تعويضاً عن ضياع العراق: البوشية تصارع ديمقراطية الجماهير في لبنان

حجم الخط
0

مطاع صفدي

يبدو أن أية خارطة لتحولات عربية بنيوية لا تتحقق إلا كملحقات لتحولات دولية. وأمريكا ومتغيراتها السياسية الداخلية هي الممسكة بالأمر اليومي لسياسة العالم. هذا معطي ليس جديداً، لا بالنسبة للفهم، ولا بالنسبة للوقائع الكبري منذ انتصار الحرب العالمية الثانية. لكن مع تسلم إدارة بوش الابن أصبح المدخل الأمريكي إلي كل مشروع استراتيجي لها، لا بدّ أن تمرّ تمارينُه الأولي عبر تضاريس القارة العربية والاسلامية. وعلي نتائج هذه التمارين ترتسم الانعطافات الحاسمة لقصة النصر أو الهزيمة التي ستُبتلي بها. وفي الحالة الراهنة يكاد يشهد كل العالم أحد أكبر الفصول التراجيدية لولادة إمبراطورية العصر الأمريكي وموتها في مهدها. فالعراق الذي لم يستطع أن يهزم أمريكا وهو في لحظة دولته ووحدته، فإنه يهزمها وهو في لحظة دماره وتفككه. لكن كما أن إحباطات القوي العظمي لا تكون كاملة، كذلك فإن انتصار الضعيف منها يظل نسبياً دائماً. وربما كانت تداعياته أكثر فعالية وتأثيراً ليس في وطنه فقط، بقدر ما هي في وطن عدوه وغازيه. ذلك أن الحقبة البوشية قد حشرت كل رهاناتها تحت طائلة عسكرة المشروع الإمبراطوري، وكان برهانها المركزي علي جدارتها المطلقة محصوراً في اغتصاب أرض العرب بدءاً من إحدي بواباته الكبري، كأنما اقترفت الحقبة البوشية أخطر خياراتها بين أن تكون أو لا تكون، وهي متيقنة من الفوز بالجائزة العظمي، دون أن تدفع إلا أرخص ثمن لمجرد الغزو السهل والاستيلاء علي بلد الكنوز الاستراتيجية، كمقدمة لاستيعاب الثروات الأعظم من احتياطيات النفط الهائلة المدفونة في صحاري العرب والاسلام.

لكن، وقبل أن يلفظ المشروع الأمبراطوري أنفاسه الأخيرة في بلاد الرافدين، فإنه ينقلب إلي لبنان لعله يتمكن من تأجيل نهايته المحتومة باستيعاب البلد الصغير واستئناف مخططاته في المنطقة. فما يشكل الأهمية الاستثنائية لدلالة المعركة الأمريكية الأخيرة في لبنان هو الاستشعار بالضرورة القصوي لراهنية التعويض العاجل، وبأي ثمن أو طريقة عن خسارة العراق، وكل ما كان يتوقف علي استملاكه من أحلام السيطرة علي مستقبل الألفية الثالثة باحتكار الطاقة والتحكم في استراتيجيتها الدولية. وانطلاقاً من هذه الظاهرة ينبغي تقدير هذا المدي من الحدة والخطورة التي راحت تتصاعد حسب إيقاعه المجابهات اليومية بين متراسي السلطة والمعارضة المنخرطة في سيرورة ثورة جماهيرية منظمة هي الأولي من نوعها في قصة النهضة العربية المعاصرة. فما كان يسمي بالجمهور العربي الثائر أمسي نسياً منسياً منذ أن كانت له جولاته الريادية المظفرة إبان الحقبة الناصرية. ولكن لم يلبث هذا الجمهور أن ارتدّ إلي طبيعته الأولي، إلي مجرد قطعان مسلوبة الإرادة، ما أن مُنعت عليه وظيفة المعارضة. واحتُسبت أدواره الاجتماعية في مربعات التأييد الببغاوي لأسياده الحاكمين، والمضي في اجترار شعارات الدعاوة اللفظية لخيارات السلطات الفوقية، المنتحلة لعناوين العمل الجماعي الزائف باسمه، حتي عندما تُرتكب أفدح الخطايا الوطنية أو التنموية تحت هالة الدفاع الكاذب عن مصالحه.

ما ينبغي التأكيد عليه في برهة التحولات العربية الدولية الراهنة هو ضرورة التنبه لكواليس الأحداث المتفجرة، اليوم أو غداً، ما بين مسارحها اللاهبة من بغداد إلي غزة إلي بيروت. فإنه، في السياسة العربية خاصة، ليس كل ما يبرز في مقدمة كل مسرح كافياً لاكتشاف الحبكة الروائية للحدث الدرامي. فكثيراً ما اعتدنا الانبهار سلباً أو إيجاباً بالممثلين أو اللاعبين الظاهرين، وجهلنا أو تجاهلنا بالأحري المؤلفين الأصليين. لكن لبنان الذي ألف ازدواجية المسارح وكواليسها في مختلف انعطافاته السياسية، السلمية والدموية منها، يكاد يضع حداً لألعاب الأصل والظل، لدرامية المسارح الأزدواجية، لدرامية الالتباس بين الجواني والبراني، منذ أن استطاع توليد معارضة جماهيرية، منظمة ومستديمة، من رحم ذلك النصر العسكري الفريد، الذي شرع سريعاً في قلب موازين القوي المسيطرة علي خارطة المشرق العربي، اعتباراً من انتهاء الحرب الباردة.

إنه لبنان المفاجآت الكارثية المعتادة، المتسلسلة عن نموذج الاقتتالات الأهلية المفروضة عليه، بات أخيراً الصانع شبه الفريد لتحولاته البنيوية، مؤهلاً لاكتساب عادة الإنتاج الذاتي لأهدافه، لفرض شخصية البلد الممسك بأسباب تحولاته المصيرية. ههنا ذروة الخطر والنصر الأصعب ولا شك. فالعدو المجروح والشرس، يرمي اليوم بكامل ثقله السياسي والدعاوي وشبه العسكري تقريباً، بكامل عدة التآمر والضغوط المكشوفة، في معركة المواجهة المطلقة والحاسمة ضد لبنان الثورة الجماهيرية؛ كما لو أنه غدا خط الدفاع الأخير عن الحقبة البوشية وعربداتها في المنطقة. فإن أمريكا التي حاربت استقلال لبنان بواسطة جيشها الاسرائيلي، خلال الصيف الماضي، فزادته مناعة وتأصلاً بدلاً من زعزعته والقضاء عليه، تتابع محاولات التغلب علي تداعيات الفشل العسكري، باصطناع الصمود السلطوي لحفنة أعوانها، وضداً علي المقاومة التي تطورت إلي أهم معارضة جماهيرية سلمية حلمت بها صفوف متلاحقة من الطلائع النهضوية المغدورة غالباً في نضالاتها المحبطة فكرياً وحدثياً.

لكن معركة لبنان الجماهيرية اليوم التي وصلت إلي أوج احتدامها ضد فريق السلطة المراهن أولاً علي قوة الدعم الخارجي العربي الرسمي والغربي الأمريكي، وحتي الاسرائيلي، والمعلن يومياً تقريباً علي ألسنة قادة هذه الدول الممعنة في تجاهل أصالة الرفض الشعبي، هذه المعركة يفرض عليها أحد خيارين سوداوين، إما تحويل الصراع كلياً إلي الاقتتالات الطائفية والمذهبية، وإما الانسحاب من الشارع، أي ما يعادل انتحارها السياسي، وانقضاء الظاهرة الجماهيرية وهي في أوج تألقها الإجتماعي غير المسبوق، ومنعها من إنجاز شعارها السلمي المتواضع، والمكتفي بتحقيق مبدأ المشاركة مع أركان السلطة الحالية، والتخفيف قليلاً من طابع الاحتكار والاستئثار بالقرارات الاستراتيجية وحدها. وهي كلها تصب في خانة الثنائية الأمريكية المفروضة علي سلطات المنطقة كلها، وليس لبنان وحده، ثنائية الفساد الداخلي والتبعية للخارج، والمتمثلة راهناً بالمشروع الشرق الأوسطي البائس. هذا بالرغم من أن المشروع يلفظ أنفاسه وهو في رحمه الخبيثة. وفي الوقت الذي يعلن فيه عن إفلاس الاحتلال الأمريكي للعراق حتي من وعوده لذاته عبر تقرير صادر عن السلطة الفكرية لحزبيها الديمقراطي والجمهوري معاً، فإن التشبث باحتواء لبنان لن يؤدي بأصحابه إلي مصير مغاير لمصيرهم في العراق. مع الفوارق النوعية المتعددة في كون لبنان أولاً يعيش طريقة فريدة من الديمقراطية منذ تأسيسه تسمح له دائماً بهوامش من التحركات الشعبية الحرة، وإن كانت معظم هذه التحركات تصاب غالباً بصنوف من التحريف إلي درجة الإنقلاب علي أهدافها المعلنة. ذلك أنه في مواجهة تلك الهوامش الحرة تنتصب الحواجز الطائفية والمذهبية والجهوية إلخ.. وفي الحالة الراهنة يبلغ الاستعصاء أعلي ذرواته التاريخية بين هوامش الحرية وحواجزها التقليدية تلك. لكن دخول الجماهير الهائلة إلي ساحات الفعالية المباشرة يطرح رهانات مدنية وديمقراطية جديدة تماماً، وقد يتوقف علـــي نجاحها، كلها أو بعضها متغيرات حاسمة فــــي التشكيلة البنيوية المتوارثة تحت أسماء الأديــــان والمذاهب والمناطق، كما أن إحباط هذه الرهانات قد يحكم علي وحدة لبنان بالتفكك شبه النهائي هذه المرة.

تأتي في مقدمة الحظوظ المتناقضة هذه إمكانات غير مكتشفة بعد أو مفعّلة بحدود ظاهرة. وأهمها ولا شك ذلك المبدأ الذي يعترف أولاً بالخارطة التوزعية للمجتمع كأمر واقع، لكنه في الآن عينه يراهن علي جعل القوة الافتراضية لكل دائرة مغلقة في خدمة العام الذي يتجاوزها. وقد جاء البرهان الواقعي علي نجاعة هذا الافتراض من مثل النصر العسكري الذي أنجزه حزب مذهبي في تكوينه البشري، ومن ثم صار للنصر تسجيله التاريخي في خانة الوطني والقومي بل الإنساني، عندما صنَّفته الثقافة العالمية لمناهضة الاستعمار الجديد تحت شكله الإمبراطوري الأمريكي، في عداد إنجازاتها النموذجية المتقدمة.

هذا الانجاز المتفرد يكرس تصحيحاً مدنياً لأعتي مخلفات الانحطاط الحضاري، المتجسدة في تفتيت المجتمع إلي شبكيات من القواقع المتعضية المرتطمة ببعضها بدلاً من انفتاح الكل علي إمكانيات الكل. كما أن هذه النقلة النوعية من النصر العسكري الاستثنائي إلي صيغة المعارضة الأهلية ذات البعد الجماهيري السلمي، إنما تضع حجر الأساس لبناء ديمقراطية صاعدة من أوسع قاعدة شعبية، لا يمكنها إلا تحقيق المزيد من انفتاحات مضطردة لمختلف مكونات المجتمع علي بعضها. ذلك مدخل لديمقراطية حائزة مقدماً علي ذخيرة لا تنفذ من مصادر الشرعية المعترف بها من مختلف أطراف العملية السياسية التي هي في أصلها عملية بناء المجتمع المدني الحقيقي بضمانة كل أفراده. لكن التحولات البنيوية الحاسمة لا تُترك لتفاعلات قواها الذاتية في الدول المرصودة تحركاتها من قبل أعدائها التاريخيين. وهكذا لا تجد أمريكا بين يديها سوي نموذج المهالك العراقية تهدد به فجر الديمقراطية اللبنانية المصنوعة بأجسام الجماهير المليونية المحاصِرة لسرايا الدولة وحكامها الرافضين لأبسط مبادئ العدالة في المشاركة الجزئية بصنع القرارات الاستراتيجية: فإما الخضوع لثقافة الاستئثار السلطوي التبعيّ أو التهديد بحريق الدولة والمجتمع معاً. فهل يتجاوز لبنان الخيارين هذين. الأيام بل الساعات القادمة تحدد المصير. مفكر عربي مقيم في باريس9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية