء. لكن نحن في المطار ايها السيد العجوز! يعدو سرب من الناس أمامي. وأنا واقف. يجب أن تقف. انا صامت. يجب أن تصمت. ازدحام المطارات، أناس يطيرون وأناس يهبطون. آلية مكبرات الصوت تمنع المسافرين من حمل أغراض ليست أغراضهم. حتي أن الحقيبة في يد السيدة الشامية، كأن الحقيبة ليست لها، يدها تقبض علي الذي تركته هناك في موطنها ـ مازالت الرائحة معها والذكريات معها ـ حقا جسدها يتألم ولا تريد أن تعلن عنه لا تريد أن تقوله عيناها، وجهها صامت لا ملامح فيه. عكر المسافات. Is it Al Doha?أو الدوحة، طبعا بلكنة هندية وباكستانية. وجاءت سيدة فليبينية كي تدلني علي الطريق: هو من هنا أيها السيد. من هنا! كيف تدلني سيدة فليبينة علي طريق عربي؟ إن كانت اللوحات بالعربية، فأنا أعرف ايتها السيدة هذه اللغة. استطيع أن اتبع الاشارة. لكن الطريق يدور كأنني في متاهة فها أنا مرة أخري أمام الرجل العجوز فيسألني: أنت منين جيت؟ فأشرت بيدي نحو الطريق الذي يدور، كل الابواب تدور وكأن العالم المغلق يخرج كي يدخل ـ أصلا لا أحد يخرج كل الناس في الداخل ومرورك في هذا الوقت جعل لك فرصة ان تخرج قليلا وتري العالم. ثم أريد مرة أخري ترخيصا فأنا أعلم ما تحمله. هل لك هذه القطعة؟ فأنظرُ إليها ـ كانت يده تشير إلي أثاث في صالة المطار هي لكم ايها العجوز وليست لي. فيرد: لكنها بالقرب منك وهي أقرب إليك مني! نعم إنها حكمة البدو، حكمة اجدادي تتبعني فأنا أيضا بدوي وقد ربتني البادية، هل تعرف البادية السورية؟ بادية الغرباء، الشوام، الاجانب هي هناك. ولم أرها منذ وقت طويل. علي إذن إيجاد ترخيصا لدخول القطعة؟ لا، القطعة هذه لا تريد ترخيصا لكن أنت الذي تريد ترخيصا؟ إذن علي إيجاد ما تريدونه مني. جاءت مرة ثانية السيدة الفليبينية كي تدلني علي الطريق: هو من هذا المكان أيها السيد. نعم، لا بأس، كيف ترون الطريق فهو كذلك. نظرت الي الطريق فاختفي فقلت لها: إن سمحتِ مرة أخري من اين هو الطريق. لكنها كانت قد مضت، علي أن أري بنفسي. حسن إدراك اللغة لا يجدي نفعا. سوف أفعل كما طلب مني الرجل العجوز. في الحائط لوحة رسمت عام 1980 فيها قارب مقلوب علي جنبه وصياد يرتق الشبكة وقدمه التشكيلية بأصابعها فيها رمل وتعب وفقدان أمل. الصياد يشبه الرجل العجوز الذي طلب مني ترخيصا فوقفت اتأمله أريد أن استعطفه فهو في صورة تصور الحال في بداية القرن الماضي ماذا تريد مني أيها الصياد والبحر والقارب لكنه ظل منهمكا في عمله لم يكن يملك وقتا للإجابة. إذن علي أن أدور. أن أتعلم الدوران. رأيت السيدة الشامية جالسة علي الأرض. ففكرت أن هناك مقاعدا وكنابايات فخمة فلماذا الأرض. فأشارت بيدها، اشارت لأنها فهمت ما أفكر به. ماذا يعني مقاعد وكنابايات فخمة حين يطلبون ترخيصا ويوقفونك في مكانك؟ علي أن أترك بطريقة ما الذي أحمله، هل هناك احتمال لذلك؟ لقد وجدت حيلة فأنا ايها السيد العجوز لا أملك قطعة واحدة، يداي فارغتان، سوف ألقي بحملي وأجري، هل هناك ثمة خلاص. فاقترب العجوز من السيدة الشامية وراح يروي لها عن أيام زمان. كان الناس في تلك الايام ملاعين يهربون الذهب والقطع الثمينة بابتلاعها لكن الان هذه الطريقة قد عرفناها. والصياد منهك ينظر في خيوط شبكته القديمة ويريد أن يرتق شيئا لا يعرف من أين يبدأ. قدمه تملأ اللوحة كأنها تدفع العالم نحو الجهة الأخري. هناك حركة وجري في صالة المطار والناس تتأهب كي تطير أو تحط. وعناق. عناق امرأة غريبة لزوجها الغريب هناك في صالة الدوحة كانت عناقات لغرباء يصلون أو يرحلون. نظر نحوي بعيني صقر ذلك لأنه أحس برغبتي في الخروج. لكن أين أريد الخروج؟ يحل المساء وتهبط ظلمات الأبحر لا يبقي للبادية من هيبة أضواء وشعلات بعيدة وكنت أريد أن أري أين هم أهل المحار والردي. كانت الدنيا باكستانيين وهنودا وفلبينيين وغربيين، وأضواء وسيارات ـ مرت سيارة اكسبديشن تقفز علي أغاني الراب الامريكية والسائق الثلاثيني يهز رأسه ويعدل عقاله بين حين وآخر. كانت هناك بالقرب من مكدانولد شباب مصرييو اللهجة يحكون عن أخبار الكرة، ودكاكين صيانة ودواليب عالية الجودة وفي طرقات خلفية محلات لتصليح الأحذية الهندية يجلس العامل في جلبابه الباكستاني في كشك يتوسط الشارع يحاول في صنعة انقرضت منذ ثلاثين عاما. ومحلات تصليح تلفزيونات وراديو سيارات. إلي أين أريد أن أخرج لأبقي هنا أمامك أيها العجوز حتي يصيبني الضجر وأصيبه ثم يصيبني وأصيبه إلي أن ينهك احدنا الآخر. إنها محنة، محنة أن تكون بعيدا وقريبا فأنا لا أعرف من أنا؟ إذن تعال ايها… أيهاالصياد منكبا علي شبكتك، ألم تنهها، مازالت ممزقة ورتقك لم ينفع تعال إذن وخذني الي حيث أنت، انا جئت اليك. لكن العجوز يعقد ذراعيه كأنه يريد الذي أحمله فخذه إذن هذه البضاعة وخذ هذه الحقيبة، خذني، خذ داخلي وهزني كي يخرج الذي تظنه ذهبا ـ انا بالفعل جئتك احمل الذهب، هزني وخذ ما تريده إلي مكان مغلق فالمدينة إن خرجت إليها فهي محار وصدي. كاتب من سورية يقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية