لماذا لا يوجد أساتذة في الصحافة السورية؟

حجم الخط
0

هواجس اثارها برنامج عن جبران تويني:

حكم البابا

أثارت لدي الحلقة التي قدمها الصحافي علي حمادة من برنامجه (الاستحقاق) علي شاشة المستقبل الأسبوع الماضي، في ذكري مرور عام علي اغتيال الصحافي جبران تويني أسئلة وهواجس كثيرة، فعلي الرغم من أن رغبة وهدف الأستاذ حمادة من الحلقة كان تقديم صورة جبران تويني في عيون من عايشه من صحافيي جريدة النهار، إلاّ أن الحلقة التي صورت في مكتب جبران في جريدة النهار واستضافت الأستاذين نبيل بو منصف وراشد فايد بالاضافة إلي نايلة تويني، وتلقت شهادات عبر الهاتف للاستاذين عبد الوهاب بدرخان وعبد الكريم أبو النصر وغيرهما، قدمت من حيث لا تقصد ربما صورة مدرسة النهار الصحافية التي ربما تعتبر الأولي عربياً من حيث مهنيتها واستقلالها.

ولهذا السبب بالذات، ولأنني من البلد الجار والشقيق للبنان، ولأنني قضيت أكثر من عشرين عاماً في الصحافة السورية، فقد عنت لي حلقة (استحقاق) علي حمادة هذه ما لم تعنه لغيري من مشاهديها، فكانت كل جملة ترد علي لسان أي من ضيوفها تعيدني إلي حوارات طويلة كنت طرفاً فيها، أو علي الأقل مستمعاً لها داخل ما يسمي تجاوزاً المؤسسات الصحافية السورية، وكانت كل حادثة يذكرها أي من صحافيي النهار أو من خريجي مدرستها، تذكرني بكل الأحداث والحوادث التي عشتها خلال عملي الذي كان يطلق عليه تجاوزاً أيضاً عملاً صحافياً، ولذلك كلّه فقد كانت مشاهدتي لحلقة (الاستحقاق) تفاعلية فيما لو استخدمت مصطلحات الصحافة الالكترونية، أو بطريقة الفوتومونتاج فيما لو أردت استخدام مفردات العمل التلفزيوني، فعندما كان يتحدث نبيل بو منصف عن التقاليد الصارمة التي تمنع ابداء الرأي في جريدة النهار من خلال الخبر، كانت تمر في رأسي كل الأخبار التي قرأتها في الصحافة السورية، والتي لم يخل أي منها بما فيها أخبار الطقس من رأي وزارة الاعلام السورية والتوجهات الحكومية الرسمية، وأتذكر كل الكليشهات الجاهزة في لغة الصحافة السورية الخبرية، بحيث أنه من المستحيل أن يمر خبر تذكر فيه كلمة القيادة مالم تردف بكلمة الحكيمة، وكلمة الحكومة ما لم تذيّل بكلمة الرشيدة، وأن لا توصف المواقف السورية بالمبدئية والثابتة، وأن يمر اسم الاتحاد السوفييتي أيام كان موجوداً ما لم يؤكد علي كونه الصديق، وأن يذكر العدو الصهيوني ما لم يؤكد علي عدوانيته بكلمة الغاصب، وهذا فضلاً عن جمل بكاملها مثل: المنظومة الاشتراكية وعلي رأسها الاتحاد السوفييتي الصديق، والامبريالية الامريكية وربيبتها اسرائيل، والدول المحبة للسلام، والتي كانت تلقي علي مسامع المواطن السوري من بداية البث وحتي نهايته، في كل برامج الاذاعة والتلفزيون من نشرة الأخبار إلي برنامج مايطلبه المستمعون، وتتكرر يومياً في كل خبر من أخبار الصحف السورية الثلاث، سواء كان سياسياً أو حتي عن فوائد الرضاعة الطبيعية، إلي الدرجة التي أصبح فيها المواطن السوري يحفظها أكثر مما يحفظ سورة الفاتحة أو أبانا الذي في السماوات، وصارت قراءة خبر في صحيفة أو سماعه في التلفزيون، أشبه ماتكون بالاستماع لمهرجان خطابي، أو حضور اجتماع حزبي، أو المشاركة في مسيرة جماهيرية.

وفي الوقت الذي كان يتحدث فيه ضيوف برنامج الاستحقاق من صحافيي وخريجي مدرسة النهار الصحافية عن مقالة الرأي في جريدتهم، كانت تمر في ذهني أسماء كل كتاب أعمدة ومقالات وتعليقات الرأي في الاعلام السوري، مقروءاً ومسموعاً ومتلفزاً، والذين لو قدمت مقالاتهم لأي مصحح امتحانات في العالم، لنالوا علامة الصفر علي غشهم، بسبب تطابق وتشابه ليس فقط الأفكار في مقالاتهم، بل والتعابير والكلمات والصيغ المستخدمة، كما لو أنهم جميعاً نقلوها عن مصدر واحد، فكتاب الرأي في الاعلام السوري يمضون أعمارهم في كتابة رأي ليس رأيهم، وجهدهم ينحصر عند كل مساحة يطلب منهم تحبيرها، هو جهد إعادة انتاج مدخراتهم من العبارات الجاهزة في صيغ مختلفة نوعاً ما عما سبقها من مقالات، إلي الدرجة التي جعلت محرري جريدة تشرين السورية في وقت من الأوقات يتندرون علي التعليق السياسي اليومي لمدير تحريرها الأسبق جبران كورية بالقول، انه يكتب مقالته السياسية كل مرّة من خلال رمي ما يملكه من مفردات علي الورق بطريقة رمي أحجار النرد، والفارق بين مقال وآخر له هو الفارق بين الجهار وسيه، وبين الدوشيش في لعبة طاولة الزهر.

أما أكثر نقطة أشعرتني بالغصة خلال متابعتي لحلقة برنامج الاستحقاق فهو حديث ضيوفه عن الأساتذة والمعلمين الصحافيين في جريدة النهار، لأني لم أجد اسماً واحداً من بين كل الصحافيين والمدراء الذين تعاقبوا علي حكم الإعلام السوري يستحق أن يوصف بالأستاذ، فأغلب الذين أداروا تحرير الصحف السورية، كانوا يحصلون علي مراكزهم باعتبارها مناصب سياسية لا إعلامية، وعندما يغادرونها سواء إلي مناصب أخري كسفراء أو قائمين بالأعمال، أو وزراء، أو إلي بيوتهم كموظفين تحت تصرف وزير الاعلام، وهي صيغة من صيغ التقاعد المبكر، تنتهي كل علاقتهم بمهنة الصحافة، ومن النادر أن يعثر أي قارئ بعدها علي اسم أي منهم في أية صحيفة، ولهذا السبب فالصحافيون السوريون، هم صحافيون بلا أساتذة، عليهم أن يتعلموا ماتبقي من مهنة الصحافة في سورية بجهودهم الذاتية، وأقلهم خبــــــرة وثقافة يعتبر استاذاً بالنسبة لأي أمين أو مدير أو رئيس تحرير مرّ علي أية جريدة سورية.

أشعرتني مشاهدة الحلقة التي خصصت لذكري جبران تويني من برنامج الاستحقاق بالمأساة الصحافية السورية، التي فضلاً عن أنها لم تستطع أن تصنع إعلاماً أو تخلق أساتذة، لم تقدم أية خبرات للاعلام العربي، باستثناء بعض المذيعين والمذيعات، وهو أمر مفهوم باعتبار أن شغل هؤلاء يعتمد علي قراءة وترداد نص مكتوب، وهو أكثر مابرع به الاعلام السوري، وأسس عليه مدرسته، في حين يتحكم الاعلاميون اللبنانيون ومن بعدهم المصريون والفلسطينيون بكل المفاصل الفاعلة والمؤثرة في الاعلام العربي، وإذا كانت الحرية في لبنان قد أسست لمدارس في الاعلام ذات تقاليد وخبرات وأساتذة، وإذا كانت شمولية النظام الناصري لم تستطع أن تلغي وجود مثل هذه التقاليد والخبرات والأساتذة، وإذا كانت كل الظروف التي عاشها الفلسطينيون تحت الاحتلال وفي الشتات لم تمنع من ظهور التقاليد والخبرات والأساتذة، فإن السوريين الذين أوقفت صحفهم ومجلاتهم الكثيرة بعد الثامن من آذار 1963 واختصرت بثلاث نسخ تحمل ثلاثة أسماء لصحيفة واحدة، وثلاث قنوات تلفزيونية هي في جوهرها قناة واحدة، يحكم إعلامهم تقليد واحد ووحيد هو الولاء، ومع مرور السنوات اختفت الخبرات التي تسربت إلي إعلامهم من عهد الصحافة الحرة، وألغي نظام العمل في صحافتهم وجود الأساتذة والمعلمين المهنيين، واختصرهم بشخص وزير الاعلام، الذي اعتبر نفسه مايسترو يقود فرقة من العازفين، الذين يأتمرون ويعزفون علي ايقاع حركة العصا التي يحملها في يده، علي حد تحديد وزير الاعلام السوري الأسبق أحمد اسكندر أحمد لمفهومه للاعلام، وهي القاعدة التي ما زالت سارية حتي اليوم.

كاتب من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية