الدورة الثلاثون لمهرجان القاهرة السينمائي وسجادة حمراء لم تغيّرشيئاً تخمة أشرطة وخانة بمسمي مثير وانكفاء الفيلم المميز

حجم الخط
0

زياد الخزاعي

الحراك الفني الذي عوّل عليه كثيرون في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بعد الاطاحة برئيسه السابق شريف الشوباشي و تعويضه المتعجل بالممثل عزت أبو عوف بدا وكأنه سابق لأوانه. فلا أجواؤه أزدهرت بالمختلف، ولا قائمة أفلامه أزدانت بالمكتَشف، ولا ما يُفترض بأنهم نجومه الأجانب أربكوا اعتيادية أيامه. نعم، هناك كمّ معتبر من الحفلات والرحلات السياحية للضيوف الكُثر الذين أندهشوا للاعتبارات المبالغ فيها التي وفرها لهم طاقم المهرجان ولكل ما يطلبونه، مقابل القليل الذي تطلبه منهم ادارة المهرجان. فمخرج لا يحضر ندوته الصحافية ليست بمشكلة. والغاء عروض أفلام داخل المسابقة الرسمية ليس بخلل، ومشاجرة مصرية خلال عرض ليست بعار. لا يمكن نعت هذا بالقصورالاداري، فهذا الوصف مزمن ولم يعد كافياً في استخدامه كشتيمة أو تحريض لاحداث تغيير ما في أروقة مهرجان ظل مصراً علي تضخمه غير المفهوم وغير المبرر. فوق هذا كلّه، انه العناد في اغفال حق اختلاف هذه الدورة عن سابقاتها، بمعني أن تتمايز بحفنة أفكار أو أحداث انقلاب ما في اختيار أشرطة. ليبقي الهاجس مرتهناً في عناوين الخانات الثابتة والتي ـ للغرابة ـ زُينت بعناوين جانبية وصل عددها الي 15 عنواناً (أضافة للمسابقات الثلاث الرسمية: الدولية (الأصلية) والعربية وفيلم الديجيتال (المستحدثتين))، منها العنوان ـ الصدمة والمتفذلك للخانة الجديدة افلام مثيرة للجدل والتي ضمت ثلاث أشرطة الفرنسي طنجة والعراقي الكردي عبور التراب والبوسني القدر عارية عن الجدل وناقصة للاثارة اللازمة!! هذا ان لم تستفز مشاهدها بعاديتها الفنية التي أراد عنوان الخانة العوراء أن يوسمها بـ فرادة غير عادية، وكأن هناك أعمالاً سينمائية تستحق الجدل واثارته، وأخري يجب أن تُرمي بسلة العروض من دون وجع قلب أو وخزّ ضمير!! لا يشك أحد بأهمية القاهرة ومهرجانها السينمائي، بيد أن المراقب للدورات العشر الماضية سيُصدم بالمستويات المتواضعة للأفلام المختارة ضمن المسابقة الرسمية، فهناك غياب للشريط المُكتشف مقابل أخريات ذات سمعة دولية لا تجد سبيلها سوي ضمن الخانات الموازية، والسبب، عرضها في مسابقات دولية تحرق حظوظها المصرية (حسب المادة الثالثة للائحته التي لن تسمح بعرض أي فيلم سبق اشتراكه في مسابقة أي مهرجان دولي آخر ). وفي كل مرة أحاول مناقشة الموضوع مع بعض الأصدقاء النافذين يكون الرد مكروراً: الكبار لا يرغبون في المشاركة خشية سرقة واستنساخ أشرطتهم، ناهيك عن الأضرار الجسيمة التي ستلحق بالنسخ أثناء العرض بالآلات المتهالكة. الاعتبار الأول يمكن أن يُبرر الي حدٍ كبير عنوان المداخلة ذات العنوان العريض حول القرصنة في المجال السينمائي (أثناءها اتهم السيد راضي رئيس أتحاد النقابات الفنية اسرائيل بسرقة العديد من الأشرطة المصرية وتركيب وجوه بعض النجوم مثل عادل أمام ويسرا وليلي علوي علي سحن وأجساد ممثليين قريبي الشبه بهم وانجاز مشاهد جنسية للنيل من سمعتهم (أو سمعتهن)!). والمشكلة هذه أعقد من ان تُطرح مصرياً حيث أن المراقبة علي تجارة الاستنساخ (وفي أغلبه سيئ جداً) شبه معدومة ويمكن شراء أي نسخة لفيلم محلي أو عالمي من علي أرصفة وسط البلد.

الي هذا فان اللجنتين الأساسيتين (اللجنة الاستشارية العليا ولجنة المشاهدة) اللتين تزخران بأسماء كثيرة تعدادهم يصل الي المئة وثلاثة أعضاء، يُفترض أنها ذراع قوية يتوجب وصولها الي أي نقطة انتاجية أو توزيعية في العالم للحصول علي أشرطة عرض أول عالمي ذات جودة عالية تليق بمسابقة رسمية لمهرجان عريق. ولا شك في أن هناك معوقات ضاغطة تحيل من هذا الوصول، الأمر الذي يعني وجوب طرح خطة بديلة للنظام المعمول به في هذا الاطار. صحيح أن نقاداً ومعنيين في الشأن السينمائي من مصر يجولون في أغلب المهرجانات الدولية سيشرفون علي عروض ستُدعي لاحقاً الي خانات القسم الرسمي خارج المسابقة و القسم الاعلامي و مهرجان المهرجانات ومثلها خانة سينما العرب، الا أن ما ينقصها في تقديري الشخصي هو المتابعة الدورية المستمرة للنتاج الدولي الذي ينبغي رصده و اصطياد الأجود منه وحجزه مسبقاً للمسابقة، أسوة بما يقوم به نظيره في مراكش علي سبيل المثال والذي يصر القائمون عليه من الفرنسيين علي ضخه بكمّ حصري من أفلام العرض الخاص أو الأول داخل مسابقتهم الدولية. هذه الآلية تحتاج الي زخم عمالاتي علي مدار العام يركز همّه في ما يتعلق بالمنتوج السينمائي قبل طرحه للمزايدات الخاصة بالمهرجانات الدولية. وليّ قناعة أن فقرة لا يسمح بعرض فيلم سبق مشاركته هي علّة تطبيقية بقدر ما هي ضمانة اختلاف وأحقية مهرجان في أن يملك حزمة عروض خاصة به. اذ ما يحدث عملياً هو أن جُل منتجي العالم (بما فيهم العرب) يضعون في نصب هتمامهم المشاركة في مهرجانات كبري محددة مثل كان وبرلين والبندقية كركائز بيع وتجوال مهرجانات لاحقة وتوسيع رقعة مشاهدة، فما هي حظوظ مهرجان مثل القاهرة في تحقيق اختراق معتبر ضمن تسابق مضن يحتاج الي جهود دؤوبة، هي في واقع الحال متوافرة في القاهرة من دون حُسن استخدام ودربة مناورة؟

وجدت ضمن البرمجة الموازية أفلاماً عالية الجودة (سنتعرض لبعضها ضمن التغطية الثانية لعروض مهرجان القاهرة السينمائي الأسبوع المقبل)، مرّت علي الكثيرين من دون أن تشد انتباههم، فيما كان التركيز علي أشرطة المسابقة ذات النفس السينمائي المتواضع علي شاكلة اليوم الثامن في الأسبوع للمجرية جوديت إلك الذي عاني من رتابة السيناريو المكرور حول حياة السيدة العجوز هانا راقصة الباليه المتقاعدة والتي تواجه محنة التعامل مع عصابة عقارات تحاول التحايل عليها للحصول علي حق شراء دارتها العريقة التي تعيش فيها وحيدة بعد وفاة زوجها، بيد أن علاقة حب متأخرة ستفتح لها آفاقا أُسرية أرحب. ولولا أداء الممثلة المخضرمة ماجا كوموروفسكا لكان الشريط تمثيلية تلفزيونية عادية الدراما والأحداث. ومثله كان باكورة المخرجة التشيكية مارتا نوفاكوفا مارتا (الغريب أنه فيلم تخرجها من أكاديمية السينما في براغ!! ولم أجد تبريراً مقنعاً الي ادراجه ضمن المسابقة)، وحكايته لا تتعدي الثلاثي الدرامي التقليدي، وهنا هم: الأب بائع الجلود وابنه ماريك وفتاة حسناء هي جندية من الأعداء. ما تبقي هو استعارات كثيرة حول قيمة العائلة والحب الذي ـ كما هو متوقع ـ بين الشابين وما يتبعه من شبق و شهوات التي ستثير مواجع الأب وغيرته التي ستوصل الجميع الي حافات المواجهة. فيما عاني جديد المصري خالد الحجر مفيش غير كده المقتبس عن مسرحية الخطايا السبع للبرجوازي الصغير للألماني الكبير برتولد بريخت من حزمة أنكفاءات فنية أساءت للنص الأصلي ولم تصل مطلقاً الي ما يمكن أعتباره رؤيا سينمائية مبتكرة يمكن الانتصار لمقوماتها الفنية أو الايديولوجية علي أقل تقدير. فلا المقاطع الغنائية الراقصة سيئة الصنعة كرست مبدأ نظرية تغريب بريخت، ولا الخط الدرامي المفكك (مونتاج شديد السوء من منار حسني) ضَمَنَ سردية مقنعة لعائلة تصر علي الوقوع في الخطايا لتحقيق مكاسب شخصية من مال وشهرة. ما ينقص فيلم صاحب أحلام صغيرة 1993 و غرفة للأيجار 2002 و حب البنات 2004 ان خطابه الأخلاقي مزوّر وبعيد عن حقيقة ما يجري في الشارع المصري. أنه شريط مصنوع لنجمة من طراز نبيلة عبيد التي قدمت أسوأ أداء لها منذ سنوات، وهو كذلك عمل مصطنع يقابل ثنائيات شخصية تشرح دوافعها أغنيات (صورها محسن نصر علي شاكلة الفيديو كليب خالية من أي أبتكار) وترسم لمتفرجها صورة كاريكاتورية لأفراد طبقة وضيعة يمارسون الدجل والفاحشة والسرقة لمآربهم التي ستنجح في توصيلهم الي خانة اجتماعية أرقي، من دون أن يتخلوا عن نزقهم ووضاعتهم التي جبلوا عليها.

ناهد سيدة نكدية تخلي عنها زوجها، وكرست حياتها من أجل بنتيها وابنها. وخلاصاً من العوز تحرض صغراهم وأجملهم علي الرضوخ للهفة المنتج التلفزيوني نادر (خالد أبو النجا) في تقديم مغنية كليب جديدة يجد فيها ضآلته. تقع ناهد في وله خفي مع الشاب الوسيم بيد أن جشعها سيحولها الي وحش اجتماعي لن يتواني في تقديم شرف الأبنة من أجل مبالغ اخري. في حين تقع الأخت الأاخري (تعمل كنادلة ويتوله بها مدير المطعم) في غيرّة تدفعها نحو الاصطدام بمعوق أرتقائها (الأم ناهد) خاسرة الحبيب لصالح زميلتها اللعوب. أما الأبن الضال فينخرط لاحقاً في السمسرة الفنية مستخدماً الأختين كأداتي كسب حتي لو تطلب بيع جسديهما.

شجاعة الحجر انه أختار نصاً سجالياً في ما يتعلق بشؤون الطبقة والتخريب الذي يطالها، بيد أنه (ومعه كاتبتا السيناريو كوثر مصطفي وعزة شلبي) أساء تقدير القراءة السياسية التي غُيبت قسراً في عمله. أذ ما نراه ونتابعه هو تابلوه واحد لا وجود لقنوات الخارج ضمن مؤثراته. وما يتبقي لنا هو التخمين هل شخصية نادر يفترض بها أنه القطب الاعلامي الفلاني، وهل ناهد هي الفنانة أياها التي دفعت بأبنتها الي واجهة الدعارة الفنية!! هذا التباسط السياسي وضع الحجر في مأزق فني جعل الحضور الصحافي يغرق في الضحك واطلاق التجريحات والتعليقات، اذ أن استخدامه للمفردات البدائية للتغريب البريختي (الحديث مع الكاميرا مباشرة، الرقص، القطع المفاجئ والأنتقالات المكانية السريعة وغيرها) قوبلت بعدم فهم أو بردود فعل مهزوزة. فالمتفرج (حدث في العرض الخاص أن غالبية الحضور هم من أهل الصحافة والنقد) هُرِب أهتمامه من الاسقاط السياسي ليُغرق في لعنة الأغاني بليدة التنفيذ والأختيار.

وحده، الشريط المكسيكي النظرة الأخيرة للمخرجة باتريسيا أريغا خوردان وقف شامخاً كنص وجداني عالي الجودة علي رغم كونه باكورتها السينمائية (الأكثر غرابة أن هذا العمل أشترك قبل أشهر في مهرجان غوادلاخارا السينمائي وحصل علي جائزة الجمهور فلماذا لم تنطبق عليه المادة الثالثة المذكورة اعلاه!!). فهو مزاوجة بارعة بين مفهومي الجمال وتغييبه والأحساس الأنساني وتغليبه. فالصبية الحسناء ماي (أداء مفاجئ من الممثلة الشابة ماريسول ثنتينو) هي آله جمال تخونها الظروف لتجد نفسها وحيدة داخل ماخور تعمل كخادمة لسيدته المتسلطة وبائعات الهوي القاطنات في غرف عُملت بعجالة في محطة قطارات مهجورة. براءتها (والدتها الغانية الشهيرة بين سائقي الناقلات تفر من قدرها الي الطرف الامريكي من الحدود، وتسلمها الي قوادة الماخورالمسمي بـ سفينة الغليون الصينية كصفقة ترد الجوع عن والديها الهرمين وأبنتها) تقودها الي فعلين: الأول وقوعها بحب شاب ميسور الحال علي أمل الخلاص من ضيم أجتماعي ضاغط قبل أن يهرب لاحقاً بعد أن يراها وهي تقوم بخدمة الزبائن، والثاني تربية فراشات برية لاستنساخها في مطرزات فنية تبث فيها آمال الهروب الذي سيحدث بعد ساعتين من الدراما النقية (ستحرقها مع الخيمة أثر فشل حبها الأول وخروجها سالمة من أول محاولة أغتصاب). علي ماي انتظار اللحظة التي ستقود الرسام التشكيلي الشهير هوميرو (الممثل المسرحي سيرج ماتيو) نحو أنوار الماخور ـ كما هي فراشاتها الباحثة عن النور واللهب ـ ليُبصر الجمال البشري لآخر مرة في حياته، أذ سيفقد بصره أثرها، وهي العلة التي ورثها عن أبيه. هوميرو الذي نبذ كل شيء وأخذ يترصد آخر ملامس الضوء واللون والأشكال، سيمر بطهورية متعجلة بوقوعه في وله راهبة يختطف منها قبلة يتيمة قبل أن تُعلن أنها تحبه لكنها تعشق الله. وحينما يدخل الأعمي الي الغرفة البائسة، لن يتعجل خلع ملابسها وتعرية صباها. فهو غير قادر علي رصد ملامحها ـ التي أدعت القوادة أنها صبية صينية عذراء ـ، لكنه سيفاجئها بطلائها بالصبغة الحمراء. فهو اللون الوحيد الذي سيشيّد له بناء عمارات الجمال ويوضح منحنياته وذراه الخاطفة. هوميرو الحساس لاعادة تشكيل الجسد (نراه في بداية الشريط وهو يرسم الجسد المثير لعشيقته قبل أن تتخلي عنه بسبب عاهته) سيرسم جسد ماي بحاسته الوحيدة اللمس قبل أن تتلمس شبكية عينيه المريضتين فتنة الجسد الناحل. وعندما يحمل حقيبته ويرحل، ستجد ماي أنها النظرة الأخيرة التي ستقودها الي أرض الصفاء الداخلي والأحساس بالأمان الشخصي، لتهرع خلفه حاملة حقيبة عفتها التي لم تبعها (كما هي أمها)، فطهارتها ستتماهي بطهارة سواد عماه. المخرجة خوردان صاغت نصاً شديد التقليدية، فصلّت مشاهده علي ثيمة بصرية واحدة هي فراش أبيض نقي عليه قطرات حمراء قانية، تجعلنا نحترس من الوقوع في تأويل سريع لجريمة زنا، وبدلا من ذاك سنرحل مع شخصياتها القليلة نحو حِكم الجمال وبدائع صنعته. ناقد سينمائي عراقي يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية